الرئيسية / المكتبة الصحفية / الزعيم سعد زغلول باشا بعد ٨٠ عاما من ثورة ١٩١٩

الزعيم سعد زغلول باشا بعد ٨٠ عاما من ثورة ١٩١٩

 

بدايات ثورية : سجن وبراءة

 ولد الزعيم المصري الكبير سعد زغلول باشا  في إبيانة من قري الغربية (كفر الشيخ الآن)، ويروي أن اسمه كان سعد الله علي نحو ما كان اسم أخيه فتح الله (أحمد فتحي زغلول باشا). و كان والده فلاحاً موسرا ذا نفوذ وشخصية، وتوفي حين كان سعد في الخامسة من عمره، تعلم سعد في الكتّاب، ولبث يدرس في الأزهر في القاهرة بضع سنوات، اتصل خلالها بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، لكنه علي كل حال لم يتأهل بشهادة الأزهر العليا (العالمية).

 واختير الزعيم سعد زغلول باشا لمعاونة محمد عبده في «الوقائع المصرية» في الوقت الذي كانت هذه الجريدة قد تطورت بحيث لا تنشر أخبار الحكومة وقراراتها فحسب، لكنها تعلق عليها وتعلق علي نصوص أحكام القضاء في درجاته المختلفة، وظل ارتباطه بمحمد عبده قائما حتي اندلعت الثورة العرابية وهو يومئذ موظف في نظارة الداخلية،

اشترك الزعيم سعد زغلول باشا في الثورة العرابية، وقبض عليه بتهمة الاشتراك في جمعية سرية اتهمت بقلب نظام الحكم ، فقضي في السجن شهورا لكنه برئ في النهاية.

من المحاماة للقضاء

عمل سعد زغلول بالمحاماة في الوقت الذي لم تكن تلك المهنة قد خضعت بعد لقيود المهنة، ولمع اسمه بأداء متميز حتي عد من أفضل المحامين في وقته، وربما وصل بعضهم إلي تقدير أنه كان أعظم محام شهدته تلك الحقبة، واختير ليتولى القضاء طبقا للنظام الذي كان يسمح باختيار نبهاء المحامين للوظائف القضائية، وأصبح مستشارا بمحكمة الاستئناف، وهو أعلي منصب قضائي في ذلك الوقت،  ومع ذلك فإنه واصل الدراسة بالعربية والفرنسية حتي حصل علي شهادة الحقوق من فرنسا، وقد أدي الامتحان هناك فأعجب به ممتحنوه، وقد نقلنا في كتابنا «في رحاب العدالة» تصوير الاستاذ يوسف بك نحاس لاجتيازه امتحان شهادة الحقوق الفرنسية.

صالون الأميرة نازلي فاضل

عرف سعد زغلول الأميرة نازلي فاضل عن طريق الشيخ محمد عبده، وعن طريق صالونها عرف كثيرا من رجال الدولة والمجتمع، وأصهر إلي مصطفي فهمي رئيس الوزراء وتزوج ابنته صفية التي عرفت فيما بعد باسم صفية زغلول ولقبت بأم المصريين .

أول مَنْ تولي الوزارة من غير الباشوات

اختير سعد زغلول وزيرا للمعارف (1906)، وكان أول مَنْ تولي الوزارة من غير الباشوات، فقد كان في ذلك الوقت حائزا لرتبة البكوية فقط.

أحدث سعد زغلول نهضة كبيرة في وزارة المعارف، وانحاز للتعليم باللغة العربية، وأرسل البعثات للخارج وشجع المتفوقين واصطفاهم، وزار المدارس في الأقاليم ويسر المجانية للفقراء المتفوقين، واختلف كثيرا مع المستشار الإنجليزي للمعارف، لكنه كان يستند إلي تقدير المعتمد البريطاني لورد كرومر له وفهمه  وتعضيده لشخصيته وسياساته ، وأثبت قدرة فائقة علي معالجة المسائل السياسية والعامة.

أحد المرشحين البارزين لرياسة الوزارة  

ظل محتفظا بمنصبه بعد استقالة صهره (1908) حيث شارك في وزارة بطرس غالي، وقد كان هو نفسه  أحد المرشحين البارزين لرياستها.

وبعد اغتيال بطرس غالي استمر في وزارة محمد سعيد باشا (1910)، وكان هو نفسه مرشحا لرياستها أيضا، وقد تولي وزارة الحقانية فبعث فيها من روحه الإصلاحية، ثم ترك المنصب الوزاري (1912) بعد خلافات عنيفة مع الخديو عباس.

انتخابه في الجمعية التشريعية ووكالته لها

 في 1913 تقدم لانتخابات الجمعية التشريعية في ثلاث دوائر ففاز في دائرتين منها في الوقت نفسه، وانتخب وكيلا للجمعية التشريعية، وقاد نزاعا حول قضية لمن تكون الرياسة عند غياب الرئيس.. للوكيل المنتخب أم للوكيل المعين (وكان هو عدلي يكن باشا) ، وارتفع أداؤه بمستوي نفوذ الجمعية التشريعية وتأثيرها، فلما قامت الحرب العالمية عطلت أعمال هذه الجمعية.

تأليف الوفد

بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولي أوزارها تشاور مع أصدقائه في حث الإنجليز علي إعطاء الشعب حقه في الاستقلال، وقابل المعتمد البريطاني لهذا الغرض في 13 فبراير 1918 وكان معه زميلاه في الجمعية التشريعية : عبد العزيز فهمي وعلي شعراوي، لكن المعتمد البريطاني لم يحسن الاستماع إلي مطالبهم ، واعتبر هذا اليوم  فيما بعد ذلك عيد الجهاد.

اندلاع الثورة والنفي إلى مالطا

تألف الوفد المصري برئاسته  بأسلوب التوكيلات ونظم حركات عصيان سلمي وإضرابات (وواكبتها تحركات سرية واغتيالات) فنفاه الإنجليز إلي مالطة في 8 مارس 1919، فاندلعت ثورة 1919 في اليوم التالي مباشرة، علي غير توقع من الإنجليز ومن المصريين جميعا بمن فيهم سعد وأنصاره.

 النفي للمرة الثانية

وأعيد من المنفي، وبدأت مفاوضات المصريين مع لجنة إنجليزية لكن المفاوضات فشلت فنفاه الإنجليز مرة ثانية (1921) إلي جزر سيشل، ولما عاد من المنفي استقبل استقبال الأبطال.

ليست مسألة أغلبية ، وإنما مسألة توكيل

وقد برزت الخلافات بين سعد زغلول وأعضاء الوفد الآخرين أثناء مناقشة مشروع ملنر، فقد أراد هؤلاء ممارسة حق الأغلبية في تقرير سياسة الوفد تجاه المشروع، ولكن سعد زغلول لم يكترث بهذا الرأي، لأنه رأى ان هذا يخرج في رأيه عن حدود توكيل الشعب للوفد بالدفاع عن قضيته، وأطلق كلمته المشهورة: «المسألة ليست مسألة أغلبية، وإنما مسألة توكيل»، فأخضع سعد زغلول بهذه الكلمة القاعدة الديمقراطية للقاعدة القانونية، وكان في ذلك محقا.

وقد انحاز الشعب إلى الزعيم سعد زغلول باشا انحيازا مطلقا من ذلك الحين، وتكرست زعامته على الرغم من زملائه.

وفي عام 1921 قام الزعيم سعد زغلول باشا بفصل عشرة من أعضاء الوفد، ولم يتبق معه من المؤيدين سوي أربعة فقط كان منهم خليفته مصطفي النحاس باشا ، ومن الطريف أن النحاس باشا فصل في عام 1933 ثمانية أعضاء من الوفد، ولم يبق معه سوي ثلاثة فقط، وأصبح هذا التقليد من خصائص زعامة الوفد.

وكان من نتيجة هذا أن أصبح المخالفون لسعد بمثابة تجمع سياسي رفيع وجاهز وشبه متجانس تأسس من خلاله حزب الأحرار الدستوريين.

تصريح ٢٨ فبراير والدستور والانتخابات

وتداعت بعد هذا أحداث سياسية مهمة وظفها الزعيم سعد زغلول باشا بذكاء بالغ وعبقرية مدهشة.

  • أصدرت بريطانيا تصريح 28 فبراير 1922 بناء علي نصيحة عبد الخالق ثروت مصرحة باستقلال مصر فأطلق عليه سعد زغلول وصف «الاستقلال المنقوص».
  • وتكونت لجنة لوضع الدستور فسماها سعد زغلول «لجنة الأشقياء».
  • وصدر قانون الانتخاب وأجريت الانتخابات فخاضها سعد والوفد بتنظيم باهر، وقيادة طاغية، وظهرت نتائجها في مطلع 1924، وقد حاز الوفد بقيادته على الأغلبية الساحقة.
  • وتولي سعد زغلول رياسة الوزارة وسماها «وزارة الشعب».
  • واكتسب للشعب بالفعل حقوقا كثيرة علي حساب سلطة الملك والاحتلال.

سعد أو الثورة  

 وفي أثناء وزارته فاوض الإنجليز فيما عرف بمفاوضات سعد ـ ماكدونالد، لكنه قطع المفاوضات حين وجدها لا تمضي في الاتجاه الذي يحقق للشعب أمانيه، وأجري سعد إصلاحات عديدة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وعاني الأمرين من بقايا الاحتلال، وفلول البيروقراطية.

 وفكر سعد في الاستقالة أكثر من مرة كانت آخرها تلك التي سبقت استقالته الفعلية بأسبوع، وفيها تجمع الشعب بكثافة يهدر أمام قصر عابدين «سعد أو الثورة»، واضطر الملك فؤاد إلي الخضوع لمطالبه مرة بعد أخري، وجاء تحكيم النائب العام (البلجيكي) للمحاكم المختلطة لصالحه عندما ثار الخلاف حول صاحب الحق في اختيار أعضاء مجلس الشيوخ.

ولما رأي سعد زغلول أن التآمر الملكي قد بلغ حده بنقل حسن نشأت إلي الديوان وتعيينه رئيسا له بالنيابة قرر أن يسارع بإظهار رد الفعل الكفيل بأن يشعر الملك فؤاد بعجزه عن إزاحته عن منصبه، مادام متمتعا بثقة الأمة ممثلة في البرلمان، وأن يستغل ظروف الأزمة كلها في تدعيم الحياة الدستورية، استكمالا لما حققه في بداية عهده، حتي لا تصبح هذه الحياة عرضة لمثل تلك الدسائس، واعترض بشدة علي تعيين وكيل للديوان الملكي من خلف ظهر الوزارة.

ولم يقبل أن ينهي الأزمة إلا بعدما تقرر أن يوقع هو أمر تعيين وكيل الديوان الملكي حسن نشأت باشا في ذلك الوقت تصحيحا للأمر الملكي الذي صدر من غير إمضائه، مما دل بوضوح علي أن هذه الأوامر الملكية لا تنفذ إلا بتوقيع رئيس الوزراء.

إنجازات وزارة الشعب

وقد عبر برنامج وزارة سعد زغلول في 1924 عن أهداف نبيلة وواقعية في الوقت ذاته، منها علي سبيل المثال إصلاح الإدارة الداخلية، وتوزيع الضرائب توزيعا عادلا، وتشجيع الصناعات المصرية الحديثة العهد، وتنمية التجارة علي اختلاف أنواعها، ونشر التعليم بنوعيه الأولي والراقي، واتخاذ التدابير الاجتماعية اللازمة لحماية العمال.

وقد كان سعد زغلول منتبها في خطاب العرش للدورة الثانية إلي الشئون الداخلية التي أولاها عناية فائقة حتي إن هذه العناية كانت محل سخرية ونقد جريدة «السياسة» التي كتبت تقول إنه (أي سعد زغلول) تحدث في الشئون الداخلية حديثا مطولا لا يكاد ينتهي، وتناول فيه من تفاصيل هذه الشئون ما يجب أن يترك للإدارات الحكومية، لأنه لا يتصل بالسياسة العامة في قليل أو كثير،

وفي رأينا أن الدكتور عبد العظيم رمضان كان متحاملا علي سعد زغلول حين نبه إلي تركيزه اهتمامه بالطبقة الوسطي وعدم بذل اهتمام مماثل بالطبقة العمالية، وهو ما عبر عنه بقوله إنه لم يجد في عهد سعد زغلول تشريعات عمالية لتخفيف وطأة النظام الرأسمالي الاستعماري علي العمال، بالرغم مما حفل به عهد سعد زغلول من إضرابات واعتصامات خطيرة.

تقييد حركة المندوب السامي

وبالإضافة إلي هذه التوجهات فقد نجح سعد زغلول في تقييد حركة المندوب السامي، والعمل علي التحرر منه، وتأكيد العلاقة الوثيقة بين مصر والسودان. كما نجح في تأكيد النظام الدستوري مبني ومعني، والوقوف في وجه الحكم المطلق، وفي تحرير الحياة الاقتصادية من التبعية والسيطرة الأجنبية عليها، و في تشجيع الصناعات المصرية بصفة خاصة، وإفساح المجال أمام رأس المال الوطني، وفي العمل علي نشر التعليم، وتعميم الملكيات الصغيرة.

البرلمان الوفدي و الروح الوطنية

وكانت قرارات البرلمان الوفدي معبرة أشد التعبير عن الروح الوطنية التي أذكاها سعد زغلول، فقد قرر البرلمان في عهده أن تلتزم الحكومة في مشترياتها بتفضيل منتجات الصناعة والزراعة الأهلية، وأن تشترط ذلك في مقاولات الأشغال العامة.

 كما قرر البرلمان أن تشرع الحكومة في وضع نظام يجعل العملة المصرية منفصلة عن العملة البريطانية، لما في هذه التبعية من الخطر العظيم علي حالة البلاد الاقتصادية، وقرر التخلص من الدين العام تدريجيا بتخصيص كل ما يباع من أملاك الدولة لاستهلاك هذا الدين ،  كما قرر ضرورة اختيار مندوبين مصريين يمثلون الحكومة لدي الشركات الأجنبية، وكان هؤلاء من الأجانب أو أشباه الأجانب.

 ثم قرر بيع أكبر جزء ممكن من أطيان الحكومة لصغار المزارعين، وتشجيع وتنشيط الحركة التعاونية بإعطاء الحكومة قروضا لشركات التعاون، وأن تكون الإعانات التي تمنحها الحكومة للجمعيات الخيرية شاملة أيضا للجمعيات الخيرية المصرية، ومن العجيب أن هذه الإعانات كانت من قبل مقصورة علي الجمعيات الأجنبية.

رفضه المصالحة مع الأحرار الدستوريين

وقد ظلت علاقات سعد زغلول بالأحرار الدستوريين متوترة طيلة مدة توليه وزارته، وقد شرح سعد باشا أسباب رفضه المصالحة مع الأحرار الدستوريين بعد ما رآه منهم في انشقاقهم عنه، وذكر أنها عدم الثقة فيهم، واحتقار شأنهم، فقال: «لا يمكنني الاتفاق مع أشخاص تزعزعت الثقة بيني وبينهم فيما يتعلق بموضوع توكيلي. هم يطلبون حقوقا أقل مما تطلب الأمة، ونحن متشبثون بكامل حقوقها»،

وضرب سعد باشا مثلا لذلك تصريح 28 فبراير فقال: إنه بينما يعتبره «أكبر نكبة علي البلاد»، فإن أصحاب التصريح يعتبرونه «استقلالا في الداخل والخارج»، ولهذا «فلا يمكن أن نتفق مع أصحاب تصريح 28 فبراير بأي حال من الأحوال، لأنهم في واد ونحن في واد، ولا يمكن أن يتفق النقيضان، ولا أن يجتمع الضدان»، ثم قال: «علي أننا إذا أردنا أن نتفق، فمع مَنْ نتفق؟ خبروني مَنْ هم الذين رأوا أن نتفق معهم، وما هي قوتهم في البلاد؟ إني أقول إنه ليس لهم أدني قوة، ليس لهم أدني شأن، ولا أعترف لهم بزعامة»،

 ثم أعلن سعد زغلول أن الانتخابات هي الفيصل، «فليتوجه كل منا إلي الأمة في الانتخابات، ويعرض نفسه عليها تحت شعاره، فإذا كانت الأمة تنتخب فريقهم فحينئذ يتولون الأمر، ونتنحى نحن عنه، أما إذا كان الأمر بالعكس، فكفي الله المؤمنين القتال، سأذهب معهم إلي الأمة وهي تفصل بيننا، وهي خير الفاصلين».

الأزمة تتصاعد مع الملك

في يوم 15 نوفمبر 1924 قابل سعد زغلول الملك فؤاد، وقدم إليه استقالته، بعد أن كاشفه بأن أناسا من كبار الموظفين المنتمين إلي القصر يستخدمون اسم جلالته لمحاربة الوزارة في الخفاء، ثم توجه بعد ذلك إلي دار البرلمان حيث أعلن نبأ استقالته في مجلس النواب، ثم في مجلس الشيوخ، وأرجعها إلي أسباب صحية، وقد كان من الطبيعي أن يدرك النواب والشيوخ أن في الأمر أزمة حقيقية، إذ لم يكن قد مضي أكثر من يومين علي افتتاح الدورة البرلمانية،  بينما كانت (الشائعات) تملأ الجو عن وجود أزمة تهدد الوزارة بالسقوط.

عمّ الغضب النواب والشيوخ، وسارع مجلس النواب باتخاذ قرار بالثقة التامة بالوزارة، وقرر مجلس الشيوخ التوجه بهيئته الكاملة للسراي لإظهار شعوره وثقته بالوزارة، كما قرر تأليف وفد من الرئيس والوكيلين لمقابلة الملك والتماس رفض استقالة الوزارة، ووضع هذا القرار موضع التنفيذ في الحال، فذهب الشيوخ جميعهم عقب الجلسة إلي القصر فقيدوا أسماءهم، وطلب الوفد النائب عنهم مقابلة الملك دون أن يكونوا بملابسهم الرسمية، وكان مؤلفا من: أحمد زيور باشا رئيس المجلس، وأحمد زكي أبو السعود باشا، وعلوي الجزار بك وكيلي المجلس، فقابلهم الملك في الحال وأبلغوه قرار المجلس، وبتأجيل الجلسات إلي أن تنتهي الأزمة، فاضطر الملك للإعراب عن ثقته هو الآخر بسعد زغلول ورجائه في أن يعدل عن عزمه، وقال: إنه متفق مع البرلمان في القرار الذي أصدره في هذا الموضوع.

حادثة مقتل السردار تضطره إلى تقديم استقالته

ثم كانت حادثة مقتل السردار بمثابة المأزق الذي اضطر سعد زغلول  إلي تقديم استقالته حين وجد أن الأمور قد أفلتت من يد أبناء الوطن علي يد أبناء الوطن أنفسهم في نهاية نوفمبر 1924 بسبب حادث مقتل السير لي ستاك، وسرعان ما قبل الملك استقالة الوزارة وكلف زيور باشا برياستها فرفع شعار «إنقاذ ما يمكن إنقاذه»،

تصاعد الحقد على الحركة الوطنية

وشهد الوفد فترة عصيبة تحالفت ضده فيها السراي والإنجليز مع الوزارة الضعيفة بقيادة زيور باشا، وأجريت انتخابات ثانية في 1925 ففاز سعد، ورشح نفسه لرئاسة البرلمان في مواجهة عبد الخالق ثروت ففاز أيضا رغم أن الحكومة كانت متأكدة من فوز ثروت بعدما غيرت تركيبة المجلس، فاضطرت الحكومة إلي حل البرلمان بعد ساعات من انعقاده.

ومضت الأمور من تدهور إلي تدهور، وبدأ معارضوه يحسون قيمة وجوده وضرورة زعامته، ومال إليه الأحرار الدستوريون بعد يأسهم من الملك والاحتلال فاشتركوا في ائتلاف وطني ضم معهم الحزب الوطني، وأجريت انتخابات برلمانية في 1926، وانتخب سعد زغلول بعدها رئيسا لمجلس النواب (1926) وتنازل عن رياسة الوزارة لعدلي باشا الذي رأس ائتلافاً من الوفد والأحرار الدستوريين، ثم خلفه في رياسة الوزارة ثروت باشا، وظل سعد في مكانه زعيما للشعب ورئيسا للنواب حتي توفي في أغسطس 1927 بعد مرض متكرر.

تمتع بمواهب وقدرات لا حدود لها

كانت للزعيم سعد زغلول باشا مواهب وقدرات لا حدود لها، وتأتي الخطابة في مقدمة هذه القدرات والمواهب، فقد كان خطيبا لا يباري.. يروي أنه تحدث أمام طلاب الأزهر لمدة ثلاث ساعات فلم يخطئ ولم يلحن ولم يتلجلج، وكانت النتيجة الطبيعية أن عشرة آلاف من طلاب الأزهر آمنوا بالرجل وساروا خلفه!

قالت مي زيادة تصف أثر حديثه في نفسها:

«سمعت سعدا متكلما علي المنبر فأدركت ثمة كيف الوجه العادي يصبح أجمل من الجمال، وأوفر إغراء، وكيف تهزأ حيوية الشيوخ بحيوية الشبان فتجرفها جرف العاصفة لأوراق الخريف، وكيف ينفتح الجفن الكثيف المتهدل علي بؤبؤ العين فينجلي البصر حساما استل من غمده، وتشيع النظرات أنصالا لا تشق الصدور.. صوت ينتزع قلبك من بين جنبيك ويمضي يتقاذفه ويلهو به وأنت من نشوتك لا تفيق، وكيف يرتفع الصوت الخافت، ويتعالى ويسود حيث تعصف فيه الأنواء، وتزمجر خلاله العواصف لتنجلي فيه إرادة شعب يقول: أنا.. إني موجود».

حظي بتخليد لم يحظ به أحد غيره

حظي الزعيم سعد زغلول باشا بتكريم وتخليد لم يحظ به أحد غيره علي مدي القرن العشرين كله، ولم يحدث لزعامة مصرية أن استمر تقدير دورها بعد وفاتها علي نحو ما حدث لزعامة سعد، وقد أعطاه الشعب من حبه ما لم يعطه لغيره حبا وعشقا، وقد قيل في ذلك العهد إن اسطوانة أم كلثوم التي غنتها بعد وفاته (وبعد امتناعها فترة طويل عن الغناء حزنا عليه ) والتي رددت فيها قولته أنا انتهيت (وقد صاغها أحمد رامي شعرا) وزعت في ذلك الوقت نصف مليون اسطوانة.

وكان الصبية الذين لم يدركوا سن التمييز يظنون أن جثمانه شيع في بلادهم نظرا لأن كل مدينة وكل قرية خرجت في جنازة رمزية ضخمة لتشيع سعداً.

حظي بالإعجاب الشديد حتي من أعدائه

وقد ظل سعد زغلول يحظى بالإعجاب الشديد حتي من أعدائه، والوثائق الأجنبية شاهدة علي هذا، ولعل أروع عبارة قيلت في الدفاع عن سعد زغلول تجاه الانتقادات الكثيرة التي توجه إليه هي قول إسماعيل صدقي: «كان سعد زغلول رجلا عظيما، وكانت له عيوب لكنها كما يقول الفرنسيون كانت بمثابة العيوب الصغيرة التي تلازم الصفات الكبيرة».

خطابته حافلة بالمعاني القوية المبتكرة

ونحن نلاحظ أن قيمة الزعيم سعد زغلول باشا كخطيب لم تكن تقف عند الحماسة ولا عند السجع والجناس والطباق، ولا عند سلامة اللغة، لكنها في الحقيقة كانت تتخطي هذا كله إلي ما هو أكثر وزنا وقيمة، وهو أنها كانت حافلة بالمعاني القوية المبتكرة التي كان سعد باشا يقدمها في أناة ومهارة وكأنه يقدمها عفو الخاطر.

وعلي سبيل المثال فهو القائل: الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة، وقوله: إننا نريد للشعب أن ينظر إلي الحكومة نظرة الجند للقائد، لا نظرة الطير للصائد، وقوله: الاستقلال التام أو الموت الزؤام وقوله (الذي نسب فيما بعد إلي غيره) شرف لا أدعيه وتهمة لا أنفيها، وقوله: جورج الخامس يفاوض جورج الخامس.

ذروة البلاغة

وصلت البلاغة بأقوال الزعيم سعد زغلول باشا إلي درجة أن كل كلماته أصبحت قابلة لأن تحمل كل ما يمكن لها أن تحمل من معان.  فقد كان يصل إلي لب الفكرة في سرعة مدهشة، وليس في حديثه جمل اعتراضية ولا استثناءات، والدراسة التحليلية لعباراته تدل علي استخدامه تقنيات أسلوبية في غاية المهارة، فهو إذا أراد الحديث مثلا عن قاعدة عامة وعن استثنائها أجهد فكره في أن يصل إلي الفارق الذي يجعل الاستثناء لا يخضع للقاعدة، ثم بعد هذا يصوغ من القاعدة الواحدة قاعدتين، قاعدة للأصل وقاعدة للاستثناء ويجعل من القاعدتين صيغة لجملتين متساويتين معطوفتين، وحينئذ تظهر بلاغة سعد وقدرته علي قول الحكمة.

نفس عظيمة قادرة واثقة

لكن الأهم من كل هذه المواهب أنه كانت له نفس عظيمة قادرة واثقة، ويكفي للدلالة علي قدرة هذه النفس وسموها أنه بعد أن عين قاضيا ومستشارا بالاستئناف لم يجد حرجا في أن يسافر إلي فرنسا وأن يؤدي امتحان شهادة الحقوق ليحصل عليها ويعود إلي يلاده مؤهلا بما كان ينبغي أن يحصل عليه من مؤهلات في مرحلة مبكرة.

وضوح الرؤية

كان وضوح الرؤية أهم مميزات الزعيم سعد زغلول باشا التي ساعدته على النجاح في كل ما حققه وأنجزه ، وهي ميزة قد تبدو خطابية في المقام الأول، وقد تبدو علمية في المقام الأول أيضا، والواقع أنها تجمع بين كلا الوصفين وتمزج بينهما.

الوحدة الوطنية

كان إيمان سعد زغلول بالوحدة الوطنية إيمانا حقيقيا، ويتفق المؤرخون علي أن هذا الرجل قد تمكن من توحيد الشعب وقيادته نحو الحضارة الحديثة، فضلا عن الحرية والاستقلال والديمقراطية، ولولا جهد هذا الرجل لتأخر تقدم مصر الحديثة سياسيا وحضاريا مراحل كثيرة.

التعلم المستمر وتمييز الواعدين

وقد ظل سعد زغلول حريصا علي التعلم المستمر حتي مع تقدم سنه ومراكزه السياسية، وكانت حصيلة هذا التعلم المستمر كله مستوي رائعا من الفكر والأداء.

وكان سعد قادرا علي معرفة النفس البشرية، وتمييز النابغين والمخلصين والواعدين، ولا يمكن حصر الشبان النابهين الذين دفع بهم سعد إلي النجاح في الحياة العامة، سواء وهو وزير للمعارف أو وهو زعيم للوفد.

مذكراته  تمثل أثرا أدبيا

تمثل مذكرات الزعيم سعد زغلول باشا أثرا أدبيا لا يقل أهمية عن أثر خطبه، ومن حسن حظ التاريخ المصري أن أسرة سعد وخلفاءه قد حافظوا علي هذه المذكرات التي انتقلت من يد إلي يد ثم إلي خزينة بنك، حتي أصبحت في حوزة مركز تاريخ مصر المعاصر الذي كان تابعا للهيئة المصرية العامة للكتاب، وقد نشر الدكتور عبد العظيم رمضان عددا من أجزاء هذه المذكرات، ولايزال بعضها في حاجة إلي استكمال، وقد أصبح المركز تابعا لدار الكتب.

وفي مراحل كثيرة من تاريخنا رجع إلي هذه المذكرات كل مَنْ أرادوا الاستعانة بها في التأريخ للأحداث السياسية، وقد ورد في المذكرات المنسوبة للنحاس أنه رجع إليها ليقرأ ما كتبه سعد زغلول عن إسماعيل صدقي حين احتدم خلاف الوفد مع صدقي، ووصف صدقي نفسه بأنه كان صديقاً لسعد.

 وفي كتب أستاذنا مصطفي أمين المتعددة و مقالاته فقرات عديدة ومنتقاة من هذه المذكرات.

المذكرات تقدم مواد كثيرة للتاريخ الاجتماعي

 ومع أن الأجزاء الأولي من مذكرات الزعيم سعد زغلول باشا لا تقدم معلومات سياسية ذات أهمية إلا أنها تقدم مواد كثيرة للتاريخ الاجتماعي كحركة السلع الزراعية وأسعارها، وتكلفة الزراعة، وحركة النقل والسكة الحديد، وعلاقات البيع والشراء، والأرباح المتحققة من الأنشطة الزراعية والتجارية وغيرها، وتعكس المذكرات أيضا طبيعة العلاقة بين أفراد النخبة المصرية في ذلك الوقت، ونشاط هذه النخبة الاقتصادي، ومصادر متعتها ولهوها ورحلاتها.. إلخ.

التعبير المرسل الحر

وعلي الرغم من أن معظم المذكرات كتب بطريقة التعبير المرسل الحر الذي يسجل الأحداث لوقتها أو يمليها بغرض تذكرها في مرحلة تالية، فإن صفحات كثيرة من هذه المذكرات المرسلة تتضمن تأملات في غاية الأهمية لحوارات صاحبها مع أنداده وتعليقه علي ما استشفه منهم مما حاولوا إخفاءه أو حاولوا إظهاره في صورة مناقضة للحقيقة، وهو ما يدلنا علي قدرات فائقة لسعد زغلول في التعامل مع الآخرين واستكشاف باطنهم وما يخفونه.

رواياته عن الأحداث السياسية تتسم بالدقة والأمانة

أما روايات سعد باشا عن الأحداث السياسية فتتسم بالدقة والأمانة، ولا تعكس رأيه فحسب، لكنها تعكس أيضا تفصيلات مذهلة عن مشاوراته و مراجعاته لنفسه في الفكرة قبل أن يصل إليها، وعن موازنته بين المزايا والعيوب في كل بديل من البدائل المتاحة أمامه للقرار.

القدرة على نقد الذات

وتحفل مذكرات الزعيم سعد زغلول باشا بما يندر في غيرها من نقد الذات، وهو ما اتخذه بعض الحاقدين علي مكانة سعد سبيلا إلي الهجوم عليه، والزعم بأنه كان انسانا سيئا باعترافه هو نفسه.

والقارئ لما طبع ونشر من المذكرات يعجب من هذه القدرة علي نقد الذات وتأنيب النفس، وبالإضافة إلي كونها قدرة أدبية شجاعة فإنها قدرة نفسية لا تتأتي إلا بعد رياضة قاسية يروض فيها  المرء نفسه علي القيم العليا والنظام والصراحة مرة بعد مرة.

لم ينف جهود مَنْ سبقوه

ومن كلمات سعد زغلول باشا الحاسمة الدلالة علي أنه كان من الذكاء السياسي بحيث لم ينف جهود مَنْ سبقوه: «لست خالق هذه النهضة كما قال بعض خطبائكم، لا أقول ذلك ولا أدعيه، بل لا أتصوره، إنما نهضتكم قديمة تبتدئ من عهد مؤسس الأسرة المالكة محمد علي، وللحركة العرابية فضل عظيم فيها، وكذلك للسيد جمال الدين الأفغاني وأتباعه وتلاميذه أثر كبير، وللمرحوم مصطفي كامل باشا فضل غزير فيها، وكذلك للمرحوم فريد بك».

كتابه غير المشهور

ينسب إليه كتاب ألفه في شبابه عن «فقه الشافعية».. أما خطبه فجمعت في أخريات حياته، ونشرت مختارات منها في كتابين مطبوعين.

كتب كثيرة عن حياته وسيرته

وضعت عن حياته وسيرته كتب كثيرة من أهمها كتاب الأستاذ العقاد «سعد زغلول سيرته وكتبه»، وكتاب عباس حافظ «تاريخ سعد باشا وكلماته» ،وكتاب محمد إبراهيم الجزايرلي «آثار الزعيم سعد زغلول»، وكتب أخري لمصطفي الحكيم ومحمد الزين وعبد الرحمن البرقوقي، كذلك نشر الأستاذ عبده حسن الزيات المحامي ورئيس تحرير جريدة «كوكب الشرق» كتابا عنوانه «سعد زغلول من أقضيته».

هذا الفصل

نشر هذا الفصل   في كتاب سلطة النبوغ  و نشر قبل هذا على هيئة مقال مطول في جريدة الأهرام  في 1999 بناء على تكليف الجريدة ، في مناسبة مرور ٨٠ عاما على ثورة 1919.

من كتاب “هكذا سلطة النبوغ” : دار الروضة ، 2019

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

قصة أفضل معماري أصيل في عصرنا

المهندس حسن فتحي (1899ـ1989) هو أبرز المعماريين القدامى في الشرق الأوسط خلال ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com