الرئيسية / المكتبة الصحفية / أعظم مرافعة في القرن العشرين مرافعة النحاس باشا عن ماهر والنقراشي في قضية الاغتيالات الكبرى (1 من6)

أعظم مرافعة في القرن العشرين مرافعة النحاس باشا عن ماهر والنقراشي في قضية الاغتيالات الكبرى (1 من6)

كانت أكبر محنة في حياة الزعيمين أحمد ماهر و النقراشي هي اتهامهما في قضية فصلت خصيصا لهما بعد وصولهما لمقاعد البرلمان والسلطة التنفيذية وهي القضية المعروفة باسم قضية الاغتيالات السياسية . ولهذه القضية قصة تدل على مدى التآمر على الحركة الوطنية بكل ما هو ممكن من الافتئات والالتفاف .

فقد كان من أثر حادث مقتل  سير لي ستاك ونتيجة للتحقيق الذي قامت به النيابة العامة بالاشتراك مع البوليس السياسي، أن وجهت النيابة بناء على أوامر البريطانيين التهمة بتدبير حوادث الاغتيالات السياسية والاشتراك فيها إلى مجموعة من رموز الحركة الوطنية في مصر منهم : العمال محمد فهمي علي و محمود عثمان مصطفى والحاج أحمد جاد الله ومعهم أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي و حسن كامل الشيشيني وعبد الحليم البيلي. وذلك رغم انقضاء هذه الاتهامات وقضاياها بما صدر عنها من  عفو في أثناء وزارة سعد زغلول باشا ، لكن رقبة سعد زغلول نفسه و كل معاونيه كانت قد ظلت مطلوبة .

حصر قرار الاتهام هذه الحوادث على النحو التالي :

  • حادث مقتل الكابتن صموئيل كوهين بالجيش البريطاني في 22 نوفمبر 1919.
  • حادث الشروع في قتل الضابطين درنك واترجسون في ١2 ديسمبر 1919.
  • حادث الشروع في قتل صاحب العطوفة يوسف وهبة باشا في 15 ديسمبر 1919
  • حادث الشروع في قتل دولة معالي إسماعيل باشا في 28 يناير 1920
  • حادث الشروع في قتل معالي محمد شفيق باشا في 22 مارس 1920.
  • حادث قتل هيدان الضابط البريطاني وإصابة زميله مينت في 6 مايو 1920
  • حادث الشروع في قتل معالي حسين درويش باشا في 28 مايو 1920.
  • حادث الشروع في قتل معالي محمد توفيق نسيم باشا في 12 مايو 1920.
  • قتل العسكري البريطاني بروكول ومحاولة قتل زميله العسكري سورتمتش في 30 ديسمبر 1921.
  • حادث مقتل المستر أرنست هاتن الموظف بمصلحة السكك الحديدية في 30 ديسمبر 1921.
  • حادث الشروع في قتل دولة عبد الخالق ثروت باشا وحضرة اليوزباشي سليم زكي أفندي في 23 يناير 1922.
  • حادث مقل الصول الهندي ستيل في 15 يناير 1923.
  • حادث الشروع في قتل العسكري البريطاني كونو في 13 فبراير 1922.
  • حادث الشروع في قتل المستر هو بنكفس في 15 فبراير 1922.
  • حادث مقتل المستر الفريد براون الموظف بوزارة المعارف وخادمه عبد الدايم إبراهيم في 18 فبراير1922.
  • حادث الشروع في قتل المستر إدموندبيش الموظف بالسكة الحديد في 8 مارس 1922؟
  • حادث الشروع في قتل المستر ماكنتوش الموظف بمصلحة السكة الحديدي في 11 مارس 1922.
  • محاولة قتل العسكريين البريطانيين بيكر وتونسند في 19 أبريل 1922.
  • حادث قتل البكباشي كيف في 24 مايو 1922.
  • حادث الشروع في قتل الكولونيل بيجوت في 25 يوليو 1922.
  • حادث قتل علي مسعد عوض بحديقة الأورمان بالجيزة في 12أغسطس 1922.
  • حادث قتل حسن عبد الرازق باشا وحسين بك زهدي في 6 نوفمبر 1922.
  • حادث قتل المستر روبسون في 27 ديسمبر 1922.
  • حادث مقتل المستر خريستو باتر يدس في سنة 1923.
  • وأخيرا حادث مقتل السير لي ستاك سردار الجيش المصري والحاكم العمومي للسودان في 19 نوفمبر 1924.

مسار قضية الاغتيالات السياسية

قدم المتهمون  في هذه القضية ومنهم النقراشي واحمد ماهر ، إلى قاضي الإحالة في 31 يناير 1926 بعد أن استطاع البوليس السري الحصول على شهادات الزور .

قرر قاضي الإحالة إحالتهم إلى محكمة الجنايات ونظرت القضية برياسة المستشار الإنجليزي مستر كرشو وعضوية كامل إبراهيم وعلي بك عزت. ومثل الاتهام مصطفى حنفي بك .

تولى الدفاع مصطفى باشا النحاس ومكرم عبيد ونجيب الغرابلي ومرقص حنا عن المتهمين أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي  ، وتولى الأساتذة أحمد لطفي السيد ووهيب دوس و زهير صبري و إبراهيم رياض الدفاع عن باقي المتهمين .

وبعد سماع المرافعات والاطلاع على أوراق القضية (المحشوة بالاعترافات غير المحيطة) والمداولة قضت المحكمة بإعدام محمد فهمي علي شنقا وبراءة باقي المتهمين.

أورد الأستاذ محمود كامل العروسي  كثيرا من تفصيلات هذه المحاكمة في كتابه القيم : أشهر قضايا الاغتيالات السياسية ١٩٠٦-١٩٨٢ وسنجتزئ من هذه التفصيلات بمرافعة النيابة العامة و بأجزاء من دفاع مصطفى النحاس باشا

مرافعة النيابة العامة : مصطفى حنفي رئيس نيابة الاستئناف

” في هذه القاعة ومن خمس عشرة سنة مضت وقف حضرة صاحب الدولة عبد الخالق ثروت باشا النائب العمومي لذلك العهد وأحد المجني عليهم في قضية اليوم ليترافع في أول اعتداء سياسي حدث في هذه البلاد يوم أن أطلق الورداني رصاصاته على صدر بطرس غالي باشا فقال يصف الإجرام السياسي: إن الورداني قد عمد إلى خرق حرية القوانين السماوية والبشرية عمد إلى قتل النفس التي حرم الله قتلها عمد إلى إزهاق روح بريئة من غير ذنب عمد إلى حرمان عيلة من معيلها وأمة من رجلها وحكومة من رئيسها عمد وأطاع هواه وأطلق رصاصته فماذا جرى كم أساء الورداني بجنياته إلى هذا البلد الأمين الأسيف فماذا جنت عليه مصر؟ ولماذا هو يضرها كل هذا الضرر؟

” ….  إن الوطنية التي يدعي المتهم الدفاع عنها بهذا السلاح المسموم لبراء من مثل هذا المنكر إن الوطنية لا تحل في قلب ملأته مبادئ تستحل اغتيال النفس إن مثل هذه المبادئ مقوضة لكل اجتماع (يقصد المجتمع بمعناه) ماذا يكون حالة أمة إذا كانت حياة أولى الأمر فيها رهينة حكم متهوس يبيت ليلة، يضطرب نومه وتكثر هواجسه فيصبح صباحه ويحمل سلاحه يغشاهم في دار أعمالهم فيسقيهم كأس المنون.

” بمثل هذه الكلمات البليغة والنصائح الغالية التي صدرت عن رجل خبر الدهر وعرك الأيام خاطب النائب قضاته وهي كلمات إن حقت في أول اعتداء سياسي فهي أحق اليوم بعد أن قضت مصر خمس عشرة سنة تئن من هذا الداء الوبيل وبعد أن تعدد ذلك النوع من الاعتداء حتى أقلق الذين يهمهم أمر هذه البلاد.

“ومع أن المحكمة أجابت نداء النائب العام فقضت بإعدام المتهم فإن هذا العلاج لم يستأصل الداء تماما، فإن كان الورداني قد أعدم فقد بقي شفيق منصور ومن على شاكلته أحرارا طليقين يقتفون أثره، ويعملون عمله وينشرون مبادئه إلى أن انتهى بحادثة السردار تلك الحادثة الأليمة التي فجعت لها الأمة والتي أطلقها المتهمون على السردار إنها هي رصاصات صوبت إلى صدر مصر.

” نحن أمام سبعة من المتهمين الأشرار وهم: محمد فهمي علي ومحمود عثمان مصطفى وأحمد جاد الله وأحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي وحسن كامل الشيشيني وعبد الحليم البيلي كونوا جمعية لارتكاب الاغتيالات السياسية ابتدأت بالشروع في قتل دولة يوسف وهبة باشا في 15 ديسمبر 1919 ثم الشروع في قتل معالي إسماعيل سري باشا في 28 يناير 1920 ومعالي محمد شفيق باشا ومعالي حسين درويش باشا ودولة محمد توفيق نسيم باشا ودولة عبد الخالق ثروت باشا وقتل المستر الفريدي بروان وقتل البكباشي كيف والشروع في قتل الكولونيل بيجوت وقتل حسن باشا عبد الرازق وحسين بك زهدي في 6 نوفمبر 1922 وأخيرا الحادث الأليم حادث مقتل السيرلي ستاك في 19 فبراير 1924.

رئيس النيابة يعبر عما يسميه رأيه الوطني

” هذه هي وقائع الدعوى وهذا هو تاريخ الإجرام السياسي لجمعية الاغتيالات في مصر.

” وبعد …. فالآن انتهى واجب مهنتي وبقي واجب الوطن وإن كانت هذه المهنة قد منعتني في الماضي من أن أدلي برأي في هذه المسألة التي أقلقت البال أعواما طوالا فإن هذه المهنة نفسها هي التي أوقفتني اليوم في هذا الموقف فأتاحت لي فرصة قلما تسنح مرة أخرى فمن الواجب ألا أتركها تمر دون أن أقول كلمة في سبيل بلادي وقد لا أكون في هذه الكلمة إلا معبرا عن رايي الخاص دون أن أمثل أحدا.

لقد ظل الإجرام السياسي في مصر عهدا طويلا بدأ بمقتل المرحوم بطرس غالي باشا وانتهى بمقتل المأسوف عليه السردار وبين الفقيدين ضحايا أخرون سقطوا في ميدان الشهوات السياسية.

” لقد بدأ التحقيق دولة عبد الخالق ثروت باشا وانتهى به سعادة محمد طاهر نور باشا وبين النائبين العموميين نواب عموميون آخرون من ذوي العقول الراجحة والأفكار الثاقبة وقد وضعوا نصب أعينهم مصلحة بلادهم فعملوا على إبرائها من هذا الداء الوبيل فبحثوا ودققوا وبذلوا جهودا كبيرة في هذا السبيل فإن كانت المجهودات التي ظلت زمنا طويلا لم تنتج إلا اتهام عشرات من الأشخاص فمن العدل أن نقرر هنا أن هؤلاء المتهمين أٌقلية ضئيلة بل أقلية تافهة لا تعبر إلا عن رأيها فعليهم وحدهم أن يحملوا مسئولية أعمالهم وعليهم وحدهم أن يحملوا تبعتها.

” إذا كانت هذه التحقيقات أيضا لم تثبت وجود أية صلة بين هذه الفئة القليلة وبين أية هيئة سياسية فمن الإنصاف أن نقرر هنا أن مجموع الأمة برئ من هذا الإجرام.

” قد يكون من حسن حظنا جميعا أن يعرض الأمر برمته على هذه المحكمة،  و هي أكبر هيئة قضائية مختصة في هذه البلاد لتقول كلمتها وقد تكون الكلمة التي تصدر منها هي أقرب الكلمات إلى صدور الأمم المتمدينة.

لقد رأيتم بأعينكم وسمعتم بآذانكم كيف كانت الأمة تتفجع عند وقوع كل حادث وكيف كان ينبري الزعماء إلى هذه الأعمال وبيان ما يحيق البلاد من جرائها فصم المتهمون آذانهم عن سماع أنين مصر ونصائح الزعماء فكلمة منكم يا حضرات القضاة قد تخفف آلاما تحملتها الأمة بصير وتقضي على أراجيف أذيعت عن هذه البلاد بغير حق.

ستحكمون بإدانة المتهمين أو ببراءتهم حسبما تستريح إليه ضمائركم الطاهرة ولكنكم ستقضون حتما بأن مصر بريئة من الإجرام والمجرمين وستظل سائرة في طريقها المشروع نحو غايتها المنشودة رافعة راية السلم حتى تتبوأ بين الأمم مركزا يليق بتاريخها الخالد المجيد.

مرافعة النحاس باشا عن أحمد ماهر و النقراشي

سجلت أدبياتنا التاريخية وفي مقدمتها كتاب الأستاذ العروسي عن الاغتيالات السياسية مرافعة النحاس باشا على نحو ما قدمها في نقاط متتالية مرقمة من ١ وحتى ٤٩ :  

 (1) وقعت حادثة المأسوف عليه السير لي ستاك باشا المشؤومة في وقت كانت فيه الأمة في عز سلطانها متمتعة بحقوقها الدستورية ملتفة حول حكومتها النيابية التي جاءت وليدة إرادتها فأخلصت لها في العمل داخلا وخارجا بكل ما من شأنه المحافظة على الدستور وتركيز قواعده في البلاد وصيانة سلطة الأمة المقررة فيه واحترام حقوقها المقدسة.

(2) ولقد كان من الطبيعي أن يفهم بالبداهة أن الرؤوس التي فكرت في هذا الجرم الشنيع لم تكن رءوس الذين يرغبون في بقاء السلطان للأمة بل رؤوس الذين يتمنون زواله وهذا ما قرره حضرة صاحب الدولة سعد باشا زغلول رئيس حكومة الشعب عندما بلغه الخبر إذ قال وهو مملوء غما وحزنا، إن هذا الجرم لم يكن موجها ضد الإنجليز بل ضدي.

(3) ولكن الأمر الطبيعي لم يكن ليقف في وجههم والمنطق لم يكن يتفق مع أغراضهم ونقضوا الدستور من أساسه وقضوا على الحكم النيابي ، فقد جمعت المصلحة بين الناقمين على حكم السعديين [يقصد النحاس باشا بهذا اللفظ في ذلك الوقت أنصار سعد زغلول باشا الذين عرفوا بعد بذلك بمصطلح الوفديين الذي لم يكن قد استقر حتى ذلك الحين للدلالة على تيار الأغلبية الوطنية الذي تزعمه سعد زغلول باشا] من الإنجليز ومن المصريين فنفذوا أغراضهم … واستبدوا بأمور البلاد ووجهوا جهودهم نحو إثبات الجرم على السعديين انتقاما منهم وتلويثا لسمعتهم ولذلك قبضوا في بادئ الأمر على بعض من رجالهم ومن بينهم الأستاذ محمود فهمي النقراشي الذي كان وكيلا لوزارة الداخلية في عهد الوزارة السعدية.

اضطهاد ماهر والنقراشي في السجن الانفرادي ثمانية أشهر

 (4) غير أن اضطهاد السعديين لم يقف عند هذا الحد فقد كانت العوامل الخفية توالي سعيها لاتهام الأبرياء منهم حتى أمكن التأثير على شفيق منصور ليتهم الدكتور أحمد ماهر الذي كان وزيرا للمعارف في الوزارة السعدية والأستاذ النقراشي الذي سبق الإفراج عنه فقبض عليهما في 21 مايو 1925 بناء على أقوال شفيق منصور الذي كان مقدما لمحكمة الجنايات مع المتهمين في قضية السردار.

 (5) بالرغم من ظهور براءتها من الاشتراك في حادثة السردار وعدم اتهامها فيها لبثا في السجن الانفرادي ثمانية أشهر من غير أن توجه إليهما تهمة محددة وبدون أن يعلما شيئا عن التحقيقات التي كان تجرى سرا وفي غير مواجهتهما ولم يسمح لهما ولا للمحامين عنهما بالاطلاع على شيء منها حتى فوجئنا بتقرير الاتهام الذي أعلن إليهما في 7 يناير 1926 وهو يقضي باتهامهما مع اثنين آخرين بالاشتراك مع الفاعلين الأصليين في أحدى عشرة تهمة سابقة مبينة ،  ارتكبت في تواريخ مختلفة من سنوات 1919و 1920و 1922.

لماذا لجأ النائب العمومي إلى التمييز ؟

(6) عجبنا لهذا التصرف وازداد عجبنا عندما أطلعنا في الأوراق على قرار أصدره سعادة النائب العمومي في اليوم ذاته قرر فيه صرف النظر عن اتهام تسعة أشخاص آخرين اتهمهم أيضا شفيق منصور بالاشتراك في بعض هذه الحوادث ، وعلل سعادته عدم السير في الإجراءات الجنائية ضدهم بكون المحكوم عليهم في تلك الحوادث أفرج عنهم فعلا في سنة 1924ضمن المجرمين السياسيين ولأنهم انقطعوا عن الاستمرار في الاشتراك مع باقي أفراد الجمعية في حوادث الاعتداء الأخرى وكان واجب المساواة يقضي بان يصرف سعادة النائب العمومي النظر أيضا عن اتهام جميع المتهمين في هذه القضية بالاشتراك فيها لأنه إن كان راي بحق أن العفو عمن حكم عليهم في هذه الحوادث لا يتفق معه محاكمة شركائهم من جديد فيها، فإنه لا حق له في التفريق بين من نسب إليهم الاشتراك فيها وبين بعضهم إذ إن كل تفريق في ذلك يكون تمييزا بلا مميز وقوله إن الاستمرار في الاشتراك مع باقي أفراد الجمعية في ارتكاب الحوادث هو المبرر قول تحكمي لا يرتكز على أي أساس من القانون ولا من العدالة.

على أن هذا الاستمرار معدوم إذ إن جميع هذه الحوادث انتهت في 22 نوفمبر 1922 أي قبل بدء عهد البرلمان الأول الذي جعل حدا لانقطاع بعضهم عن العمل فيها وأول عهد البرلمان الأول هو أواخر سنة 1923 والحوادث كلها المنسوب إلى جميع المتهمين في هذه القضية الاشتراك فيها سابقة على تاريخ العفو الذي صدر في سنة 1924 عن المجرمين السياسيين بناء على اتفاق بين رئيسي الحكومتين المصرية والإنجليزية في ذلك الوقت.

وقد تنفذ العفو فعلا على المحكوم عليهم فيها ونفذته النيابة في حق بعض الأشخاص بقرارها المذكور فإن كان لهذا العفو تأثير على الاتهام في نظر النيابة فما الداعي لجعله مقصورا على بعض الأشخاص دون البعض الآخر؟

شمول العفو الجرائم التي لم يظهر فيها متهمون

ثم دارت المناقشة التالية :

حضرة القاضي:  حوادث الاعتداء بعضها ظهر فيه الفاعلون وبعضها الآخر لم يظهر فيه فاعلون والعفو لا يرجع إلا للقضايا التي تبين فيها متهمون.

النحاس باشا:  يشمل العفو من باب أولى الحوادث التي لم يظهر فيها فاعلون لأن الاتفاق الذي صدر بين رئيسي الحكومتين بالعفو وكان لسعد باشا الفخر في الوصول إليه إنما قصد به توطيد صلات المودة بين الأمتين وأساسه دفن تلك الجرائم الماضية وعدم العودة إليها بأي حال وقد نفذ هذا العفو فعلا في المحكوم عليهم واستردوا جميع حقوقهم السياسية والوطنية وغيرها و منهم من توظف في الحكومة، ومنهم من انتخب نائبا في مجلس النواب فتعقب غيرهم بعد ذلك سواء بخصوص الجرائم التي أعفى عن المحكوم عليهم فيها أو بخصوص الجرائم التي لم يظهر فيها فاعلون فيه إحياء لذكرى ذلك الماضي الذي أسدل الستار عليه وهذا لا يتفق مع الغرض الذي قصده رئيسا الحكومتين عند الاتفاق على هذا العفو الفعلي. على أن الجرائم المنسوب لمتهمي اليوم الاشتراك فيها ظهر فيها الفاعلون وحكم عليهم ثم أفرج عنهم ، و وقد صرف سعادة النائب العمومي النظر عن اتهام بعض الأشخاص فيها فلماذا يتعقب الآخرين؟ إننا لا نفهم لذلك حكمة إلا إذا كان المقصود أن يتعقب ماهر والنقراشي فيتهما فيها بالباطل ليأكل الذئب الحمل على أي حال.

 فرحنا بإخراجنا من ظلمات التحقيق السري إلى نور القضاء العلني

(7) نقول ذلك إظهار مبلغ تصرف النيابة معنا في هذه القضية لا هروبا من الموضوع فإننا لم نجزع لهذا الاتهام بل تلقيناه بالبشر والسرور لأنه أخرجنا من الظلمات إلى النور بإخراجنا من ظلمات التحقيق السري إلى نور القضاء العلني،  وها نحن أولاء نتنفس الصعداء أمامكم ونعرض على حضراتكم ما جمعوه ضدنا في هذا الزمن الطويل من غير أن يسمحوا لنا بالاطلاع عليه حتى نفنده في حينه لتروا مبلغ قسوتهم معنا ومدى تحكمهم فينا ولنظهر للملأ أن ما أرادوه بنا وما أذاعوه حول أسمنا كان ظلما مقصودا واضطهادا بينا.

(8) خذوا تقرير الاتهام وقائمة الشهود ثم انظروا نظرة عامة إلى الأدلة المقدمة في هذه القائمة ضد ماهر والنقراشي تجدوها تنحصر فيما يأتي:

  • أولا: أقوال شفيق منصور في التقرير المقدم منه للنيابة العمومية وفي التحقيقات.
  • وثانيا: شهادة محمد نجيب الهلباوي.
  • وثالثها: شهادة علي حنفي ناجي.
  • ورابعا : شهادة توحيد طاهر.

ويضاف إلى ذلك بالنسبة لماهر وحده دون النقراشي شهادة يعقوب صبري أفندي فهل هذه الأدلة بقطع النظر عما تضمنته الأوراق والتحقيقات مما ينقضها في مجموعها وفي كل جزئية من جزئياتها كما سنبينه فيما بعد تنهض أدلة على الاتهام وتصلح لأن تعتبر دلائل كافية لإحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات في الإحدى عشرة تهمة المعينة في تقرير الاتهام؟ كلا ثم كلا.

طعن النحاس باشا في شهادة شفيق منصور

فأولا : أقوال شفيق منصور لا قيمة لها في الاتهام قانونا ولا يمكن الأخذ بها ولذلك ذكرها سعادة النائب العمومي في قائمة الشهود تحت عنوان ملاحظات مع أنها هي أساس الاتهام وهي دون سواها التي جاء فيها ذكر تفصيل الحوادث المنسوب إلي ماهر والنقراشي الاشتراك فيها فالتقرير المقدم من شفيق منصور والذي ذكرت يه لأول مرة هذه الحوادث بتاريخ 18 يونيو  1925 فهو صادر منه بعد الحكم عليه بالإعدام وفي وقت كان لا يزال فيه تحت تأثير الحصول على أمر كريم بإبدال عقوبة الإعدام بغيرها وكان لا يرى ضيرا عليه أن يكيل الاتهام للأبرياء جزافا ما دام يعتقد أن في ذلك منجاة لرقبته من حبل المشنقة.

من كتاب “المقامر والمغامر والمكابر” الطبعة الأولى – دار الروضة للطباعة والنشر والتوزيع – 1441 ھ – 2020 م

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

قصة أفضل معماري أصيل في عصرنا

المهندس حسن فتحي (1899ـ1989) هو أبرز المعماريين القدامى في الشرق الأوسط خلال ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com