الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات الجزيرة / الجزيرة مباشر / د. عبد الحكيم الـرفاعي أستاذ الاقتصاد السياسي الذي لم يعمل وزيرًا

د. عبد الحكيم الـرفاعي أستاذ الاقتصاد السياسي الذي لم يعمل وزيرًا

الدكتور عبد الحكيم الـرفاعي (1904ـ 1974) هو عميد أساتذة الاقتصاد والمالية العامة في جيله، وإن كان لم يصل إلى المناصب الوزارية، فقد آثر قيادة المؤسسات المصرفية على المناصب الوزارية والجامعية، وهو أول محافظي البنك المركزي المصري في عهد إنشائه الأخير عام 1961 بعد استقالة عبد الجليل العمري وحتى بلوغه هو نفسه سن الستين، كما أنه صاحب فضل في توجيه النظام النقدي لمصر في بداية عهد 1952.

سماته الشخصية

احتل الدكتور عبد الحكيم الرفاعي مكانة علمية رفيعة في هدوء، وساعده على هذا ما تميز به من خلق رفيع، وعلم غزير، وأستاذية حقة، فقد كان كما وصفه زملاؤه بعيدا عن السوء، وعن الشر، وعن نطاق السوء والشر، كما كان أبعد ما يكون عن الانتهازية السياسية، وعن النفاق، وعن المداراة برأيه أو فكره، وقد ظل حريصا على الحق، وعلى الصواب، لكنه في الوقت ذاته لم يكن من أبطال المعارك السياسية، ولا المجادلات، ولا الانتماءات الحزبية.

المكانة الرفيعة التي صنعها لنفسه

كان الدكتور عبد الحكيم الرفاعي نموذجا للأستاذ الجامعي العالم المتمكن الذي يرى نفسه أكبر من أن ينحاز إلى مذهب اقتصادي معين وهو قادر على تقديم أحكامه العلمية بثقة وأمانة، ويذكر له الكثيرون من أبناء الجيل الذين تتلمذوا عليه أنه في حديثه عن المذاهب الاقتصادية (في كتبه وفي محاضراته على حد سواء) لم يبخس النظرية الشيوعية حقها، على الرغم من أنه كان ينتمي بحكم تعليمه إلى المدرسة الغربية (الرأسمالية) في الاقتصاد، حتى إنه أشار في كتابه إلى نجاح الشيوعية في الاتحاد السوفيتي في مجالات الإنتاج، ومعدلات النمو، وهكذا نجا هذا العالم العظيم مما يسيطر على أمثاله من تصوير الشيوعية شرًّا محضًا. وقد ذكر محمد يوسف الجندي في مذكراته أنه أحب الشيوعية وعرف أثرها الناجح اقتصاديا من خلال كتاب هذا الأستاذ العادل المنصف، وكان قد شاركه في تأليفه الدكتور محمد زكي عبد المتعال وزير المالية فيما بعد ذلك في وزارات الوفد الأخيرة، وعلي ماهر، وأحمد نجيب الهلالي.

مقارنته بالعمري والجريتلي

يجمع بين الرفاعي والعمري (1907- 1996) أنهما اختيرا في الأربعينيات لتولي مناصب رفيعة في وزارة المالية، فكان العمري وكيلا للوزارة وكان الرفاعي وكيلا للوزارة لشؤون الضرائب، ويتمتع العمري على الرغم من أنه أصغر من الرفاعي بخبرة أوسع وقدرات أعلى على ضبط السياسة الحكومية، ومع هذا فإن الرفاعي وجد فرصته في أن يخلف العمري في منصب محافظ البنك المركزي، وعاش الدكتور الرفاعي حياته في الستينيات في احترام وتوقير للذات، وبُعد عن السياسية مع مشاركة في قضايا الوطن وإدارة أموره. وقد شارك في توجيه كثير من أنشطة الدولة الاقتصادية، في عصر التوجه للشمولية من دون أن يخوض في مناقشات كان يتوقع عدم جدواها لكنه في اعتزازه بنفسه كان أقرب ما يكون إلى مناظريه الاقتصاديين من بين التجاريين: عبد الجليل العمري، وعلي الجريتلي، وقد أتاح له هذا الوضع الاستثنائي الفرصة للحصول على ما يستحقه من تكريم وتبجيل من دون عناء.

نشأته

ولد الدكتور عبد الحكيم الـرفاعي بقرية شبرا -مركز السنطة بمحافظة الغربية- وبعد أن تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بمدارس طنطا، انتقل إلى القاهرة والتحق بمدرسة الحقوق، وتخرج فيها عام 1925، وأوفد في بعثة دراسية إلى فرنسا حيث حصل على درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية عام 1929، وعُيِّن بعد عودته مدرسا في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وتدرج في وظائف هيئة التدريس حتى أصبح أستاذا لكرسي الاقتصاد السياسي.

مقارنته بزميله حلمي بهجت بدوي

ولد هذان العالمان الجليلان في 1904 وتخرجا في كلية الحقوق في 1925 وزاملا في هذه الدفعة الأستاذ توفيق الحكيم والدكتور محمد مصطفى القللي، ونالا درجة الدكتوراه من باريس معا في 1929 لكن الدكتور الرفاعي لم يتول الوزارة وكذلك فإن الدكتور حلمي بهجت بدوي لم يتول منصب محافظ البنك المركزي، وقد أتاح طول العمر للدكتور الرفاعي أن ينال عضوية مجمع اللغة العربية وأن ينال جائزة الدولة التقديرية وهو مالم ينله الدكتور حلمي بهجت بدوي.

عمادة كلية حقوق بغداد

وفي أثناء عمله الجامعي عمل الدكتور عبد الحكيم الـرفاعي وكيلا لحقوق القاهرة عام 1944، ثم اختير عميدا لكلية الحقوق بجامعة بغداد عام 1945، وبعد تأسيس الجامعة العربية نُدب مديرا للشؤون الاقتصادية بجامعة الدول العربية عام 1947.

وظائفه العليا في الحكومة المصرية

انتقل الدكتور عبد الحكيم الـرفاعي إلى الصف الأول من وظائف الحكومة المصرية حيث اختير وكيلا لوزارة المالية لشؤون الضرائب عام 1947، ثم اختير رئيسًا لمجلس إدارة بنك الائتمان العقاري الزراعي عام 1952. وفيما بعد عام 1952 عُيّن نائبا لمحافظ البنك الأهلي عام 1955، فمحافظا للبنك عام 1960، وقد اختير محافظا للبنك المركزي عند إعادة إنشائه عام 1961 خلفا للدكتور عبد الجليل العمري الذي تولى هذا المنصب بين 1957 و1961، وظل يشغل هذا المنصب حتى بلغ سن التقاعد عام 1964.

شهرته كمحافظ للبنك المركزي

وعلى المستوى الشعبي ظل اسمه وتوقيعه متداولا لمدة طويلة (كمحافظ للبنك المركزي) على أوراق النقد التي عاشت طويلا في أيدي المصريين، وبخاصة أن فترة رياسته للبنك المركزي قد طالت وواكبت الفترة التي لم تكن أوراق النقد تجدد فيها بصفة دورية.

ريادته وعمادته لتخصصه

قدر للدكتور عبد الحكيم الرفاعي أن يظل في مكانة سامقة بين معاصريه وتلاميذه، وقد أشرف على كثير من الأنشطة العلمية والأكاديمية في مجال تخصصه، وكان له شأن كبير في تحرير مجلة “مصر المعاصرة”، وفي لجان المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، وهو الذي وجه إلى وضع ببليوغرافيا العلوم الاقتصادية، وإلى تحرير دراسات اقتصادية مهمة في عدد من الموضوعات التي كانت تهم العصر الذي عاش فيه.

تمثيله لمصر في المؤتمرات الدولية

مثل الدكتور عبد الحكيم الرفاعي مصر في عدة مؤتمرات دولية: مؤتمر باريس للتعريفات عام 1945، وفي مؤتمر الصلح بباريس عام 1946، وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتي نيويورك عام 1946، وباريس عام 1947، وفي مؤتمر لجنة التجارة الدولية في جنيف عام 1948، كما كان رئيسا لوفد مصر في مفاوضات الأرصدة الإسترلينية (1947 ـ 1948).

رئاسته للجمعية المصرية للاقتصاد السياسي

عين الدكتور عبد الحكيم الـرفاعي رئيسا للجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع عام 1967، وكان قانون هذه الجمعية يقضي بتعيين رؤسائها من قبل رئيس الدولة (ملكًا ثم رئيسًا).

عضوية مجمع اللغة العربية

انتُخب الدكتور عبد الحكيم الـرفاعي لعضوية مجمع اللغة العربية عام 1968 وشغل الكرسي الثالث الذي كان سلفه فيه هو الشيخ محمد علي النجار، ومن الجدير بالذكر أن من خلفه في هذا الكرسي كان أكبر منه في السن وهو الأستاذ محمد عبد الله عنان.

جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية

نال الدكتور عبد الحكيم الرفاعي جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1963، وكان سادس مَنْ حصل عليها، فقد سبقه إليها من القانونيين ثلاثة: أحمد لطفي السيد، وعبد الرحمن الرافعي، وعلي بدوي، وكان هو أول دكتور في القانون يحصل عليها، سابقا بذلك الدكتور السنهوري المتخرج قبله بثمانية أعوام وزميل دفعته الدكتور محمد مصطفى القللي وغيرهما.

مؤلفاته

  • “الاقتصاد السياسي” (جزءان ـ القاهرة ـ 1937).
  • “الضرائب المباشرة في مصر” (1942).
  • “علم المالية والتشريع المالي العراقي” (1945).
  • “تخفيف أعباء الدين العام”.
  •   “الاتجاهات الاقتصادية في الخمسين سنة الأخيرة في ضوء الدراسات في مصر والخارج” : بحث ألقي في الاحتفال بالعيد الخمسيني للجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، وهو بحث مرجعي فيما يتعلق بتاريخ الاقتصاد المصري.
  • وله بحوث أكاديمية كثيرة نشر معظمها في مجلة “القانون والاقتصاد” التي كانت تصدرها كلية الحقوق بجامعة القاهرة.
شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com