الرئيسية / المكتبة الصحفية / حسن الباشا عميد الآثار الاسلامية

حسن الباشا عميد الآثار الاسلامية

بوفاة الدكتور حسن الباشا فقد المجتمع العلمي المصري رمزًا من رموز العطاء السامي والراقي والمتصل الصامت. فقد كان رحمه الله نموذجًا للعالم العامل في صمت ودأب، وقد تميز عن كل معاصريه من أساتذة الآثار بفهم عميق لتاريخ الحضارة من خلال الأثر، وقد ساعده على ذلك تكوين علمي متميز إلى أبعد الحدود بدأ فيه بفهم اللغة وتعمق معانيها حين تولي في بداية حياته العلمية تعريف وتنسيق وتهذيب وترتيب وتجميع المصطلحات الأثرية، وهكذا كانت بدايته مبشرة ببداية عالم حقيقي.

كان ملما بالجوانب الحضارية للآثار الإسلامية

وقد مكنه هذا التوجه العلمي المبكر من أن يدرس الآثار والفنون والتاريخ معا دراسة موسوعية مكثفة ومتكاملة، وأن يبلور حصيلة دراسته في الوقت ذاته في ألفاظ محددة لا تحتمل أكثر من فهم ولا أكثر من معني، وهكذا كانت المعرفة سبيله إلى الدقة، وكانت الدقة سمة على عمله وعلى كتابته.

كان إلمام حسن الباشا بالجوانب الحضارية للآثار الإسلامية مبعث فخر وتقدير، وكان رحمه الله قادرًا علي أن يضفي الحياة علي كل معني أو مفهوم أثري بما أحاط به علمه من تطور فنون الحضارة ودلالتها ومغزاها ومعناها، كما ساعدته معارفه الأثرية علي توسيع آفاقه العلمية حتي أصبح قادرًا علي فهم ونقد كل جوانب الحضارة الإسلامية غير متقيد بتخصص أو منكفئ علي حقبة دون حقبة أو مكان دون آخر، وفي هذا الصدد أذكر كثيرًا من المشاركات التي أسهم بها في عدد من الموسوعات الإسلامية والأعمال العلمية التي أتيح لي شرف مشاركته فيها.

قدرة فائقة على استحضار التراث الإسلامي

وقد دعم الدكتور الباشا كل هذا التألق بقدرة فائقة على استحضار التراث الإسلامي وروحه وعلى استلهام الحاضر المعاصر وما انتهي إليه في ذات الوقت.

ومن هنا كانت كتابته عن الآثار الإسلامية بكل صورها تعطي الإيحاء القوي بأن الآثار الإسلامية لا تزال على قيد الحياة، فقد استطاع باقتدار وتمكن أن يربط الحاضر بالعصور الماضية، وهي قدرة لا تتأتى إلا للعلماء الذين أحاطوا بلب الفنون والعلوم الإسلامية من حيث هي تعبير عن تفاعل الإنسان المسلم مع البيئة والحياة انطلاقًا من موروثات العقيدة ومكتسبات التطور الإنساني. ثم أحاطوا بالتطور الطبيعي من ناحية أخري، ثم أدركوا من زاوية ثالثة أن الأثر كائن حي يعبر عن إرادة الكائن الحي قبل أن يعبر عن أثر الطبيعة وعواملها فيه على مر السنين.

وهكذا كانت كتابة حسن الباشا تعبر عن المعاني الوظيفية والدلالات العقيدية للآثار في المقامين الأول والثاني، أو فلنقل إنها كانت تعني بفلسفة الأثر ومولده قبل أن تتناول تاريخ حياته فيما بعد وجوده.

وستبقي الأصول الموسوعية العظيمة التي حررها عالمنا الجليل بمثابة زاد لا ينضب معينه مهما نقل منه وعنه اللاحقون على مدي السنين.

إدارته من الطراز المنتج

بالإضافة إلى هذا كله فقد كان الراحل الكريم إداريًا من الطراز المنتج، وكان رجل جامعة متميزًا إلى أبعد حدود التميز، وقد أتاح لي الحظ منذ ربع قرن أن أشهده وهو يناقش قضية جامعية لا نزال نناقشها حتى اليوم فإذا به يضع حلولا بسيطة ويتعهد بالمسئولية الكاملة عن تنفيذها، في حين كان يحذر في هدوء من المضي في السبيل الآخر الذي كان ميسرًا ومشجعا، ولو أن أقران حسن الباشا من رجال الجامعة أخذوا أنفسهم بما أخذ به نفسه يومها لاستقامت أمور كثيرة جامعة تبدو – اليوم – وكأنها عصية على الإصلاح.

[ موضوع المدونة بالتفصيل في كتاب الدكتور محمد الجوادي : تسعة عشر أستاذا وصديقا ، مكتبة الشروق الدولية ، القاهرة ، ٢٠١٤]

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقييم المستشار العشماوي لتأميم قناة السويس

كان المستشار محمد سعيد العشماوي واحدا من رجال القضاء الذين وصلوا إلى ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com