الرئيسية / المكتبة الصحفية / على مشارف نصر اكتوبر

على مشارف نصر اكتوبر

 

1

ليس  عندي شك ولا تشكك ولا تشكيك في أن يوم 6 أكتوبر 1973 لايزال هو أعظم الأيام في تاريخ العرب الحديث والمعاصر بلا استثناء.. ولا يمكن أن يصور يوم آخر أو يمجد ليقترب في مجده من هذا اليوم.. والواقع أن عظمة هذا اليوم في التاريخ الإنساني وأثره لا تقف عند حدود مصر وإنما تمتد إلي العالم العربي كله.. والعالم الإسلامي.. ودول عدم الانحياز.. وكل الشعوب المحبة للسلام.. والإنسانية نفسها..

ولست أبالغ إذا قلت إن انتصار الإنسانية في هذا اليوم يرجع إلي ثلاثة عوامل تستأهل أن تؤلف فيها كتب ومراجع.. لأنه في هذا اليوم ثبت الحق.. وظهرت أمارات واضحة علي أن المظلوم لابد أن ينال حقه ولو بعد حين.. كما أنه في هذا اليوم انتصرت الإرادة الإنسانية وأثبتت أنه يمكن لها بالإيمان أن تحقق المستحيل.. 

كما أنه في ذلك اليوم انتصر الإنسان في عصر ظن المفكرون فيه أن الآلة قد حسمت المستقبل وأخذته بيدها تماماً.. وقد كان أنور السادات بمثابة يد الإنسانية التي أثبتت هذه النجاحات الثلاثة.

2

ومع أني لا أحب العبارات الخطابية ولا العبارات الحماسية فإني أعتقد أن هذه هي أقل الألفاظ للتعبير عن الانتصار الذي تحقق في 6 أكتوبر بقيادة السادات.. 

والواقع أن كثيراً من كتابنا الذين اختلفوا مع الرئيس السادات يقدرون قيمة 6 أكتوبر ويقدرون أن هذا اليوم هو يوم أنور السادات.. لكن هذا للأسف ليس موقف بعض مَنْ كانوا أصدقاء السادات واختلفوا معه ، 

ومع أن السادات لم يسئ إليهم ـ في الحقيقة ـ وإنما هم الذين بدأوا الإساءة وعلي الرغم من ذلك فإنهم عندما يكتبون في ذكري 6 أكتوبر لا يتكلمون إلا عن الجندي المصري وأدائه فحسب.. وكأن الجندي المصري انتصر بدون قائد.

ومع أني لا أحب العبارات الخطابية ولا العبارات الحماسية فإني أعتقد أن هذه هي أقل الألفاظ للتعبير عن الانتصار الذي تحقق في 6 أكتوبر بقيادة السادات

3

وهناك آخرون كانوا قريبين من السادات لكنه (لسبب أو لآخر رآه ) بخل عليهم بمنصب كانوا يتمنونه فانسحب رد فعلهم علي 6 أكتوبر وحاولوا ألا يمكنوا هذا اليوم مما يستحقه في أعيادنا القومية.. وحاولوا بكل وسعهم أن يحتفظوا ليوم 23 ديسمبر باسم »عيد النصر« مع أنهم يعرفون حقيقة ما حدث في 1956.

بل إن هناك “موسوعات بدائية الإعداد والعلم” صدرت في بلاد عربية عن مؤسسات تسيطر عليها دور نشر أيديولوجية.. ومن المؤسف أن تكتب هذه الموسوعات عن يوم 6 أكتوبر من خلفية معادية كما لو أن هذه الموسوعات تصدر عن وجهة نظر إسرائيلية ولا نقول أمريكية ، لأن أياً من الأمريكيين لا يجرؤ علي أن يتناول نصر 6 أكتوبر علي نحو ما يفعل هؤلاء الأخوة الذين يؤثرون أن يظهروا بمظهر الحريص علي ترجمة النص  الإسرائيلي المشبوه وكأنه العلم الحقيقي.

4

وعلي الرغم من أننا نمتعض تماما لمثل هذه السلوكيات فإنه من الإنصاف أن نذكر أن فهم 6 أكتوبر والنصر الذي تحقق فيه ليس بالأمر السهل وبخاصة علي المثقفين المصريين والعرب الذين ظلوا طيلة عقد كامل أو عقدين لا »يتناولون« من الطعام السياسي إلا مادة سياسية جاهزة الصنع في صورة مقال أسبوعي كان بمثابة المقال الوحيد المسموح له بالتعرض للتحليل السياسي والتفكير السياسي. وقد وصل هذا المقال بقرائه قبل حرب أكتوبر إلي مرحلة اليأس الكامل.. 

وكان هذا من حظ القراء الذين بقي الإيمان مكوناً من مكوناتهم.. ومسيطراً علي نفسياتهم. وكان الواحد من هؤلاء يقول عقب قراءة كل مقال: »ليس لها من دون الله كاشفة« فلما جاء نصر أكتوبر أدرك هؤلاء أن النصر من عند الله وأن كل المعطيات والافتراضات كانت ضد مستقبل الأمة وحاضرها علي نحو ما كان المقال السياسي يصورها.. 

كان من حسن حظ هؤلاء الذين كان الإيمان لا يزال في نفوسهم أن فهموا النصر وعاشوه وانتقلوا معه إلي حالة أخري غير حالة المعاناة القاتلة واليأس المميت التي عاشوها من قبل.

لكن كانت هناك في المقابل طائفة أخري استعاضت عن الإيمان بالله والأمل في رحمته بالإيمان بالحسابات السياسية والتحليلات المنطقية.. وقد تغلغلت حسابات الهزيمة في نفسياتها حتي جعلتها في وضع من ثلاثة أوضاع:

• الوضع الأول: أن تبحث في النصر الذي تحقق عن هزيمة.. وأن تجد وتجتهد في هذا البحث حتي تجد الهزيمة.. ومن عجائب الأقدار أن هؤلاء وجدوا في “الثغرة” بمجرد وقوعها الضالة التي كانوا يبحثون عنها.

• الوضع الثاني: أن تبحث في النصر عن مؤامرة علي العقل “العلمي’ أو “المادي” الذي كان قد بات يؤمن باستحالة النصر وفوجئ  به.. ومن عجائب الأقدار أن هؤلاء وجدوا في سرعة التحول السياسي في الموقف الأمريكي نوعاً من التفسير والدلالة علي أن هناك مؤامرة مكنت مصر والسادات من هذا النصر العظيم.. وقد وصل بعض هؤلاء في تفكيرهم إلي حد القول بأن المعركة نفسها لم تكن إلا تمثيلية متفقاً عليها من قبل.1444053604f3711u

• الوضع الثالث: أن تبحث في النصر عن سر خفىّ كان مكتنزاً من زمن سابق.. وقد آثر هؤلاء أن يصوروا لأنفسهم أن الخطة التي قادت إلي النصر كانت معدة ومعروفة ومُناقشة منذ عهد الرئيس عبد الناصر.. وأن الأمر لم يعدُ تنفيذ خطة قديمة.. وتعمد هؤلاء أن يتغاضوا عن أهم الحقائق وهي أن العدو نفسه كان قد طور من وضعه بحيث إن أي خطة قديمة للصراع معه كانت لابد وأن تفتقد الجوانب القادرة علي التعامل مع حقائق الوضع الجديد.. ومن العجيب أنه في ظل التعمية السياسية والعسكرية التي عشناها وجد هذا الفرض فرصة مواتية في الخطاب السياسي لبعض الطوائف التي كانت تأمل في تقليل دور السادات وربما إلغاء هذا الدور..  ومن العجيب أكثر أن يظل مثل هذا التفكير متداولا برغم غرابته وشذوذه.. وليس هذا بمستغرب في ظل البقية الباقية من آثار مناخ التعمية السياسية.. وهو المناخ الذي كان ولايزال كفيلاً بما هو أكثر من ذلك.

6

عبر الشاعر صالح جودت عن الامتنان للقائد العظيم الذي حقق النصر في حرب أكتوبر في قصيدة سماها “عودة الحياة” فقال:

​وادعـــوا لمن علمنا شــــوقه​​ للعـلم والإيمان حــب الحـــياه

​ومَنْ دعـــا لله في صــومــه فبـــارك الله لــــه في دعــــاه

​وأرســـل الصيحة في قومــه ​​فانطلقــوا سيلا يرد الطغـــاه

​وكانــت الغضبة منهم لظي​​ وكانـــت الأرواح منــهم زكاه

​يا بورك النيل ، إذا ما دعا ​​للنصر أضحي كل شيء فــداه

​فليشهد الله علي جيلــنا​​ أنــا مسحنــا اليوم عــــــــار الجباه

7

ومع هذا كله فإن فهم نصر أكتوبر 1973 لايزال يتطلب كثيراً من الاستعداد العقلي والنفسي للفهم..  والحقيقة أني أجد نفسي مضطراً هنا لأن أكرر رؤيتي القائلة بأنه لكي نفهم نصر 6 أكتوبر فلابد من أن نتخلي عن بعض مفاهيم الشمولية.. من قبيل إن النصر يجب أن يكون بدرجة مائة في المائة.. والاستفتاء تكون نتيجته مائة في المائة.. وكله تمام مائة في المائة ياأفندم.. ولأجل أن نتصور شن حرب 6 أكتوبر وكيف تمت علي الجانب المصري فقط فنحن علي سبيل المثال بحاجة في البداية إلي أن نتصور خطاً يمتد بين بورسعيد والسويس.. ولنتصور أننا سنعمل علي هذا الخط الطويل »تشريفة«.. مجرد تشريفة.. أي نعمل تشريفة علي مائتي الكيلومتر طول هذا الخط.. أي أن بعض الناس أو الجنود يصطفون ويحيون الرئيس وضيفه أو ضيوفه الذين يعبرون هذا الطريق.. أليس من الجائز أنه في هذه التشريفة التي هي من جندي واحد فقط علي طول الخط قد تحدث هناك ثغرة في جزء منها.. بالطبع من الجائز.. وهنا نقفز إلي الإشارة إلي حقيقة أن الثغرة ـ علي سبيل المثال ـ صورت تصويرا سيئا..وتصويرا تآمريا..  وتصويرا انهزاميا.. وتصويرا ظالما للجيش المصري ولعظمة الجيش المصري.. الثغرة كانت متوقعة الحدوث في التصور الطببعي والعملي ولم يكن احتمال حدوثها مقتصراً علي مفصل بين الجيش الثاني والجيش الثالث.. لكن الحقيقة التي قد تصل نسبة احتماليتها إلي مائة في المائة أنه كانت هناك مواضع ومفاصل ثغرات كثيرة علي مدي المسافات بين الفرق وبعضها.

والحقيقة أني أجد نفسي مضطراً هنا لأن أكرر رؤيتي القائلة بأنه لكي نفهم نصر 6 أكتوبر فلابد من أن نتخلي عن بعض مفاهيم الشمولية.. من قبيل إن النصر يجب أن يكون بدرجة مائة في المائة

8

نعرف أن الجيش المصري بعد حرب 1967 قُسم إلي الجيش الثاني والجيش الثالث، واعتبار أن الجيش الأول (ولم يكن هذا الاسم موجودا) هو المنطقة المركزية.. لكن الجيش الثاني كان من الشمال إلي الجيش الثالث.. ويحدث التمفصل بينهما في منطقة البحيرات المرة.. وفي هذا المفصل حدثت الثغرة.. لكن كان واردا جدا أن تحدث ثغرة بين اتصال فرقة وأخري من فرق الجيش الثاني المكون من عدة فرق.. وقد كان من الممكن حتي في داخل الفرقة نفسها أن تحدث ثغرة.. لأننا في الحرب لم نرص جنوداً ولم نبن جدارا متصلا وإنما كانت القوات متحركة بدينامية لا تمنع من أن تحدث ثغرة.. ولكن هذا التعبير الذي يصور ما حدث صور الأمر كما لو أن هناك نوبة حراسة وأن هناك في السور ثغرة كالثغرة التي يحتفرها المواطنون البسطاء في سور سكة حديد حتي يعبروا ويختصروا الطريق لغياب الكوبري.. وهذه هي نفس الفكرة التي كتب بها كثير من الناس عن الثغرة.

ولكني أعتقد ولازلت أعتقد.. وأرجو الله سبحانه وتعالي أن يوفقني لصواب هذا الاعتقاد.. أو للعدول عنه إذا كنت مخطئا.. أن الثغرة كانت من أبرز النعم التي أنعم الله علينا بها في حرب 6 أكتوبر.. والسبب في اعتقادي أن الثغرة علي نحو ما حدثت به وعلي نحو ما انتهت إليه كانت نعمة حقيقية ولو أنها ظهرت في صورة شيء مكروه.. ومن الأقوال التي تركها لنا السلف: “كم لله من نعم في طىّ المكاره”.. ذلك أنه بفضل هذه الثغرة أصبح بعض العدو محاصرا تحت أيدينا، وانتهت المعارك إلي وجود جيب به قوات إسرائيلية كثيرة العدد لكنها محاطة من كل جانب في الشرق والغرب بقواتنا المسلحة.. وهذه القوات الإسرائيلية التي تم حصارها بين أيدينا هي التي دفعت بإسرائيل إلي مائدة التفاوض.. وإلي فض الاشتباك الأول.. وإلي فض الاشتباك الثاني.. وإلي بدء عملية السلام كلها.

وكي أصور للقارئ حقيقة النعمة التي غفلنا عن إدراكها فيما يتعلق بالثغرة فإني أستأذنه أن أقفز قليلا علي الأحداث وأقدم سيناريو مختلفاً عما حدث بالفعل.. وسأتصور أننا وصلنا ـ كما يحب بعض الكتاب أن يتصوروا الأمور أو يصورها للتقليل الماكر من قيمة انتصارنا ـ سأتصور أنه كان بإمكاننا أن نصل أو أن نقفز إلي المضايق في وسط سيناء.. سنفترض جدلا أننا وفقنا توفيقا تاما إلي أن نصل إلي منطقة المضايق دون أدني خسارة ودون أدني توقف ودون أدني ثغرة في قواتنا علي خط المضايق نفسه.. لنفترض أن هذا قد حدث ووصلنا إلي المضايق..  وكنت بالطبع أتمني ذلك.. لكننا وقفنا أمام المضايق ووقفت إسرائيل وراء المضايق.. وأصبح بيننا وبينهم سد أو مانع..

لو حدث هذا تماماً لأصبحت قواتنا بدون غطاء ومعرضة للهجوم الشرس من جانب القوات الإسرائيلية.. ولأصبحت قواتنا بمنزلة قوات معزولة يستطيع العدو أن يركز عليها هجومه بدون أي خوف.. وهكذا فإن مثل هذا الوضع الافتراضي كان في حد ذاته يمثل كارثة محققة علي قواتنا في المدي المتوسط الأجل ولا أقول الطويل الأجل.. فضلا عن أنه لم يكن ليسمح باستثمار النصر الذي تحقق من أجل إتمام خطوات استعادة الأرض والوصول إلي اتفاقات أو مفاوضات تكفل عودة الحق.. ننتهي من هذا السيناريو الافتراضي ونعود إلي ما حدث لنجد أن عكس هذا هو ما حدث نتيجة لوقوع الثغرة.. أنجزنا ما أنجزناه وجاءتنا نعمة من الله في صورة مكروه.. وهي أن العدو أصبح بين أحضاننا..

صحيح أنه يتمتع باتصال مع قواته الكبيرة في شرق القناة لكنه بصورة أو بأخري كان قد أصبح بين أيدينا تماماً.. حتي وإن لم نكن ندرك مغزي هذه الحقيقة في ذلك الوقت.. حتي وإن كنا قد اكتشفنا علي استحياء أنه في أثناء التداخل البشري والتلاحم البشري بين قواتنا وقوات العدو أصبح صعبا علي العدو أن يفكر في توظيف أي عنصر قوة أو إبادة أو هجوم شديد علي قواتنا المتقدمة إلي مواقع أمامية.. وهو ما كان سيحدث حتما لو لم تكن هناك ثغرة.. فما كان أسهل علي العدو بترسانة ضخمة أن يفتك بأية قوات مكشوفة في سيناء.. 

10

وأنا لا أقصد بالقوات المكشوفة تلك التي تفتقر إلي الغطاء الجوي فحسب.. ولكني أقصد أيضا القوات التي تفتقر إلي غطاء الدفاع الجوي وما يتطلبه من تحريك بطاريات الصواريخ التي كانت تكفي بالكاد لحماية قواتنا في غرب القناة وفي الخط الطويل الذي استولينا عليه شرق القناة.. كما أقصد أيضا قواتنا التي فقدت، نتيجة للحرب وللمواجهة، بعضا من هذا الغطاء الدفاعي الذي كان كفيلا بحمايتها من هجمات العدو.

ولست أستطيع هنا أن أتغاضي عن ذكر حقيقة مهمة وهي أننا من أجل أن نخوض الحرب علي النحو الذي خضناها به كنا قد اضطررنا إلي توظيف واستخدام كثير من المعدات التي لا يمكن لغيرنا أن يوظفها في حرب.. 

11

وعندي أمثلة كثيرة من مذكرات وحوارات القادة الذين اضطروا لاستخدام كل احتياطي موجود حتي يفوا بالحاجة الشديدة إلي عتاد كفيل بمواجهة الترسانة العسكرية الإسرائيلية في أثناء الثغرة.. لكن الثغرة خلقت وضعاً كان مفيداً جداً بالنسبة لنا وهذا هو ما حدث بالفعل حتي وإن لم نكن قد أدركناه في ذلك الوقت.. ذلك أن الموقف العدواني في إدارة الصراع الإسرائيلي قد تجمد.. وبالطبع ليس بسبب أن إسرائيل تحترم المواثيق والعهود أو تخشي أن تواصل الاعتداء… أو لأنها تابت عنه.. ولكن تجمد عدوانها لأنه كان هناك ما يجبرها علي احترام المواثيق والعهود.. وهو وجود قواتها محصورة تحت سيطرة ـ لا نقول سيطرة كاملةحرب-أكتوبر ـ ولكن نقول سيطرة ما من قواتنا.. أصبح هناك جيش إسرائيلي ونحن نحاصره.. صحيح أنهم عبروا إلي غرب القناة.. لكن هذا لم يكن نصراً ولا سبيلاً إلي نصر.. وإنما كان مأزقاً دفع بهم إلي التفكير في خلاصهم منه.. ولو أننا كنا قد أتيحت لنا فرصة وضع السيناريوهات المتتالية ووضعنا خططا كثيرة نتأمل في مدي ما يمكن لنا أن نوظف به من مثل هذا الموقف لكنا قد أدركنا النعمة.. لكننا في الواقع وفي الحقيقة في تلك الفترة كنا لا نزال نفكر في عدونا بفكرنا نحن.. وفي نصر بنسبة 99%.. أو 100%.. وأنهم عبروا إلي الغرب كما عبرنا إلي الشرق وإن كان هذا بنسبة أقل فتصبح المسألة كلعب كرة القدم 1/7 أو 1/10 .. كما لو أن المعركة كانت مضمونة لنا تماماً دون مقاومة من الجانب الآخر، أو كأنها كانت مضمونة بأن نعبر نحن دون أن يعبر العدو.. وأن ننتصر بينما العدو لا يفعل أي شيء.. والواقع أنه برغم التفوق العددي والنوعي والاستراتيجي الذي كانت تتمتع به إسرائيل فقد وفقنا الله سبحانه وتعالي بحيل هندسية وبإرادة بشرية وبتوفيق إلهي وبرغبة في الانتصار أن ننتصر.. لكن هذا لا يعني أن إسرائيل لم تكن أمامها فرص.. وفرص كثيرة جدا.. ولم يكن لديها تسليح.. بل كانت تملك تسليحا عاليا جدا.. ولم تكن لديها دراسات للبدائل والسيناريوهات.. بل كانت تملك دراسات دقيقة جدا.. ولا يعني هذا أن إسرائيل لم تكن لديها تكتيكات وتكتيكات بديلة لأن تقلب انتصارنا في أي لحظة.. لكن الله سبحانه وتعالي وفقنا ولم ينقلب نصرنا هذا الانقلاب.

إن الثغرة كانت نوعا من أنواع النعم التي أهداها الله لنا.. وبفضلها تحركت عملية استرداد الأرض.. لأن السياسة والسلاح وجهان لعملة واحدة

12

هكذا فإني أكرر اعتقادي البسيط والمتواضع..  بعقلية تخلو من العقد وتخلو من الشمولية ، وأقول : إن الثغرة كانت نوعا من أنواع النعم التي أهداها الله لنا.. وبفضلها تحركت عملية استرداد الأرض.. لأن السياسة والسلاح وجهان لعملة واحدة.. وأحيانا ما تبحث كمحارب عن الموقف الذي يجعل عدوك أو يجعل المحارب لك علي الطرف الآخر أو يجعل الطرف الآخر ـ حتي لو لم يكن عدوا أو لم يكن محاربا  ـ يلجأ إلي التفاوض، فأحيانا تفتعل شيئا حتي تلجئه إلي التفاوض.. وأحيانا في الصراعات البشرية البسيطة تجد نفسك مضطراً إلي أن تنشئ أزمة بسيطة حتي يتدخل الناس.. وتجلسون أنت والوسطاء والطرف الآخر إلي  ما يقابل أو يناظر مائدة المفاوضات.

هنا أخشي أن يتصور القارئ أني أريد أن أقول إن الحرب كانت وسيلة من وسائل السعي إلي المفاوضة.. لكن الحقيقة أن الحرب والمفاوضة وجهان لعملة واحدة.. وأنه لن يسمح لك أحد بمفاوضة طالما لم تحرز نصراً..

13

وبالطبع فإننا قبل حرب ٣٧٩١ كنا قد أبدينا، أكثر من مرة، رغبتنا الواضحة والصريحة في أن ندخل في عمليات سلام.. وكنا قد قبلنا مبدأ السلام القائم علي الحق كما كان يقال في كل نشرة أخبار تقريبا وفي كل جريدة في كل صباح.. ولم يكن الجانب الإسرائيلي يقابل هذا بغير الغطرسة.. وكان يريدنا أن نعترف به وأن نعرف الشروط التي يمليها علينا.. وبعد ذلك فإنه قد يعيد لنا بعض ممتلكاتنا أو لا يعيدها.

وبالطبع فإن هذه الفكرة قد أصبحت واضحة في أذهان الناس بعد أن استقرت عملية السلام وحتي الآن..  لكنها ربما استغرقت من أجل هذا أكثر من ربع قرن.. وهي الفترة التي استغرقها مسار عملية السلام علي كثير جدا من الجبهات.. وعلي مراحل وعلي مدي حقبات متوالية لرؤساء متوالين في بلاد مختلفة.. وعلي رؤساء وزارات.. وعلي مفاوضات.. وعلي بلاد جديدة.. من مدريد إلي أوسلو إلي واشنطن إلي كامب ديفيد إلي واي إلي القاهرة إلي شرم الشيخ.. كل هذه المناطق أو العواصم كانت بمثابة ميادين متعاقبة لمفاوضات السلام لكن أحدا لم يستطع تحقيق النتيجة التي حققناها في الفترة من 1973 وحتي 1979 وهي فترة قصيرة جدا في عمر أي صراع بشري حتي إنك لا تستطيع أن تجد نظيراً لما حققه الرئيس السادات فيما بين 1973 و1979.

14

ونعود إلي معركة 6 أكتوبر وإلي التصور السائد في ذلك الوقت أن هذه الحرب لم تكن ممكنة.. والحق أن هذا التصور كان له ما يدعمه وما يؤيده.. فلم يكن أحد في العالم كله يتصور أن تكون هناك فرصة لهذه الحرب.. بعدما اندلعت الحرب وبعد أن تم الانتصار عادت اللغة العربية تساعد أهلها وتساعد الأيديولوجيين منهم علي توظيف التعبيرات الجميلة.. وعلي سبيل المثال فقد قيل إن هذه الحرب كانت حرب تحريك وليست حرب تحرير.. وبالطبع فقد وضح الآن الهدف من هذه التعبيرات بعد الفهم العميق للحقائق القائمة علي أرض الواقع.. لكن لم يكن في وسعنا أن نخوض معركة تحرير.. ولكن إذا كان التحريك يقود إلي التحرير فلم لا.. والآن أصبحت الإجابات علي مثل هذه التشكيكات سهلة لكنها لم تكن قد وصلت إلي هذه السهولة في حياة السادات.

وقد قيل أيضاً إنه لم يكن هناك أبدا مبرر أن نحارب ثم نفاوض.. وإنما كان الأفضل أن نحارب ونحارب.. أي كان لابد أن تستأنف الحرب.. وأنصار هذا الرأي قريبون من أولئك الذين يقولون بأن الصراع بيننا وبين إسرائيل صراع وجود لا صراع حدود وهي عبارة قديمة نُحتت وأجادت التعبير ببلاغة منقطعة النظير، كما هي عادة العرب، عن عقيدة.. وللحقيقة فإني قد أحترم صياغة هذه العبارة أو بلاغتها لكن الواقع الذي أوصلتنا إليه الأنظمة العربية لا يقول ذلك.. 

ومعني أنَّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي صراع وجود وليس صراع حدود.. معني هذا أنه مطلوب أن نبيد إسرائيل نهائيا ونبيد وجودها.. وهذا بالطبع ليس من المستحيل ـ لأنه ليس هناك مستحيل علي الله سبحانه وتعالي ـ لكن السياق نفسه لم يقل بذلك.. فلم ندخل حرب 1948 علي هذا الأساس..  ولم ندخل 1956 علي هذا الأساس.. ولم ندخل 1967 علي هذا الأساس.. ولم يكن الصراع العربي ـ الإسرائيلي علي هذا الأساس.. ولكن يبدو الآن أن هذه العبارة قد صيغت بهذه الصياغة لتجهض كل المحاولات الجادة التي يمكن أن تحقق أي نصر… 

وهذه قد يسمونها في السياسة عندما يتأملون التاريخ بعد سنوات أنها نموذج حي »للمزايدة النهائية«.. بل إن هذه العبارة تمثل “مزايدة لا نهائية”.. أي يجعلك تشعر أنك مهما فعلت وما حققت في الحرب فإنك لم تصل إلي شيء.

15

ومن الطبيعي أننا بوصفنا مصريين وعربًا ومسلمين عندما تصورنا قيمة ما حققناه من نتيجة كبيرة في حرب 6 أكتوبر عادت إلينا الثقة في أنفسنا مضاعفة.. وعاد إلينا التفكير الرومانسي القائل بأنه من الممكن أن نصل إلي تل أبيب.. وهنا ربما أتوقف لألفت النظر إلي حقيقة مهمة وهي: هب أننا وصلنا إلي تل أبيب.. ثم ماذا بعد ذلك.. هناك شعب إسرائيلي أيا كان موقفه.. وبه قوة محبة للسلام كما أن فيه قوي مطالبة بالحرب.. ومن ناحية أخري فإن خيارات الحروب القديمة قد استنزفت وجودها بسبب التقدم العلمي.. هل نتصور أنه كان من الممكن أن تنهي المعركة مع إسرائيل بقنبلة ذرية كما فعلت أمريكا في اليابان؟.. فعلا كان إلقاء القنبلة حاسما.. لكن هل أنهت هذه القنبلة وجود اليابان؟ هل قضت علي اليابان؟ هل جعلت القنبلة أو القنبلتان الصراع بين أمريكا واليابان صراع وجود وليس صراع حدود.. هنا لابد أن نفهم أن الرأي الصانع لهذه الأيديولوجيات القديمة لم يكن يدرك أو لم يكن يريد أن يبدو وهو مدرك لفكرة أنه لابد أن يكون هناك وجود للآخر.. وأن هناك وجودا للخير أيا كان هو.. ووجودا للشر.. وأن تحديد مصير العالم لا يكون بالنظريات المطلقة التي نفكر بها في الكتابات التي لا تزال تتناول الإنجاز  الذي تحقق في حرب أكتوبر بقصور شديد جدا.

والواقع أن هؤلاء الذين يتبنون هذه النظرية أشرف غرضا وسلوكا من أناس آخرين خبثاء الطوية.. وهؤلاء لحسن الحظ عددهم قليل جداً.. لكن من المؤسف أن أقلامهم لا تزال تجدّ في أن تصور حرب أكتوبر علي أنها ابتدأت بنصر.. ثم تقلص النصر وتحول إلي ما يشبه التعادل.. والواقع أن هذا خطأ.. وخطأ جسيم جدا.. ليس في حق الذات.. ولا في حق النفس.. ولا في حق العروبة.. ولا في حق مصر.. وإنما هو خطأ في حق الحقيقة نفسها قبل كل هذا.. لأن الحرب انتهت ونحن مسيطرون علي شريط كبير جدا بطول القناة.. الحرب انتهت وقد غيرنا نظرية الأمن الإسرائيلي نهائيا.. أو قل إننا نسفنا هذه النظرية التي ظلت لامعة براقة لفترة ليست قصيرة من الوقت.. الحرب انتهت وقد أحدثنا زلزالا داخل إسرائيل.. الحرب أنهت كل ما قامت عليه إسرائيل من اطمئنان إلي نظريات كثيرة للأمن ولحماية الحدود الجديدة.. صحيح أن نتيجة الجسر الجوي الذي قُدم لإسرائيل أن الحرب بدأت تميل في ظاهرها لكن هذا الميل كان مجرد تقليل في حجم الانتصار الذي أحدثته قواتنا ولم يكن له علاقة لا بالنتيجة الأولية ولا بالنتيجة النهائية.. ذلك أن الانتصار قد تحقق بالفعل بذلك العبور وما سبقه وما دعمه وفي ظل وجود شخصية استراتيجية واثقة كأنور السادات علي رأس القوات المسلحة.. فلم يكن من الوارد عقلا ولا موضوعا سياسيا ولا عسكريا أن تنتهج القوات المصرية المحاربة سياسة تراجع أو خطوة إجهاضية لما تحقق من نصر ومن عبور ومن اقتحام.. ومن حسن الحظ أن السادات كان قد وعي تماماً درسي 1956 و1967 ورأي كيف تأتي المصيبة من الانسحاب بأكثر مما تأتي من الحرب.. وبالقدر نفسه من الوعي فإن أنور السادات وعي حرب 1948 جيدا ووجد أن رهن الإدارة المصرية بإرادات الشريك العربي كفيل بأن ينتقص من حريتها وقدرتها علي الإنجاز وعلي المناورة.

16 

كان من الواضح إذاً لكل ذي عينين أن الإنجاز الذي حققته القوات المسلحة قد تحقق حتي لو اجتمع العالم كله لا العدو وحده علي توجيه ضربات إجهاضية تميل الميزان إلي الناحية الأخري.. ولم يعد من الممكن لنصر أكتوبر أن يميل أو أن يمال لا إلي ناحية الهزيمة ولا إلي ناحية تقليص الانتصار.. وإنما كان أقصي ما يمكن هو أن يصور النصر غير قادر علي النمو ولا علي الاستمرار.

مع هذا فلابد لنا أن ندرك حجم التورط الأمريكي في حرب أكتوبر 1973.. وهو تورط لم تعرفه الحروب الإقليمية لا من قبل ولا من بعد.. ولا بأس من أن نمثل للقارئ حجم هذا التورط في ظل سيناريو نظرية كروية كنظرية تغيير اللاعبين في الفريقين.. فلو أننا تصورنا مباراة بدأت بين منتخب مصر ومنتخب إسرائيل فجأة  فإن منتخب إسرائيل كان في وسعه أن يغير في حدود المعقول لاG55e87523b25bdعبا أو لاعبين من علي دكة الاحتياطي لكنه لم يفعل هذا.. بل أحضر أفضل خمسة فرق في العالم من طبقة فريق بايرن ميونيخ وفريق ريال مدريد.. وجمع هذه الفرق الخمسة وأنزلها أرض الملعب ليلعب أفرادها في صفه بحيث أصبحت المباراة في صورة جديدة : ليست بين 11 لاعبا من كل من المنتخب المصري والمنتخب الإسرائيلي ولكن أصبحت المباراة بين فريقين.. فريق المنتخب المصري الذي بقي أغلبه سليما قادرا علي اللعب.. وفريق المنتخب الإسرائيلي ولايزال به 5 لاعبين أصليين (بينما خرج للراحة وللإصابة 6 من الفريق الإسرائيلي وحل محلهم لاعبو 5 فرق أمريكية للكرة).. أي أن المباراة التي كان من المفروض أن تكون بين 11 لاعبا من كل فريق.. أصبحت بين فريق المنتخب الإسرائيلي الذي لم يبق منه إلا 5 لاعبين فقط لكن تم دعمه بـ55 لاعبا.. كل هؤلاء الستين أمام فريق كان عدده الأصلي كما نعرف 11 وبقي به 9 لاعبين فقط. بعد أن أصيب اثنان من الفريق الأصلي دون أن يعوضا بآخرين من دكة الاحتياطي لأنه لم تكن هناك إمكانية لدكة الاحتياطي.

17 

وبالطبع كان هذا هو المشكل الكبير الذي كان لا يستطيع أحد أن يتجاوزه ولا أن يقف أمامه موقفا عاقلا ومتعقلا وذكيا ومتحسبا إلا قائد هذه الحرب وهو الرئيس أنور السادات.. ففي هذه اللحظة عندما اكتشف السادات حجم الجسر الجوي الأمريكي صرح للعالم كله بأنه يعترض علي اللعب.. وقدم هذا الاعتراض في صيغة المعترف الذي يقول إنه لا يقدر علي حرب أمريكا.. ذلك أن الجيش المصري اكتشف دلائل مذهلة للتورط الأمريكي.. ومنها علي سبيل المثال أن الدبابات التي كانت تؤسر في خط القناة كانت قادمة لتوها من أمريكا.. وكان فهم دلالة هذا سهلا وبسيطا بقدر ما هو حازم وقاطع.. فقد كان المصريون ينظرون في عداد الكيلومترات (كالموجودة في السيارات) التي قطعتها فيجدون أنها لم تقطع أكثر من 160 كيلومترا فقط.. أي كالسيارة التي وقعت لها حادثة وهي علي الزيرو.. كذلك فإن هذه الدبابة حدثت لها حادثة الهلاك وتحطمت في أثناء الحرب وتم تدميرها علي يد المصريين وكانت نتيجة هذا التدمير أنها أصبحت غير قادرة علي العمل إطلاقا.. كان المصريون ينظرون إلي هذه الدبابة الجديدة (وهي لاتزال بشوكها أو بشمعها كما نقول) ويصلون إلي حقيقة أنها جاءت في الطائرة من أمريكا ونزلت في مطار العريش وتحركت أو حركت إلي أرض المعركة مباشرة.

مع هذا فلابد لنا أن ندرك حجم التورط الأمريكي في حرب أكتوبر 1973.. وهو تورط لم تعرفه الحروب الإقليمية لا من قبل ولا من بعد

طبعا كان حجم الجسر الجوي الأمريكي كبيرا.. ولبيان حجم هذا الجسر الجوي الرهيب الذي قدمته أمريكا في ذلك الوقت لإسرائيل حتي تحاول لا أن تغير مجري الحرب لا من هزيمة ولا من نصر ولكن أن تربك القوات المسلحة المصرية حتي لا تهلك إسرائيل أو تتآكل تحت وطأة نصر يمكن أن يتطور.. هكذا كان العدو يفكر بطريقة علمية وعملية.. وهكذا كان حليفه الأمريكي يساعده.. أمريكا استخدمت في الجسر الجوي 228 طائرة نقل.. منها 51 طائرة من طراز “إس 5”.. و17 طائرة من طراز “إس 141”.. نحن نفخر بأن طائرات البوينج التي ركبناها تحمل أكثر من 400 شخصا.. لكن طائرات النقل هذه تستطيع أن تنقل مدنا.. فهذه الطائرات الـ228 قامت بـ 569 طلعة.. أي أن بعضها قام بطلعتين والآخر قام بثلاث.. وهناك 147 طلعة بواسطة طائرات “إس 5” نقلت 11 ألف طن من الاحتياجات العسكرية.. و422 طلعة بواسطة طائرات “إس 141” نقلت 11,5 طن من الاحتياجات.. أي أن هذه الطائرات نقلت 22,5 ألف طن من الاحتياجات العسكرية.. بالطبع يسأل القارئ: وكيف كانت هذه الطائرات تتناوب علي مهمتها؟ في اليوم الواحد كانت هناك 23 طائرة تهبط في إسرائيل.. وتصور حجم الطائرة وما يقتضيه من تجهيزات من أجل إنزال ما تحمله.. والواقع أن طاقة إسرائيل علي التفريغ والتعبئة كلها كانت معبأة بكامل قوتها تستوعب ما أتي به الجسر الجوي.

قدمت الولايات المتحدة الأمريكية كل هذا لإسرائيل علي مدي 33 يوما.. ابتدأت من 13 أكتوبر وحتي 14 نوفمبر.. وهنا فإن الرئيس السادات قال مبكرا وبكل وضوح بل إنه أشهد العالم أنه لن يستمر في الحرب علي هذا النحو لأنه لا يريد محاربة أمريكا.. لكن القرار الأمريكي بالجسر الجوي وتزويداته كان قد اتخذ.. ولم ينتظروا حتي يتبينوا صدق الرئيس السادات في قوله إنه لن يحارب أمريكا ولم يكن عندهم كذلك استعداد لأن يصدقوا رسالته التي أرسلها في بداية الحرب وقال إنه لا ينوي توسيع العمليات.. وكان هذا الموقف الإسرائيلي والأمريكي منطقيا في الظاهر وفي الباطن أيضاً.. لأنهم جميعا كانوا قد خُدعوا قبل ذلك في نوايا السادات وتصريحاته وفي تقديرهم لنواياه وخططه.. وبالطبع فقد كان من الضروري أن يقوموا بتغذية فورية لهذه الترسانة العسكرية التي تمتلكها إسرائيل.. ومع أن أمريكا، كما نعلم،  تملك الكثير من العتاد الذي يصبح الحديث فيه عن الكم شيئا منكورا.. فإن في جعبتي رقما مهما أريد أن أبصر به القارئ لأصور له قيمة الدعم العسكري الأمريكي. وهنا أطرح سؤالا جميلا فأقول: تري كم تمثل نسبة حجم هذا الكم من الطائرات الأمريكية العاملة في الجسر الجوي لإسرائيل اليوم الواحد إلي الطاقة الأمريكية العاملة في النقل الحربي؟ الواقع أن نسبته كانت بمثابة 24% من طائرات النقل التابعة لقيادة النقل الجوي في اليوم الواحد في أمريكا.. أي ربع هذه القوة.. أي أن أمريكا التي قوتها العسكرية حسب الأرقام المعلنة أكبر  قوة في العالم كله .. كانت تنقل عتاداً حربياً مضاداً لنا بربع طاقتها في اليوم الواحد.. فتخيل أن مصر كانت مطالبة بأن تجابه هذا الجسر الجوي الذي ينقل عدداً بربع حجم طائرات النقل الأمريكية المتاح.

18

في الفترة من 13 إلي 24 أكتوبر وهي الفترة الأولي قبل أن يقبل الرئيس السادات بوقف إطلاق النار.. نقلت هذه الطائرات العملاقة جزءاً ضخماً من الاحتياجات العسكرية لإسرائيل (40% من حجم الجسر كله).. وليس هذا فقط ما نقله الجيش الأمريكي لإسرائيل.. والواقع أن هذا كان أقصي ما يمكن للجيش الأمريكي أن يعطيه لإسرائيل.. وبالفعل فقد أعطاه.. لكن بالإضافة إلي هذا كانت هناك طائرات مدنية إسرائيلية قامت بنقل 550 طن معدات في نفس الوقت.. حيث أزيلت من داخلها كراسي الركاب وتحولت الطائرة إلي طائرة نقل.. وكلنا يستطيع أن يتصور دلالة مثل هذا التصرف.

وعن طريق أرقام سنة 1973 نعرف أن تكاليف عملية الجسر الجوي نفسها ـ أي أجرة النولون أو الشحن كما نقول بألفاظنا العامية وليس ثمن المعدات ـ أو أجرة العربات التي نقلت لإسرائيل وصلت 100 مليون دولار… وإن شئت الدقة كانوا 88.5 مليون دولار.. وهذه أسعار سنة 1973.

ولم يكن الدعم الأمريكي لإسرائيل في أثناء حرب أكتوبر مقصوراً علي ما تم نقله من خلال الجسر الجوي فقط.. بل إن أمريكا قدمت جسرا بحريا لإسرائيل.. وقد استغرق بعض الوقت حتي يؤتي ثماره.. وبرغم أنه بدأ رحلته من أمريكا مبكراً في أثناء الحرب فإن وصوله إلي إسرائيل بدأ يوم 2 نوفمبر.. لكنه نقل ثلاثة أضعاف الجسر الجوي.. أي أن كل ما ذكرناه عن الجسر الجوي من أرقام وحقائق كان ربع ما عوضت به أمريكا إسرائيل عن خسارتها في حرب أكتوبر 1973.. وهو تعويض عن غير ذنب.. فلم تكن هزيمة إسرائيل ذنب الولايات المتحدة.. لكنه كما نعرف من فهمنا للصراع العربي ـ الإسرائيلي كان أمراً طبيعياً في ظل قيام إسرائيل بدورها المرسوم سلفاً في السياسة الأمريكية.

19 

أما الدول الأوروبية فكانت قد بدأت تنتبه إلي أصداء حرب البترول . وبعضها بطبعه محب للعدل والإنصاف.. وبعضها كان معبأ بقدر معقول ضد رغبات إسرائيل التوسعية.. بعضها وبالتحديد مثل انجلترا وأسبانيا وتركيا وقف موقفا جيدا أو معقولا من العرب.. حتي إن بعض هذه الدول لم تعط الإذن للقوات الأمريكية المكونة للجسر الجوي أن تعبر أجواءها إلي إسرائيل.. وبذلك اضطرت أمريكا إلي تغيير مسار هذا الجسر الجوي.. فمثلا كانت لا تمر عن طريق انجلترا وأسبانيا فتحاول أن تسلك طريقا آخر كالبرتغال أو هولندا.. أي أن الخط الجوي ـ كما نقول ـ أصبح خطا مكسراً أو متعرجاً وليس خطا مستقيما.. كما لو أنك تسير في الشوارع فتجد أحد الشوارع مغلقا والآخر مغلقا فتحاول أن تسلك في شارع آخر.. وهذا بالطبع يطيل من المسافة بعض الشيء.. وربغم الدلالة المعنوية لهذا التصرف فإن هذا المعوق لم يكن شيئا يذكر بالنسبة للمساعدة المقدمة لإسرائيل.

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

 

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإمام المحبوب أحمد الدردير صاحب الفضل الأكبر على القانون الفرنسي

الشيخ أحمد الدردير نموذج لعالم من علماء القرن الثامن عشر الميلادي (1715 ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com