الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات الجزيرة / الجزيرة مباشر / تمويل صناعة الأمجاد بالاستيلاء على مال الأفراد

تمويل صناعة الأمجاد بالاستيلاء على مال الأفراد

تعني المصادرة في القانون أن تنتقل الملكية للدولة بدون مقابل، ويقول تعريف المصادرة انها هي نقل ملكية مال أو أكثر إلى الدولة. أما تعريف محكمة النقض وهو اكثر دقة وعملية فيقول بانها: إجراء الغرض منه تمليك الدولة أشياء مضبوطة ذات صلة بالجريمة، قهراً عن صاحبها، وبغير مقابل. وقد ذكرت محكمة النقض أن المصادرة عقوبة وجوبية أو جوازية ، وذكرت انها اختيارية تكميلية في الجنايات ، والجنح  إلا إذا نص القانون على غير ذلك ، وقد تكون المصادرة خاصة بمال معين أو أموال معينة . وقد يتم اللجوء إليها كتدبير أو تعويض في القوانين الخاصة، ولا تكون المصادرة إلا على شخص حكم عليه بعقوبة أصلية وتكون وجوبية إذا كانت الأشياء المضبوطة خارجة عن دائرة التعامل. ومن إحقاق الحق ان نقول ان الرئيس السادات كان صاحب الفضل في الغاء المصادرة التي ظلت موجودة منذ بداية عهد 1952 حتى حظرها الدستور المصري الدائم الصادر في 1971 بموجب المادة 36 من ذلك الدستور.

متى بدأت المصادرة

في ديسمبر 1952 بعد 5 شهور من 23 يوليو صدر أمر من مجلس قيادة الثورة بمصادرة أملاك الملك وأسرته وأملاك كل أفراد أسرة المالكة من أراض وقصور ومحتوياتها وأموال، وتمت العملية بأن يخرج كل أفراد الأسرة من بيوتهم وتغلق وتشمع حتى يمكن للجان الجرد حصر محتوياتها ثم تعاد إليهم على أن تعتبر القصور وما فيها عهدة في أمانتهم يسألون عنها، على أن يسمح للواحد منهم بالإقامة في قصر واحد من قصوره وتترك له سيارة واحدة ويظل الأمر على هذا الوضع حتى تتخذ الدولة ما تراه في القصور وأصحابها وما فيها..  وقد كان عدد أسر الأمراء الذين طبق عليهم القرار 417 أسرة، ومعظمهم كان يملك أكثر من سكن. ومن الطريف أن نذكر أن الملكة [السابقة] فريدة لم تكن من أسرة محمد علي، وكانت علاقتها بالملك فاروق قد انتهت بالطلاق، وكانت لها ذمة مالية منفصلة، ومع هذا فإنها حتى وفاتها ظلت تجاهد من أجل استرداد شيء من ممتلكاتها من دون جدوى.

لجنة مركزية للمصادرة

تكونت لجنة مركزية للمصادرة والجرد برئاسة المهندس محمود يونس الذي تولى رئاسة هيئة قناة السويس فيما بعد ذلك. وكان الدكتور حسين مؤنس يقول إن الذين خافوا على أنفسهم من لجنة المصادرات ومكتب الأموال المصادرة [من أمثال محمود يونس نفسه] غسلوا أيديهم من تلك المأساة قبل أن تتحول إلى عملية نهب بشعة.

الاستيلاء على الأوقاف

بقدرة معهودة في غياب الشرعية القانونية امتد تطبيق قانون الإصلاح الزراعي الى أراضي الأوقاف و الأوقاف الخيرية التي كانت تمثل صورة  مثالية من صور تمويل أنشطة المجتمع المدني المستنير، و وجدت حكومات 23 يوليو ان في مُكنتها ان تستولى على هذه الأوقاف بطريقة متعسفة ، و قد روينا قصة أوقاف الجمعية الخيرية الإسلامية التي جاهد مجلس إدارتها برياسة ذلك الفقيه القانوني الدولي الكبير الدكتور عبد الحميد بدوي لاستعادة بعضها لتمكين الجمعية الخيرية  من استئناف نشاطها ، وهو ما اضطر هذا الفقيه أن يخاطب الرئيس عبد الناصر بقوله إنه يطلب للأغلبية المسلمة مثل ما أعطى من حقوق للأقباط يما يتعلق بالأوقاف القبطية .

مصادرة أملاك الاقطاعيين ورجال السياسة

بعد مصادرة ممتلكات وأموال الملك والأسرة المالكة امتد الامر إلى مصادرة أموال مَن سموا بالإقطاعيين.

و بعد الملك والأسرة المالكة والاقطاعيين امتد الامر إلى مصادرة أموال كثير من الساسة ممَن تعرضوا للمحاكمة أمام محكمة الشعب ومحكمة الغدر .

وامتد الامر إلى مصادرة أموال الأحزاب السياسية ثم إلى جماعة الإخوان بكل ما تملكه و ما ينتمي إليها .

مصادرة أملاك الأجانب

بعد حرب 1956 امتد الامر إلى مصادرة أملاك الأجانب وشركاتهم وبيوتهم ومتاجرهم وبنوكهم .

 مصادرة أملاك  التجار العاديين

تطور الامر بعد القرارات الاشتراكية حتى أممت الدولة مخابز ومحلات حلوي ومصانع أثاث ومتاجر صغيرة وما إلى ذلك لأن الأمر أصبح على حد وصف د. حسين مؤنس (المبالغ في تعبيره) بمثابة عملية نهب يقوم بها جيش من الغزاة.

إدارة الأموال المصادرة

وعن الدكتور حسين مؤنس ننقل وصفه الدقيق و المتذمر للجنة التي تولت تنفيذ هذه التجربة المريرة  : “……. وكل هذه العمليات يقوم بها مكتب رئيسي للجرد والمصادرة تتولاه لجنة عليا للأموال المصادرة تتخذ من شقة في جاردن سيتي مقرا لها و  تتولي عملية تنظيم استيلاء النظام الجديد على ما يمكن أن نسميه بأموال مصر ومدخراتها . وكان مسموحا لكل من كان يطمع في شيء أن يتقدم باتهام و تعقبه الموافقة على المصادرة والتأميم . بل جرت العادة أن يكون الاستيلاء والنهب قد تما قبل ذلك، وكانت اللجنة العليا للمصادرات تختار لكل قصر أو بيت أو مصنع او متجر لجنة مصادرة تذهب إلى المكان المراد وتفاجئ من فيه بالأمر الذي كان ينزل على الناس كالقضاء المحتوم”

وصف الدكتور إبراهيم عبده

أما الدكتور إبراهيم عبده في كتابه ” تاريخ بلا وثائق “فقد وصف إجراءات المصادرة و ما إليها بأنها كانت ” تصرفا في ميراث بلا وراث، ومال سايب بلا صاحب، وبوابة بلا بواب، وبلدة بلا عمدة . فالقصور التي كانوا يصادرون أموال أهلها باسم الشعب لم تكن محتوياتها مسجلة في دفاتر ويستطيع من يجرد أن يأخذ ما يريد وبدلا من أن تحصي المحتويات في مكانها ثم يغلق المكان أو يترك عهدة في يد أصحابه: كانت الأشياء الثمينة توضع في حقائب وتأخذها اللجنة وتمضي “ .

كتاب حسين الرملي عن مجوهرات أسرة محمد على

ومن كتاب الأستاذ حسين الرملي ” مجوهرات أسرة محمد على والأربعين حرامي” ننقل بعض الفقرات التي تصور ما آلت اليه الأمور:

“…..  وأمسك الأستاذ أحمد رفعت وكيل نيابة الأموال العامة الذي يحقق في هذه السرقات أكثر من دليل يثبت التلاعب وعمليات النهب والسرقة التي تعرضت لها هذه التحف والمجوهرات … إنها أدلة ثابتة على وقوع سرقات وإن كان الفاعل لا يزال مجهولا ”

“…..  إن مجموع الملفات الخاصة بمجوهرات أسرة محمد علي بلغ عددها حتي الآن 12000 ملف وكل واحد من هذه الملفات يحتوي على توصيف فني لكل قطعة من هذه التحف والمجوهرات على حدة، واستطاع الأستاذ أحمد رفعت وهو يراجع هذه الملفات ورقة – ورقة أن يكشف الكثير من عمليات ( الكشط) والتزوير مما يؤكد أن تلاعبا قد وقع في مجموعة هذه التحف والمجوهرات “.

وفي كتاب الأستاذ الرملي أيضا أن ضابطا يسمي حسن عثمان حوكم لسرقته سجادة، سرقها من قصر أحد موظفي القصر القدماء ، وقد تبين أن العقيد حسن عثمان بٌرئ مما نسب إليه ، وأن مساءلة السجادة هذه دست عليه من خصوم له . وقد رد القضاء اعتباره فيما بعد”.

ترويج  معاني  شعبية للمصطلحات الاقتصادية

كان من المعتاد في عهد الرئيس عبد الناصر أن تخرج المصطلحات القانونية والاقتصادية من نطاقها القانوني أو المهني أو العلمي الى استعمالات سياسية الدلالة بصرف النظر عن المعنى القانوني ،  وهكذا فإنه بعد أن أصبح لفظ تأميم القناة ذا سمعة إعلامية وغنائية جيدة فقد تم استخدامه في الاستيلاء على القطاع الخاص [المصري أصلا وفصلا]  في الصناعة والتجارة … مع تكفل الدولة بتعيين بعض أصحاب هذه الشركات مدراء بدلا من كونهم ملاكا او شركاء ، ومع التزام الدولة جزئيا باقل قدر ممكن من التعويضات عن حقوق الملكية .

وهكذا ترسخ في الاذهان أن التأميم  يعني أو يساوي المصادرة ، وانسحب هذا على تأريخ الماضي ليصور تأميم القناة إعادة للحقوق إلى الذين حفروها بالسخرة !! الي آخر هذه الاسطوانات الاعلامية المشروخة التي دمرت المعرفتين القانونية والاقتصادية على حد سواء .

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقييم المستشار العشماوي لتأميم قناة السويس

كان المستشار محمد سعيد العشماوي واحدا من رجال القضاء الذين وصلوا إلى ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com