الرئيسية / المكتبة الصحفية / بدر الدين أبو غازي الفنان الذي سعى المجد إليه

بدر الدين أبو غازي الفنان الذي سعى المجد إليه

مكانته في التاريخ

واحد من أبرز الوجوه الثقافية في عهد الثورة، وهو ناقد فني ومؤرخ متميز للحركة التشكيلية في مصر الحديثة والمعاصرة، جمع في تأريخه بين العلم والفهم والذائقة العالية مما لم يتح لغيره، وهو شخص نبيل حضاري النزعة وصاحب فضل على كثير من المؤسسات الثقافية الرسمية والنقابية والأهلية بحسن الرأي والمشورة، وبالقرارات الصائبة.

*

ولد الأستاذ بدر الدين أبو غازي (1920) بالقاهرة، ودرس في مدارسها الابتدائية والثانوية ثم في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول وفيها تخرج (1941)، وعمل بوظائف الحكومة وتخصص في التشريعات المالية، وتدرج في وظائف وزارة المالية حتى عين وكيلا للوزارة في سن مبكرة (1964) وظل يشغل هذا المنصب حتى 1970 حيث اختير وزيرا للثقافة في وزارة الدكتور محمود فوزي الثانية (نوفمبر 1970 ـ مايو 1974)، وسرعان ما ترك الوزارة عند أول تعديل أصابها وهو إعادة تشكيلها عقب أحداث مايو 1971.

وبعد خروجه من الوزارة بفترة عين مستشارا للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم للشئون الثقافية (1973 ـ 1977)، ثم اختير ليشغل منصب الأمين العام المساعد لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية (1977 ـ 1980).

وفي أثناء ذلك انتخب لعضوية مجمع اللغة العربية (1975) خلفا للأستاذ محمود تيمور، كما اختير لعضوية كثير من الهيئات الثقافية، فاختير عضوا بالمجلس الأعلى للثقافة عند تأسيسه، وعضوا بالمجلس القومي للثقافة والآداب والفنون والإعلام، والمجلس الأعلى للآثار، وعضوا في مجلس جامعة حلوان، كما كان رئيس جمعية محبي الفنون الجميلة.

له الفضل في إقامة متحف مختار

نشر بدر الدين أبو غازي مقالات عديدة في الصحف والدوريات المصرية والعربية عن الفن ونقد الفن وتاريخ الفن، وتناول بهذه المقالات كثيراً من أعمال الفنانين المحدثين والمعاصرين وفي مقدمتهم خاله الفنان الكبير محمود مختار.

وإليه يرجع الفضل في إقامة متحف مختار والعناية بجمع أعماله وبجمع ما كتب عنه من مقالات نقدية واحتفالية.

جائزة الدولة التقديرية

وقد نال جائزة الدولة التقديرية في الفنون، ووسام الجمهورية من الطبقة الأولي.

وبالإضافة إلى بحوثه ومقالاته في الصحف والدوريات العربية والأجنبية، فقد أثرى المكتبة العربية بعدد من المؤلفات هي: «مختار.. حياته وفنه»، و«مختار.. ونهضة مصر» باللغة الفرنسية، و«المصور محمود سعيد»، و«جيل من الرواد»، و«الفن في عالمنا»، و«المثال مختار»، و«الفنان رمسيس يونان»، و«الفنان يوسف كامل».

شمعة استهدى كثيرون بنورها

كان بدر الدين أبو غازي رحمه الله مثالا حيا لطبقة النبلاء الذين يكون من حظ معاصريهم أن يجدوا فيهم ما يجدونه في الشموع التي يكون منها النور الهادي في ظلمات الحياة الدنيا، ومع ذلك يبقي نورها إذا ما طلع عليها نور الحياة الآخرة، ولكنه يتحول من نور هاد إلي نور هادئ.

لا أظنني ولا أظن حضراتكم بحاجة إلى أن نعيد قراءة تاريخ حياة الرجل، لنؤكد هذا المعني، ولكننا إذا نظرنا في طريقنا فلمحنا متحف مختار، وتملكنا الشعور بأن في إمكاننا، بل وقد كان بالفعل، أن تكون لنا الذاكرة الحية القوية التي تخلد فيها آثار فنانينا على نحو ما يكون للحضارات الزاهرة من ذاكرة، عندئذ لابد أن نترحم علي بدر الدين أبو غازي.

أعمال خالدة

وبالقدر نفسه وربما أكثر إذا قادتنا خطواتنا نحو نيل الزمالك بعد الجزيرة، وطالعنا ذلك الصرح الذي أقيم ليرمز إلى قيمة لغة القرآن في كياننا الوطني، وإلى التقدير العميق الذي يلقاه مجمع اللغة العربية، ويلقيه في روح هذا البلد في صمت وتكتم.

ولو أننا عبرنا ذلك النيل إلى ضفته الأخرى وأردنا أن نغض الطرف وأصخنا السمع إلى قصة موقف جليل وقفه بدر الدين أبو غازي حين تسلم مقاليد وزارة الثقافة لفترة حرجة من تاريخنا، موقف وقفه من دون أن يتاجر به، حتى بعد أن تاجر به كل الناس إلا صاحبه النبيل الكريم علي نفسه، ولو أنه باعه لكسب به كثيرا، ولكن مكسبه كان أكبر حين تركه في ميزان حسناته وميراث أمته، ولا أعدو الحقيقة حين أقول إننا كأمة كسبنا بهذا موقفا نبيلا يضاف إلي رصيد القدوة الطيبة التي كثيرا ما تجد مَنْ يبحث عنها.

*

إخراج النقابات إلى النور

قد لا يدرك الجمع الغفير منا، بل قد لا يدرون حجم الدور الهائل الذي كان للراحل العظيم حتى قامت نقابات الفنانين التي هيأت لهم على ما أعتقد الصياغة المثلى لمكانتهم التي هم أهل لها في كياننا الوطني في دولة المؤسسات، أما وقد ذهب الرجل فاسمحوا لي أن أحدثكم عن ذلك التفاني الذي كان يبذله ربيع عام ثمانية وسبعين، كان وهو الحكومي المتمرس، والوزير السابق يسابق الزمن لبضع خطوات إنشاء النقابات من أول مرة، ومن دون أن يخطئ الإجراءات أو يتخطاها، ومن دون أن يترك نزعات التباطؤ المعتاد في مثل هذه الأمور، أو مشاغل الحياة تشغل أيا من المهتمين بالأمر من أعضاء اللجان أو الحكوميين، وحتي الوزير نفسه، وكان يومها هو صديقه الأستاذ عبدالمنعم الصاوي، عن إتمام الأمور كاملة، وفي موعدها، وخرجت النقابات إلى النور خروج المولود تام النمو علي أسهل ما تكون الولادة علي يد الطبيب القدير.

قيمة نقدية وفنية

وقد يكون من الصعب على غير أهل الفن أن يدركوا قيمة نقد الرجل، ولكنه ليس بالصعب على واحد من جمهرة المثقفين أن يعبر عن إحساسه بهذه القيمة حين يجد التحليل والتبسيط، ويجد قبل ذلك قدرة الرجل على وضع العمل الفني في مكانه من تاريخ النتاج الوطني المعاصر، ولعل هذه الصفة بالذات هي التي قادت إلي روح العدالة والحياد التي سادت نقده، والتي لم تسود نقده أيضا، فنحن لانزال لا نقدر بشدة إلا الذين يعبدون الأشخاص بشدة، ولكن سيأتي وقت تذهب فيه كل النزعات العابرة، ويبقي لنا تاريخنا الفني نريد أن نكتبه علي نحو ما كان، وساعاتها سوف تحتل كتابات بدر الدين أبو غازي مكان الصدارة في قائمة المراجع.

إسهامه في كتابة التاريخ

وبالقدر نفسه من التقدير سوف ىُنظر إلى إسهامه في كتابة تاريخ حياة وأعلام فننا الوطني الحديث كتابة واعية وافية ضافية علي نحو يتيح لمن يأتي بعدهم وبعدنا أن يري ضوء المشاعر الحقة التي عاصرت نهضة مصر، واسمحوا لي أن أزعم لنفسي شرف الاتفاق مع الراحل الكريم في هذا المجال، وهو اتفاق رأي النور بالفعل، وإني لأرجو الله أن ينمو بيننا هذا الاتجاه الذي يبرز القدوات الوطنية وكفاحها ونجاحها من دون تأليه ولا تهويل ولا تسفيه للمنافسين.

*

لسان عفيف ويد نافعة

سادتي..

كان بدر الدين أبو غازي حلقة في سلسلة من أعلامنا ذوي الطبائع والميول المختلفة جدا، الذين عهدت إليهم حكومات ثورتنا المتعاقبة بأمر وزارة الثقافة، وعلي الرغم من أن عهده بالوزارة كان أقصر هذه العهود جميعا، إلا أنني أستطيع أن أؤكد لكم، بل أظنكم أنتم الذين تستطيعون أن تؤكدوا لي، أن عهده كان أطول العهود بها، فقد كان لأطول الفترات من خير المتعاونين مع الوزارة، ومع وزرائها علي رأسها، ولم يكن ذلك بسبب قربه منهم جميعا، ولكن لأنه كان يؤمن أن هذه هي وظيفته، وإذا أردنا أن نلخص مسيرته مع زملائه الذين تولوا هذه الوزارة في جملة واحدة فإننا نقول: إنه كان له أعف لسان في سيرة كل مَنْ سبقوه، وكانت له أنفع يد في مسيرة كل مَنْ خلفوه.

وهكذا كان من قبل في كل المواقع المختلفة من الوظائف الوطنية أو القومية التي أهلته لها دراسته الاقتصادية، وخبرته الطويلة في إدارة أمور المال والاقتصاد والتشريع المالي.

كان مثالاً لـ “الآباء” العظام النادرين

سادتي..

لا أستطيع أن أعبر لكم عن طبيعة العلاقة الوثيقة التي ربطتني بالراحل العظيم، ولكن بوسعي أن أتجوز فأقول إني كنت أشعر حين أحادثه، أني أحادث والدا كريما عطوفا، يجدر بي أن أنتهز الفرصة، وكنت أفعل، فأستطلع رأيه في كل ما يجول بخاطري من أفكار للمستقبل، وأن أضع أفكاري أمامه كما هي من دون تحوط ولا تخوف ولا استحياء، ولعمري إن هذا لا يتاح إلا لقلة من الأبناء مع ندرة من الآباء الذين يصادقون أبنائهم ويصدقونهم، وأظنه كان رحمه الله خير مثال لهذا النوع من الآباء العظام.

تواضع جم ورضا بقضاء الله

ثم إن الله سبحانه وتعالي ابتلاه من هذه الناحية، حين استرد وديعته يوم كانت هذه الوديعة أينع ما تكون على أبواب الحياة في يوم مولده، ووقف الرجل شامخا صابرا أمام ابتلاء الله، ولقد يروي أصدقاؤه أنه كان خير مَنْ يواسيهم حين يواتيهم البلاء، ويروون أنه كان واسع الصدر، هادئ النفس، دمث الخلق، لين الطابع، وأنه كان قنوعا غنيا رضيا، ومع هذا كله فلقد كان علما، يخفق ويرفرف ويضيء ويظلل ويهدي، ومع هذا فقد كان وثابا وجادا مجدا، لا يخلف موعدا، ولا يعتذر عن مشاركة، ولا يهرب من تبعة.

*

فإذا ما تأملنا حياة هذا الرجل بعد عشر سنوات أو بعد خمسة عقود، فسوف نقدر في الرجل أن المجد سعى إليه في وقته، وقبل وقته أحيانا، فلم يباه به ولا فاخر ولا جاهر، وأن السلطات صارت إلى يديه كثيرا فلم يستغلها ولم يوسعها ولم يستحوذ عليها، وأنه كان بإمكانه أن يصبح مركزا من مراكز القوى في حياتنا المعاصرة، لكنه آثر أن يكون مركز قوة في قلوبنا وعواطفنا وعقولنا، بدلا من حياتنا ودواوينا وشارعنا.. ولا مراء في أنه أصبح مركز قوة عظمي في قلوبنا بالحب الذي لا أظن أن أحدا يستطيع أن ينازع في أنه انتزعه على نار هادئة، وفي عقولنا بالتقدير لكل الآثار التي بذل من أعصابه ووقته وتاريخه وعلاقته، وكل ما في شخصه من قوة، حتي رأت النور، وفي عواطفنا بالمشاعر المتتالية تجاه المواقف المتوالية للرجل في حياته الماضية.

من كتاب يرحمهم الله ، الطبعة الأولى ، دار الأطباء ، 1985

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقييم المستشار العشماوي لتأميم قناة السويس

كان المستشار محمد سعيد العشماوي واحدا من رجال القضاء الذين وصلوا إلى ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com