الرئيسية / المكتبة الصحفية / زكي عبد القادر التواضع الرفيع والعبارات الخالدة

زكي عبد القادر التواضع الرفيع والعبارات الخالدة

في صباح يوم من أيام الهدوء في السياسة، الهدوء الذي يتيح للعنوان الرئيسي من جريدة الصباح أن ينصرف إلى شيء ذي قيمة، كان هذا العنوان يحمل نبأ وفاة الأستاذ محمد زكي عبد القادر، على حين فجأة، فيما بين جلسات مجمع الخالدين، حين ذهب كما كان يذهب في أغلب أيامه، يتناول ما يتقوى به على ما نذر نفسه له، ويتأمل في ساعة فراغ ما قضي أكثر من عمره يتأمله من أمور الحياة والأحياء، وهكذا رحل عنا في هدوء رجل عاش بين قومه في هدوء، ورحل من دون أن يكلف أحدا مشقة أواخر الأيام، كما عاش من قبل من دون أن يشق على أحد في أي من الأيام.

قلم أضاء الحقائق

كان رحمه الله كاتبا أضاء بقلمه جنبات واسعة من عقول مستنيرة، وأضاء بما كتب جوانب كثار من الحقائق، لعل أبرزها وأقواها ما كان يكتب في أواخر أيامه في يوميات الأخبار صباح كل أحد عن الشهور الأولى لثورة 1952، وليسمح لي أساتذتي جميعا أن أرفع الفصول التي كتبها والتي لم يستكملها إلى المكانة الأولي بين كتاباته جميعا، علي الرغم من إدراكي للمكانة الرفيعة التي يحتلها كتابه «محنة الدستور» في نفوس أهل القلم والفكر والبحث في التاريخ جميعا، وأعترف أني في لحظات كثيرة أقع فريسة طيعة لشعور مقبض يجعلني أسائل نفسي: لماذا لم تكتمل هذه الحلقات التي لو اكتملت لكان لها أكبر الأثر في صياغة رؤيتنا لفترة من أخطر فترات تاريخنا علي نحو يكون فيه للحق المحق، والإنصاف المنصف القدر الأول?! لماذا لم تكتمل?! وإني لأبرأ إلي الله من نفسي ومما يعتريها في تلك اللحظات!

حظ التاريخ والصحافة فيه

من المؤرخين أناسا يكون من حظ التاريخ أن يشهدوا الأحداث عن قرب مادي، وأن يشهدوها بعقول ونفوس وذاكرات بعيدة عن الأهواء والماديات، ثم يكون لهؤلاء قلم، ثم يكون لهؤلاء الناس وأقلامهم وقت يخلون به إلى الصفحات البيضاء يزيدونها بياضا مما يدونونه من حقائق اكتسبت من إنصافهم بيانا هو أقرب في نصاعته إلي بياض الحقيقة، وقد كان هؤلاء في تاريخنا الحديث قلة نادرة، وكان من هؤلاء هذا الرجل.

ومن أهل الصحافة أناس أتيح لهم من الثقافة والعلم والتنور أقدار قد تختلف، ولكنها مع ذلك تستطيع أن تتناسق أو تتجانس لتخرج منها قدرة علي التنوير، وتجد هذه القدرة من إمكانات الصحف، وسرعتها، وانتشارها ما يمكنها من الاقتدار البناء، وحينئذ يصبح هؤلاء قوة، قوة يأتيها التوجيه من نتيجة تفاعل قوي الحق والخير والجمال، والقوي المضادة لكل أولئك، فإذا انتصرت في النفس القيم العليا، أصبحت هذه القوى ولها في ذاتها من القوة الكامنة أقدار هائلة من طاقة الوضع، قد لا يلحظها المراقبون الذين قد لا يلحظون إلا الصور الظاهرة من طاقات الحركة، ولكن الذين يستعينون بالحسابات يدركون بلا شك أن القدر المتحقق في طاقة الوضع التي كانت عند زكي عبد القادر أو أمثاله يفوق أقدار طاقات حركة مَنْ حولهم جميعا.

دوره في مجلة الفصول

أما دور الأستاذ زكي عبد القادر في مجلته «الفصول» فلعله من أخلد الأدوار في حياتنا الثقافية، فقد بذل رحمه الله في هذه المجلة كل ما أمكنه أن يبذل حتي تخرج لهذا الوطن دورية وطنية نهضوية قوية، تعبر له ولشبابه عما ينبغي له أن يعي من تطورات الفكر، وتطورات الأحداث، ومن أجل بقاء المجلة قاوم هذا الرجل الظروف الصعبة التي كانت تزداد مع الأيام ضراوة، ولكن الزمن كان أقوي، ومع هذا بقيت لنا في المكتبة العربية أعداد رائعة قيمة من مجلة راقية محترمة، فيها الجهد البارز، والجد الواضح، وفي هذه المجلة تتلمذ علي يد الأستاذ زكي عبد القادر عدد من أبرز كتابنا اليوم ثقافة، وأصالة، وصحافة، ولمعانا، ولعلنا إذا تأملنا مدرسة زكي عبد القادر الصحفية لانتهينا إلي حقيقة مهمة، وقد لا تكون غريبة، حين يكون تلاميذ الرجل قلة قليلة تعد علي أصابع اليد الواحدة، ولكنها كلها مع ذلك في الصف الأول عن جدارة، ولعل هذا يفسر لنا سر التقديرين اللذين كان يلقاهما في آن واحد من ومع صاحبي المعطف الكبير الذي خرجت منه الأعداد الغفيرة من تلاميذ «أخبار اليوم».

درة مصرية أصلية في الصحافة

ولعلكم تشاركونني أيها السادة الرأي أن زكي عبد القادر كان دائما في الصحافة المصرية، وللصحافة المصرية بمثابة الدرة الأصيلة، حفظت نفسها، تأتي الأيام بأولي الأمر، أو بأولي الحاجة إليه، فيقوم إليهم يؤدي دوره الطليعي في إخلاص عاقل، ونشاط هادئ خير ما يكون الأداء، وقد حدث هذا في «الأهرام» نفسه، ومن قبل في عدد من الصحف الحزبية، ومن بعد في «المختار»، فكان فردا فيه كفاءة الجماعة، وليس من حوله الجامعة الخاصة، وكان رئيسا فيه الحزم وليس من خلقه البطش، وكان أهل وطنية فيه الولاء وليس عنده الرياء، وكان أهل تقدير في خلقه الإنصاف وليس من طبعه التهويل الذي قد يذهب بالحقيقة.

عباراته الخالدة

أما عن أدبه فقد كان رحمه الله أديبا بالطبع، وبالتطبع أيضا، فقد كان يرقي بأسلوبه بكل ما أوتي من قوة التعلم، وعزيمة الإجادة، وطموح السمو، وكانت عبارات الأستاذ زكي عبد القادر التي (يصنعها) من أشد العبارات تماسكا وقدرة على البقاء، بما اتسمت به من ثاقب الفكرة، ونصاعة العبارة، وأصالة الفن، وروح النفس، وفلسفة الحياة، وقد قادني البحث فيما كُتب عن كثير من الأعلام الذين قدر لي أن أكتب عنهم، أن أبحث فيما كتب محمد زكي عبد القادر فكنت أجد في مقالاته العابرة عمقا قد تخلو منه الكتب التي كتبت على مهل، والقصائد جاءت بعد تأمل وتدبر، وكنت أجد في مقالاته بالإضافة إلي هذا تلك الصفة، التي وصفت، ولاأزال يحلو لي أن أترنم بقوله عن مشرفة باشا في معرض الحديث عن وفاته المبكرة إنه مصباح استنفد ما به من زيت! أو قوله عن المشير أحمد إسماعيل: «ولم أعرف رجلا مثله خرج من الظلال إلى الضوء الباهر في لمحة جزاء وفاقا للعمل الصامت، والصمت العامل» لعل القارئ يشاركني الشعور (أو الرأي) بمدى القوة التعبيرية في هاتين العبارتين، بينهما ربع قرن من الزمان، لكنهما تبقيان مدى الزمان.

وكان الأستاذ زكي عبد القادر في كتاباته يؤمن أو يكاد يؤمن أن الناس كالسلحفاة التي لا تخرج رأسها وجسمها من درعها إلا في الدفء، ولهذا كان يدفئ الناس في مقالاته بشيء من العطف، فكانوا أحرى بأن ينزلوا على مراده، ومع هذا كانت طائفة من قرائه، وكنت منهم، يتجاوزون هذه المقدمات يراد بها الدفء إلى اللباب، وليت محمد زكي عبد القادر وجد في عصر لم يكن في حاجة إلا إلى اللباب.

تواضع حقيقي

وقد نال رحمه الله في أواخر حياته كل ما يتمنى أمثاله لأواخر حياتهم، من البعد عن مشكلات المناصب والمكاتب، والخلود إلى شيء من الراحة، والخلو إلي النفس، وإلى الأصدقاء، وإلى التلاميذ، وكان رحمه الله قد احتفظ لنفسه بمكتب في شارع شريف، عليه لافتتان صغيرتان منذ الأربعينيات لزكي عبد القادر (المحامي)، و الثانية لمجلة «الفصول»، وفي هذا المكتب كان يقرأ ويدرس ويكتب ويقابل الناس، ولم يكن لقاؤه بالأمر الصعب على أولي العلم أو البحث في تاريخنا المعاصر، وكانت له في بعض الأحيان شبه ندوة.

وفي هذا المكتب شرفت بلقاء الرجل العظيم الذي لم يجد حرجا في أن يسألني في تواضع مقدور عن ذات المعنى الذي وجده في نفسه من عجز قلمه عن إثبات قدرته في كتابات تبسط العلوم للناس، وحين حاولت أن أذكر له أن السبب في ذلك قد يكون هو ذاته الذي صرف أم كلثوم عن أن تبرع في مجال التلحين، أشاح بوجهه إشاحة تعبر بكل الصدق عن التواضع الرفيع الذي كان من سماته، وإذا كان قد أتيح لك أن تقرأ كتابه «أقدام على الطريق» فسوف تدهش لهذا القدر من التواضع المتواصل في كل فقرة يحكي فيها الرجل عن حياته، ولعله في هذا كله كان أقرب إلي ذلك الطيب العظيم الذي قال في حفل لتكريمه: «إني لا أستحق هذا المديح الذي تكيلون، فالمرضي هم الذين يحددون مواعيدهم، وهم الذين يقصدون إلىّ بأنفسهم، وهم الذين يصفون لي أعراض مرضهم، وهم الذين يدفعون ثمن أدويتهم، ويتعاطونها في مواعيدها».

كان محمد زكي عبد القادر يكتب وقد اتخذ لعموده «نحو النور» عنوانا، فـإذا كان لنا أن نسأل أنفسنا أي نور ذلك الذي كانت مقالاته تسير في سبيله فلن يشذ عن الأغلبية الممحصة عدد كبير لينكر أن نور الحقيقة كان هو رائد هذا الرجل علي مدي عصور من تاريخنا كانت فيها أنوار أخري أجدر بأن تغري، وأجدر أن تبهر، وأجدر أن تقنع، وأجدر بأن يسير وراءها كثيرون، ولكن زكي عبد القادر كان بلا شك من طراز الكتاب الذين يعشقون الخلود، وليس إلي الخلود من سبيل غير السبيل الذي يضيء جنباته نور الحقيقة.

مكانة رفيعة 

قد يقال إن من صعوبات فن العامود الصحفي أن تكون همتك من القوة، وأن يكون كبحك لقلمك ولنفسك من درجة لا يتأتى معها عامود يكمل السابق، ولا عامود ليس فيه إلا التعليق على ما ورد إليك، ولا عامود يكرر فكرة لعمود قبله، ولا عمود يصلح ما فيه لأي يوم من الأيام، فإذا كان كل هذا قد اجتمع بوضوح شديد في عامود هذا الرجل لأكثر من ثلث قرن من الزمان، فساءلوا الزمان إذاً عن تلك المكانة الرفيعة التي يتبوأها قلمه في عصره وفيما بعد عصره.

وبعد.. فهذا رجل كان له من سمو النفس القدر الأكبر، وكان له من كمال الخلق القسط الأعظم، وكان له من نبل الطابع النصيب الأوفر، وقد ظل مع هذا يصقل شخصيته حتى آخر يوم في حياته!

 

من كتاب يرحمهم الله ، الطبعة الأولى ، دار الأطباء ، 1985

 

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدكتور عبد الصبور مرزوق الذي نال الدكتوراه في الخطابة

كان الدكتور عبد الصبور مرزوق صديقا كريما مرموقا مهابا، استمتعت بمعرفته واللقاء ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com