الرئيسية / المكتبة الصحفية / الفريق عزيز المصري حياة من الجهاد والاجتهاد

الفريق عزيز المصري حياة من الجهاد والاجتهاد

مجموعة من القيم و القدرات

تمثلت في شخصية عزيز المصري (1879 ـ 1965)  قيم نبيلة متعددة كما تمثلت فيه قدرات عسكرية وسياسية وإدارية من طراز رفيع وكانت حياته من بدايتها إلي نهايتها تعبيرا عن الاجتهاد في الجهاد ، بتوظيف القدرات الفائقة من أجل القيم النبيلة، وقد نجح في كثير من مراحل حياته علي حين تحول فشله في المراحل الأخرى إلي وقود لنجاحات أكبر في مرحلة لاحقة من تاريخ أمته.

ويكفي علي سبيل المثال أن نشير إلي أن عزيز المصري كان بمثابة الأب الروحي لضباط  يوليو 1952 في مصر، ولعديد من الحركات التحررية في المنطقة العربية.

كان عسكريا عثمانيا متميزًا

كان عزيز المصري عسكريا متميزًا ناجحًا درس العسكرية في المؤسسة العسكرية العثمانية، وأظهر تفوقا مبكرًا في دراسته العسكرية ثم في أدائه كضابط شاب متميز بفضل الثقافة والوعي وسعة الأفق.

وكان من الذين انتبهوا إلى أن العسكرية وأداءها صورة من صور الأداء الوطني في المقام الأول والأخير، وذلك في مقابل الأغلبية التي كانت تعتبر العسكرية وظيفة روتينية ذات مزايا مادية فحسب.

الجمود الفكري والتعصب الطوراني

لم يتشكل فكر عزيز المصري بمعزل عن الحياة العامة وعن مثاليات الأخلاق، وقد أحس كما أحس بعض زملائه من الضباط العثمانيين في الامبراطورية المسلمة بأن عليهم دورًا في إنقاذ الامبراطورية الإسلامية من حالة الجمود الفكري، والتعصب التركي، والتمسك بأساليب عتيقة في الحكم والحياة السياسية.

ولهذا فإنه شرع في التعاون مع مجموعات مختلفة من زملائه، ومن خلال جمعيات متعاقبة كان من طلائع الثوار علي ما آل إليه حال الدولة العثمانية ، ولم تكن ثورته في إطار السعي للحصول على مقعد الحكم، وإنما كانت متوجهة في الأساس نحو الإصلاح والتطوير، ولو أن عزيز المصري وزملاءه كانوا من الذين يستهدفون الوصول إلي مقاعد الحكم لأمكنهم تحقيق هذا منذ مرحلة مبكرة، ولكن مثالياتهم والتزامهم هيأ لهم أن يتصوروا أن بإمكانهم أن يدفعوا الدولة العثمانية إلى أن تتعافي من المرض السياسي، وأن تتحول إلي نموذج شبيه بالديمقراطيات الغربية التي كانت محيطة بها وبهم.

مشاركته في الانقلاب العثماني

وهكذا فإن عزيز المصري من خلال دراسته في كلية أركان الحرب العثمانية تمكن من أن  يدعم تعاونه الفكري مع مجموعة من الساخطين علي ما آل إليه النظام في عهد السلطان عبدالحميد الثاني وأسهم معهم في تكوين جمعية «الوطن» عام 1906 وهي الجمعية التي تعاونت مع جمعية أخري أكثر شهرة منها هي «جمعية الاتحاد والترقي»  التي رفعت شعار إقامة دولة عثمانية ديمقراطية، ووضع دستور يكفل المساواة لجميع المواطنين العثمانيين،

وقد تمكن هؤلاء من القيام بالانقلاب التركي الأول في العصر الحديث في العاشر من يوليو 1908 ونجحوا في إعلان نجاحهم في إجبار السلطان عبد الحميد الثاني علي إعلان العودة إلي دستور 1876.

مشاركته في عزل السلطان عبد الحميد الثاني

ثم  كان عزيز المصري أحد القادة البارزين الذين استطاعوا في إبريل 1909 أن يقمعوا الثورة المقاومة التي قامت على حكمـهم ، وأعلنوا في ذلك الوقت عزل السلطان عبد الحميد الثاني ، وإرساله إلي المنفي وتولية السلطان محمد رشاد الخامس مكانه.

اكتشاف الحقيقة واللجوء الى العمل السري 

بعد قليل وجد عزيز المصري وزملاؤه من الضباط العرب أن الاتجاه العنصري قد أخذ يتحكم في زملائهم الأتراك الطورانيين الذين شاركوهم في تحقيق الثورة، ووجدوا أن جماعة الاتحاد والترقي لا تريد أن تتخلي عن النزعة القومية المعادية للعرب على الرغم من صعود دعوة العروبة ونزعات القومية العربية في مجالات الفكر و الأدب، وازدهار مراكز الثقافة العربية في مطلع القرن العشرين في القاهرة ودمشق وبغداد والقدس وغيرها من عواصم الولايات العثمانية، علي حد التعبير المتداول في ذلك الحين.

العمل السري مرة أخرى

و هكذا وجد عزيز المصري نفسه مرة أخري يقود مجموعة سرية عربية أخري تنسحب من الاتحاد والترقي لتعمل علي تحقيق ما كانت تظنه بمثابة أهداف الأمة العربية التي لم تكن في ذلك الوقت إلا مجموعة من الشعوب «المنُظمة» في ولايات عثمانية.

الصلح بين الإمام يحيي وبين الدولة العثمانية

 وبحس السياسي الفطري الذكي فإن عزيز المصري قبل التكليف العثماني بالتصدي لثورة الإمام يحيي في اليمن، وتمكن بذكاء من أن يعقد الصلح بين الإمام يحيي وبين الدولة العثمانية في 1911، منطلقا من حرصه علي تقوية العناصر العربية في أطراف الدولة العثمانية، وعدم تبديد قدراتها ومواردها في مثل هذه الصراعات التي لا يفيد منها أحد.

توظيف قدراته العسكرية من أجل الفكرة العربية

وتكررت تصرفات عزيز المصري التي يمكن النظر غليها على انها تعبر عن نجاحه في توظيف قدراته العسكرية من أجل الفكرة العربية حين شارك في الحرب التركية الإيطالية، وأذاق الإيطاليين صورًا مضنية ومضيئة من بسالة المقاومة الناجحة، وتمكن ، حسب طرحه هو ، من توظيف المقاومة الشعبية الليبية والسنوسية في قوات شبه نظامية نجحت مع القوات العسكرية العثمانية في التصدي للقوة العسكرية الإيطالية الجبارة، وهو ما أدي إلي الحفاظ للمقاومة الليبية علي زخم الندية في معركة غير متكافئة حتي مع انتهاء الحرب بعقد الحكومة العثمانية اتفاقية صلح مع الإيطاليين في سويسرا (1912).

تورطه في النزاعات مع السنوسيين

وعلي الرغم من اختلاف الروايات والرؤي حول طبيعة موقف عزيز المصري من المقاومة الشعبية الليبية متمثلة في قوات شيوخ القبائل بقيادة عمر المختار وقوات السنوسيين، فان عزيز المصري ترك بصمات واضحة في نجاحات المقاومة حتي مع التزامه العسكري بأمر قيادته العسكرية في الدولة العثمانية، ورفضه تسليم الأسلحة العثمانية للسنوسيين، وهو ما أدي في النهاية وبحكم طبائع الأشياء، إلي وقوع معركة بينه وبين السنوسيين عاد بعدها إلي الإسكندرية ثم الآستانة في 1916.

وهنا ينبغي لنا أن نتأمل بعمق في مخاطر المعارك الجانبية التي تفرض نفسها على ذوي الهدف الواحد نتيجة سوء الفهم، أو قلة المعلومات، أو ردود الأفعال السريعة الناشئة من طبيعة النزعات الثورية المتأججة.

ومع أن عزيز المصري لم يكن بريئا تماما من مثل هذه النزعات القصيرة النظر والنزاعات الناشئة عنها، فإننا نستطيع أن نتفهم موقفه الحرج و الحساس، وهو الذي كان متهما من الطرفين علي حد سواء: فالعثمانيون لا يتجاهلون نزعته العربية الواضحة، والسنوسيون (كعرب محليين) لا يستطيعون تصور ضرورة التزامهم بالكيان الأكبر من أجل تحقيق الهدف القومي علي مدي ليس بالبعيد.

مشاركته مع الشريف حسين في الثورة العربية

وتأتي المرحلة الثالثة من جهاد عزيز المصري متمثلة في اشتراكه الفعال فيما سمي بالثورة العربية التي قادها الشريف حسين، شريف مكة، مع نهاية الحرب العالمية الأولي وقد كان عزيز المصري سندًا قويا لهذه الثورة، وقد شارك فيها من موقع قوة سياسية وعسكرية بارزة الملامح  حيث كان زعيما لجمعية العهد التي أسستها مجموعة من الضباط العرب المقاومين للتمييز التركي ضدهم، ويكفي لتصوير هذا التميز والإحساس العميق به وبضرورة مقاومته أن نذكر أنه في أكتوبر 1913 كان 315 ضابطا من مجموع 490 ضابطا عربيا في الجيش العثماني قد انضموا إلي عزيز المصري وجمعيته.

وهكذا ألقي القبض علي عزيز المصري في إبريل 1914 ووجه إليه الاتهام بأنه يناقض مصلحة الدولة العثمانية ببثه للفكرة العربية بين الأهالي، ونصت الاتهامات صراحة علي أنه يسعي إلي إقامة دولة عربية يكون بمثابة الرجل الأول فيها.

وزيرًا للحربية ورئيسا لأركان حرب الجيش العربي

وبهذه الخبرة الضخمة تحالف عزيز المصري مع الشريف حسين وخاض معه حركته التي انتهت بإعلان الشريف حسين ملكًا في 29 نوفمبر 1916 وتشكيله حكومة عربية كان عزيز المصري فيها وزيرًا للحربية ورئيسا لأركان حرب الجيش العربي..

 عودته لمصر و اعتزاله منذ ١٩١٧

ومرة أخري عاني عزيز المصري من الوشايات التي كان من السهل عليها أن تستغل طبيعة وملامح شخصيته الجبارة في تصويره علي نحو ساع للتمرد، ذلك أن إمكانات عزيز المصري كانت تؤهله لأن يكون رجل الدولة الأول لا مجرد وزير دفاع ورئيس أركان.. وهكذا وجد عزيز المصري أن من الأفضل له أن يعود إلي مسقط رأسه في القاهرة في مارس 1917 حيث بقي طيلة عشرين عامًا بعيدًا عن العمل العسكري والسياسي المباشر، وإن لم يبتعد عما هو أهم من هذا، وهو تربية أجيال عظيمة تشربت منه الوطنية والثورة والعمل العام.

فضل معاهدة ١٩٣٦

وفي 1937 يتاح لمصر بفضل معاهدة 1936 أن تبدأ في تنظيم قواتها المسلحة فتلتفت إلي هذا العسكري البارز الذي كان قد اكتفي بمنصب مدير كلية البوليس والذي عهد إليه الملك فؤاد بالتربية العسكرية لابنه الملك فاروق..

رئيس أركان حرب الجيش المصري

ويتقلد عزيز المصري منصب رئيس أركان حرب الجيش المصري، وينال رتبة الفريق بعد ما نال رتبتي اللواء والباشوية ، ويمارس عزيز المصري مرة أخري دور الأستاذية والأبوية للدفعات التي قامت بحركة 1952.

القلق البريطاني من وجوده المتقدم

لم يكن من السهل علي بريطانيا مع قيام الحرب العالمية الثانية أن تطمئن إلي وجود شخصية من وزن عزيز المصري في موقع متقدم من الجيش المصري، وكان هذا هو التفكير الإنجليزي المنطقي، وإن لم يكن هذا التفكير يتلاقى بالطبع مع مصلحة مصر، وهكذا ترك عزيز المصري قيادة الجيش في 1940.

قصة هروبه الشهيرة

سرعان ما تأكدت الشكوك البريطانية في مايو 1941 حين حاول عزيز المصري وهو فريق متقاعد ورئيس سابق لأركان الحرب الجيش المصري أن يهرب بطائرة حربية مع حسين ذو الفقار صبري وعبد المنعم عبد الرؤوف ليبدأوا أو ليتموا تعاونا وثيقًا مع القوات الألمانية، ولكن العجلة في الهرب دفعت إلي خطأ فني قاد إلي سقوط الطائرة في قليوب حيث اختفى عزيز المصري.

النحاس باشا يفرج عنه

وظل عزيز المصري هاربا متخفيا في بيت بإمبابة حتي قبض عليه في 4 يونيو 1941، حيث أودع المعتقل وظل فيه حتي أَفرج عنه النحاس باشا في مارس 1942 في بداية عهد وزارته التي أعقبت حادث 4 فبراير، ولكن عزيز المصري عاد إلي بث الثورة مما دفع قوات التحالف إلي أن تطلب اعتقاله مرة أخري.

حرب فلسطين  بمثابة المعركة قبل الأخيرة

ثم كانت حرب فلسطين 1948 بمثابة المعركة قبل الأخيرة التي حظيت بنشاط عزيز المصري وتشجيعه وتخطيطه، حيث بذل جهدا بارزا في تنظيم كتائب المتطوعين في هذه الحرب، وكان معظم هؤلاء المتطوعين من تلاميذه المقربين الذين اختارهم بنفسه، وشجعهم علي الاستقالة من القوات المسلحة النظامية والانضمام إلي قوات المتطوعين المصريين التي كان لها الفضل في الحفاظ علي جزء كبير من أرض فلسطين، والحيلولة دون التهام إسرائيل لأكثر مما التهمته بالفعل.

معارك الفدائيين ١٩٥١ الحرب الأخيرة التي أسهم فيها

أما الحرب الأخيرة التي أسهم فيها عزيز المصري فكانت معارك الفدائيين المصريين في القناة عام 1951، وقد بذل عزيز المصري جهدًا جبارًا في تنظيم الكتائب المصرية في هذه المقاومة، وكالعهد به في مغامراته المحسوبة الذكية فقد استغل علاقته بمحافظ القاهرة في ذلك الوقت فؤاد شيرين باشا واختفي في منزله، وهو المكان الذي لم يكن يدور بخلد السلطات أن تبحث عنه فيه.

سفيرا لمصر في موسكو

وقامت حركة 1952 ورأي رجالها أنه لابد من الجمع بين تكريمه وتحييده علي نحو يحفظ لهم حقوقهم المادية، ويحفظ له حقوقه المعنوية، وهكذا اختير له منصبه سفيرا لمصر في موسكو علي أن يرافقه في هذا المنصب رجل يحظى بثقة الثوار الجدد.. وكان هذا الرجل هو الدكتور محمد مراد غالب، الذي أزال بما نشره في مذكراته، مؤخرا، الغموض والالتباس حول طبيعة دوره وعلاقته بعزيز المصري.

مقارنة مسيرة حياته بحياة النحاس باشا 

ليس من العجيب أن هذا الرجل ولد في العام الذي ولد فيه النحاس باشا (1879) ومات في العام نفسه الذي مات فيه النحاس باشا (1965)، وقد مثلت حياة الرجلين الزعيمين المثل الأعلى لمسارين وطنيين بارزين في الحياة القومية والوطنية، وهما مساران تكاملا ولم يتعارضا، وإن لم يلتقيا أيضا، وقد ظلا يتكاملان حتى وصلت مصر بفضل الممارسات الذكية العاقلة إلي استقلالها الذي اكتمل لأول مرة حين رفع العلم المصري علي طابا بعد معارك مشرفة علي جميع المستويات.

هذا الفصل

نشر هذا الفصل  من كتاب ” سلطة النبوغ الخصيب ” : دار الروضة ، 2019 و نشر قبل هذا كمقال  في  مجلة روز اليوسف في سلسلة عظماء المصريين.

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدكتور عبد الصبور مرزوق الذي نال الدكتوراه في الخطابة

كان الدكتور عبد الصبور مرزوق صديقا كريما مرموقا مهابا، استمتعت بمعرفته واللقاء ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com