الرئيسية / المكتبة الصحفية / كتاب صور من قريب للأستاذ حسن فؤاد

كتاب صور من قريب للأستاذ حسن فؤاد

يتمتع الأستاذ حسن فؤاد بقدرة رفيعة لامتناهية على تقديم صور متميزة للشخصيات، وعلي الرغم من هذه القدرة فإنه يحرص دائما علي أن يكون تصويره للشخصيات التي يتناولها مزيجا من العلم والفن. فهو يقدم لنا كل المعلومات المتاحة عن هذه الشخصية بطريقة مترابطة وذات مغزى، أو بعبارة بسيطة فإنه يحول «المعلومات إلي علم»، ثم هو يخرج هذا العلم بشىء كبير من الفن المتعدد في مستوياته حتي يقدم لنا صورا ناطقة ومعبرة تستخلص من وجوه الحقيقة أكبر قدر ممكن، وتحفل في ذات الوقت بلمساته الفنية التي يتعرف عليها القارئ حين يتعرف في لمح البصر  علي أسلوبه المتميز الفذ السلس الممتلئ بالتعبير والقادر علي التصوير الدقيق لكثير من طبائع النفس البشرية وسماتها.

 ويولي الأستاذ حسن فؤاد في كتابه «صور من قريب» كل الاهتمام للقضايا السياسية الراهنة والصراعات الفكرية الكبري في ذات الوقت، فهو لا يرسم لوحاته بعيداً عن حركة الفكر ولا عن حركة السياسة، ولكنه يسبغ فهمه المتمكن للسياسة والفكر علي هذه الشخصيات التي يستعرض معنا تاريخها وإنجازاتها، وهو يحيل الأرقام الصماء إلي مؤشرات مهمة تنطق بالحياة وترينا كيف تؤدي الشخصيات التاريخية دورها في صناعة التاريخ.

والتاريخ عند حسن فؤاد لا يقف عند حدود التاريخ السياسى، ولكنه قادر علي أن يمزج تماما بين هذا التاريخ السياسي الظاهر علي السطح وبين التطورات الاجتماعية والثقافية التي تفتعل في الأعماق، وهو قادر بحكم ثقافته الواسعة علي أن يصل إلي  جوهر الجوانب العميقة في عمليات التأثير والتأثر التي لا تفتأ تترك آثارها علي كل شخصية من الشخصيات التي تسهم بصورة أو بأخري في صياغة التاريخ وصناعته.

وينجح حسن فؤاد كذلك في مزج الحقائق بالأساطير علي نحو ما ينجح هذا المزيج نفسه في كثير من الأحيان في توجيه دفة الأحداث علي مدي التاريخ، ويوظف حسن فؤاد (علي سبيل المثال) معرفته بطبائع البشر الذين ولدوا في برج ما من الأبراج الفلكية ليعطي من هذه المعرفة أبعاداً تتوافق مع (أو تفسر) دقائق سياساتهم التي نهجوها في حياتهم حتي يوم كتابته عنهم. كما أنه يستلهم هذه الخبرة البشرية في استشراف آفاق العمل والنشاط البشري التي يتوقع مراقبو الأحداث لشخصياته أن يكونوا بمثابة اللاعبين الرئيسيين علي ساحاته.

وحين كانت هذه البورتريهات الجميلة تنشر في العدد الأسبوعي من صحيفة «الأهرام» فإنها كانت تتيح للقارئ العربي أن يستمتع ويتثقف بمستوي رفيع من الإبداع الصحفي المستند إلي ثقافة حقيقية ورؤية تأملية ناقدة، ونظرة أدبية نافذة.. وفي تراث هذا المزيج المتزن من هذه الجوانب: الصحافة والرؤية والأدب سوف يظل اسم حسن فؤاد علي الدوام رمزاً لأولئك المثققفين الذين أفادوا من المعاصرة الحية للأحداث التي أتاحتها لهم وظائفهم الصحفية دون أن يمكنوا هذه المعاصرة من أن تنجح في أن تستنزف طاقاتهم الفكرية، بل إن حسن فؤاد ـ علي سبيل المثال ـ قد استطاع أن يضيف إلي رصيد الفنان والأديب ما قد يطرح منه عند الآخرين في ذات الظروف والملابسات.

ولست بمستطيع أن أتناول بالنقد أو التحليل أو التعليق فصول هذا الكتاب فصلاً فصلاً لأنها كلها  في الحقيقة بمثابة الوحدة الواحدة الكبيرة التي لا تتكرر وإنما تتشكل علي أشكال مختلفة ومتباينة علي نحو ما تتباين الشخصيات، وبالقدرة علي إدراك هذا التباين وإدراك ما يميز كل شخصية عن الأخرى،وهكذا فإن فصول هذا الكتاب حلقات متصلة غير متكررة ولا تغني كلها عن واحدة منها.. وبالتالي فإن واحداً منها لا يغني عن آخر.. ومن باب أولي فإن فقرة من فقرات هذا الكتاب لا تستطيع تصوير  طبيعتة ولا قيمته إلا إذا اعتبرنا فيلم الأشعة الطبية لجزء من جسمنا بمثابة صورة شخصية.

وسوف يبقي هذا الكتاب في المكتبة العربية بما يشتمل عليه من فصول  بمثابة مجموعة متوافقة من الشموع الجميلة التي تكفي كل شمعة منها لأن تضىء حياة شعب لمدة طويلة، ولكن حسن فؤاد أبي إلا أن يكثف وجود هذا الضوء علي هذا النحو الجميل الرشيق.

بيد أن القارئ لابد له أن يلاحظ أن الأستاذ حسن فؤاد قد استطاع أن ينجح في تحقيق أقصي نجاح لكاتب التراجم، وهو أن يخرج من دائرة الإعجاب أو التعاطف مع مَنْ يكتب عنه أو عن إنتاجه إلي دائرة أخري يمكن وصفها بأنها أقرب إلي الموضوعية منها إلي الإعجاب أو التعاطف، وأقرب إلي الحقيقة منها إلي الخيال أو التصور.. وربما يعود الفضل في هذا إلي أن حسن فؤاد في النهاية وفي البداية صحفي متميز يعرف مدي العائد الأكيد من أن يكون  الحياد العلمي هو إحدي السمات الأولي المميزة لعمله.. وهو أيضا ناقد يعرف أنه ينبغي عليه أن يبين به عن مواطن الضعف بنفس القدر الذي يبين به عن مواطن القوة.. وهو قبل هذا  وذلك أديب يدرك بكل الحب والعشق وظيفة الأدب الحقيقية في الهداية والتنوير والارتقاء بأفهامنا بل بمشاعرنا كذلك.

ولعل هذا كان السبب الرئيسي وراء إحجامه أو تراجعه أو تهيبه من أن يتناول بقلمه تصوير الشخصيات الوطنية رغم إلحاحي المتكرر عليه.

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

د. عبد المنعم القيسوني الاقتصادي الذي تحمل الضباط لأطول فترة   

يوصف الدكتور عبد المنعم القيسوني (1916 ـ 1987) بأنه ذو حدين بينهما ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com