الرئيسية / المكتبة المرئية / أخرى / العلامة محمد الصادق عرجون وموسوعته المتفردة عن سماحة الإسلام

العلامة محمد الصادق عرجون وموسوعته المتفردة عن سماحة الإسلام

ــ 1 ــ

الشيخ محمد الصادق عرجون  ١٩٠٣- ١٩٠٨ واحد من أبرز علماء الأزهر متعددي التخصص، والموهوبين، والمجدين ، وهم كما نعرف أكثر من أن يشملهم حصر، وهو أيضًا واحد من أبرز علمائه المؤلفين الذين تركوا آثارًا متميزة في علوم التفسير، والفكرالاجتماعي الإصلاحي ، والدراسات الأدبية، والتاريخ الإسلامي، وتراجم أعلام الإسلام . وقد ترك آثارا فكرية تنطق بما تميز به من تجويد ومع كل هذا فهو شاعر تأملي مجدد أقرب إلى مدرسة أبوللو .

وفي عصر الترانزستور كان الشيخ محمد الصادق عرجون من أبرز العلماء الذين برزوا في تقديم أحاديث الصباح الدينية في الإذاعة المصرية، وكانت أحاديثه حافلة بما يبين عن منهجه في التفسير القرآني ، وفهم الإسلام والحضارة ، وأعترف بفخر أني كنت أؤثر أسلوبه في الإلقاء الإذاعي الواثق المتدفق بالعلم على كل الأساليب الأخرى .

كان كما أحب أن أقول يتفوق حتى على العلماء الأمريكيين (بإمكانات مكاتبهم) في تتبعه للمصادر وجمعه للمادة‏ ,‏ وربطه بينها والتفكير فيها حتى يعيش في عصرها وأجوائها ثم يتولى تحريرها بأسلوبه الحافل بالقوة ‏.‏

كان محمد الصادق عرجون في رأيي أيضا أبرز علماء الأزهر اقتناعا بجوهر فكرة التاريخ الطبيعي التي ترصد تطور حال الأفراد والجماعات مع مضي الزمن حتى وإن لم يستخدم مصطلحات العلم في الحديث عن هذه الفكرة ذلك أن نصوصه قاطعة بها على نحو بليغ سواء في ذلك أكان حديثه عن الإسلام وقادته أم كان حديثه عن الإنسانية وشرائعها.

كان محمد الصادق عرجون عاشقًا للأدب من صغره، وقد فتح الله عليه بتوظيف مواهبه الأدبية الفذة في خدمة الإسلام على نحو رائع ، وقد اختير ليكون من الأساتذة الأوائل للأدب في الجامعة الأزهرية عندما تم تطبيق أسلوب التخصص في الكليات الأزهرية فعظّم دور الجامعة الأزهرية في هذا الميدان .

ــ 2 ــ

ولد الشيخ محمد الصادق عرجون في إدفو بمحافظة أسوان (1903م)، وتلقى تعليمًا دينيًا تقليديًا بدأه في الكتاب ثم درس في الأزهر الشريف على النظام القديم الذي كان الأزهر فيه بمثابة كلية واحدة , واستمر في دراسته المنتظمة حتى نال الشهادة العالمية على النظام القديم (1929م)، أي في العام الذي سبق إنشاء الكليات الجامعية الأزهرية الجديدة، ثم نال درجة التخصص من درجة أستاذ وهي التي عودلت في وقتها بالدكتوراة (على النظام الأزهري القديم أيضًا ) 1935م.

 وفي هذه الفترة ارتبط الشيخ محمد الصادق عرجون بأستاذه العظيم الشيخ محمد الخضر حسين، وشاركه نشاطه في جمعية الهداية الإسلامية، كما ارتبط بالشيخ إبراهيم الجبالي عميد أصول الدين الذي خصصنا له بابا في هذا الكتاب .

عين الشيخ محمد الصادق عرجون مدرسا بمعاهد الأزهر الشريف، وانتقل منها إلى كلية اللغة العربية، ثم عمل مدرسا بكلية أصول الدين، كما عمل شيخا لمعهد دسوق الديني، ثم عمل شيخا لمعهد أسيوط الديني، وشيخا لعلماء الإسكندرية، وعميدا لمعهدها (1964م)، ثم اختير مديرا للتعليم الأزهري، فعميدا لكلية أصول الدين. وأحيل إلى التقاعد وهو عميد للكلية عام 1968م.

وهكذا تواصل عطاؤه من خلال عدد من المناصب الأزهرية المرموقة التي لم يتح تعاقبها على هذا النحو إلا للنوادر.

ــ 3 ــ

وعلى نحو ما تعددت إسهامات الشيخ محمد الصادق عرجون في مصر فقد تعددت روافد عطائه في البلاد الإسلامية، فقد تولى عدة مناصب في دول إسلامية أسهم من خلالها في دفع الدعوة الإسلامية، حيث تولى منصب مدير معهد الدراسات العليا الإسلامية بجامعة أم درمان الإسلامية بالسودان، كما عمل أستاذًا للدراسات العليا (علم الحديث) بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وأستاذا بجامعات الكويت، والمدينة المنورة، و عمل أستاذا زائرا بجامعة بنغازي الليبية و في اليمن وأندونيسيا.

وكان آخر منصب تولاه أن عمل أستاذا للدراسات العليا للحديث بجامعة الملك عبد العزيز، وجامعة أم القرى بمكة المكرمة.

 وقد أحسن الله خاتمته فقد فرّغ نفسه ووقته بعد انقطاعه عن العمل الوظيفي لوضع كتابه القيم «محمد رسول الله.. منهج ورسالة»، بحث وتحقيق، وهو الكتاب الذي صدر بعد رحيله.

ــ 4 ــ

في الميدان العلمي كان الشيخ محمد الصادق عرجون عضوا بهيئة كبار العلماء، وعضوا برابطة العالم الإسلامي، وعضوا في مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة،

و في ميدان العمل العام كان عضوًا مؤسسًا بجمعية الشبان المسلمين، ، كما كان عضوا في جماعة أبوللو الأدبية.

ومن الجدير بالذكر أن الشيخ محمد الصادق عرجون اهتم في شبابه بنشر مراكز تحفيظ القرآن الكريم كما عمل في شبابه في التصحيح في جريدة «الأهرام».

وكانت للشيخ محمد الصادق عرجون في شبابه مساجلات ، ورسائل متبادلة مع كبار مثقفي عصره: محمد فريد وجدي، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل ، وسيد قطب .

وعلى المستوى السياسي لا يفوتنا أن نذكر أنه كان أبرز من المعارضين لما عرف بتطوير الأزهر، كما كان معارضا لفكرة إدماج الدراسات العلمية والحديثة في كلياته، وكان يؤثر الحفاظ على الطابع الأصلي للأزهر.

ــ 5 ــ

نبدأ أولا بالحديث عن جهده في مجال التفسير والدراسات القرآنية ، وعن منهجه في تفسير القرآن الكريم وفهم مكانته .

 ولا جدال في أن الأستاذ محمد الصادق عرجون كان من المفسرين المجتهدين، وكان له منهج خاص في تفسير كتاب الله بلوره في كتابين مطبوعين :

•    كتابه الضخم «القرآن الكريم.. هدايته وإعجازه في أقوال المفسرين» .

•    كتابه الموجز «نحو منهج لتفسير القرآن» .

وتدور فكرتهما على ضرورة الاهتمام بكتاب الله باعتباره مصدرا للهداية الإنسانية، ومنقذًا للبشرية ! قبل أن يكون مجالا لمناقشات علمية تتعلق بالنحو أو الصرف أو مباحث علم الكلام، أو ضروب اللجاج بين الطوائف المتنازعة.

وله في التفسير :

      ـ «تفسير سور: التوبة والروم ولقمان والسجدة».

      ـ «شرائط تسجيل تليفزيونية».

      نفحات الإنعام في تفسير سورة الأنعام». مخطوط .

و من كتب الدراسات القرآنية أيضا :

      ـ «من رياض القرآن».

      ـ «رد مزاعم رسالة في قراءات القرآن».

      ـ «سنن الله في المجتمع من خلال القرآن».

      ـ «الأمة الإسلامية كما يريدها القرآن».

ــ 6 ــ

كان للأستاذ محمد الصادق عرجون رأي عظيم ومتقدم في مكانة كل من الإسلام والقرآن في تاريخ الإنسانية ، وهو ما يتضح من اسم كتابه «القرآن العظيم هدايته وإعجازه‏» ‏ فالهداية والإعجاز هما سر القرآن العظيم وبهما أصبح القرآن نبيا مقيما يؤكد ختم النبوة والرسالة ويلبي في نفس الوقت احتياجات الأمة الإسلامية الواحدة‏.‏ وهو ينطلق في فهمه وتقريره من فكرة التطور التي أشرنا إليها في مطلع هذا الباب فيقول:

«شرع الله تعالى الإسلام دينا للإنسانية عاما خالدا، وجعله خاتم حلقات سلسلة الوحي المتلاحقة في سجل التاريخ الإنساني من لدن آدم إلى محمد ــ صلوات الله عليه ــ فكان هو الحلقة المكملة لتنزيل الرحمة التشريعية إلى الإنسان في هذه الأرض» .

«وقد شاءت حكمة الله أن تكون كل حلقة من حلقات التشريع الإلهي على قدر استعداد الجماعة التي تأتي لها في تكوينها الطبعي والخُلُقِي والاجتماعي، وكأنما نَظَمَ الله الإنسانية بالوحي عقدا اجتماعيا متماثل الحلقات في كل جيل وقبيل، وإن اختلفت في الوضع والتصوير، لتتفق مع وضع الأمة في مكانها من الحياة : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:13] حتى إذا اكتملت الإنسانية في حقيقتها المطلقة وتهيأت للوحدة الفكرية والاتجاه العقلي، جاءها الإسلام مهيمنا على زمامها، ليرشدها إلى ما أعدت له من الكمال الذي يسمو بها عن حضيض الأرض إلى ملكوت السماء» .

ــ 7 ــ

ويصل الأستاذ محمد الصادق عرجون بعد هذا إلى التأكيد على فكرته القائلة بسلطان العقل في الإسلام إيجابا وسلبا حسبما يؤكد القرآن الكريم :

«…. ومن ثم كانت الشرائع السابقة إنما تخاطب عقلا خاصا محدودا خطابا خاصا محدودا، لا يتعدى هذا الجيل من الناس إلى غيره من الأجيال، ولا هذا القبيل إلى سواه من المجتمع، ولا ذلك التشريع إلى تشريع أوسع وأعمق، لأن العقل الإنساني العام لم يكن صالحا حينئذ لهذا الخطاب العام، لكن الإسلام عمد إلى هذا العقل الإنساني العام بعد أن تهيأ في تكوينه إلى الاضطلاع بعبء الحياة، وخاطبه خطاب المرشد إلى الطريق الأقوم، وجعله قَيِّمًا على شؤون الحياة كلها» .

«وأبى الإسلام أن يقبل سلطانا غير سلطان العقل، وشدد النكير على الذين استسلموا لبلادة الحسِّ، وأناموا عقولهم عن النظر والتفكير، فقال في دستوره ناعيا عليهم ازدراء عقولهم وتشبثهم بالغباء في اتباع آبائهم على ضلالاتهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:170].

وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف:194، 195].

فهذا التسفيه البالغ حد التحقير للمخاطبين أشد إيلاما لنفوسهم، وألذع في أفئدتهم، وقد مهد له القرآن بقضية من بَدائة الفِطَر لا تختلف فيها العقول سيقت للتنبيه على موطن الخطأ العقلي في مسلكهم، حيث تعبدوا أنفسهم لما لا يستحق الحياة، بله العبادة والتقديس. هم يعلمون أن الأصنام ليست لها أرجل تمشي بها، ولا أيد تبطش بها، ولا أعين تبصر بها، ولا آذان تسمع بها، ولكن في نفي هذا المعلوم بداهة عن طريق الاستفهام إزراء على عقولهم بأبدع أسلوب: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:22].

ــ 8 ــ

على هذا النحو كان الأستاذ محمد الصادق عرجون على غير ما هو متوقع ينحاز إلى العقل انحيازا بالغا لكنه انحياز من نوع خاص هو انحياز من يعول على العقل أن يتيقظ ويؤدي مهمته في إيقاظ النفس البشرية ، وكانت هذه الفكرة هي الفكرة المسيطرة على فهمه للنصوص القرآنية وتفسيره لها :

«… أراد القرآن الكريم بهذا المبدأ السامي إيقاظ العقل وتنبيهه إلى أداء مهمته وإبراء النفس الإنسانية من مرض التقليد الأصم، وتربية القوى الفكرية على الاعتداد بالنفس واستقلال الرأي وحرية التفكير، ولذلك أثنى على الذين أيقظوا عقولهم وتفلتوا من قيود التقليد إلى ساحات النظر في آيات الله في الأنفس والآفاق، وساروا بسير العلم غير ملتفتين إلا إلى الحق فلم يقولوا: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23] ، ولا اعتذروا اعتذار العاجز الذليل: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:67] ، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألباب (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [آل عمران:190، 191]» .

هذا النوع من التشريع الفكري من أهم ما عُنِيَ به القرآن الحكيم، فردده كثيرا في آيات بينات على أنحاء شتى، تعظيما لقدر الإنسانية وإجلالا لمقام العقل العام في حدود تكبح من جماحه إذا تطلع إلى تعدى طوره، ومجاوزة حده .

ــ 9 ــ

ومن الإنصاف لجهد الأستاذ محمد الصادق عرجون أن نشير في سرعة شديدة إلى أنه اجتهد مبكرا فيما يسمي الآن بالإعجاز العلمي وما ينبغي أن يكون موقف التفسير من آياته ، لكنه لم يتح له الوقت لإعادة ترتيب أفكار كثيرة بدت متنتاقضة فيما أدلي به من دلو في هذه الموضوعات مع ما هو معروف عنه من حماس بالغ لرأيه.

وقد حذفت من هذا الباب كل ما كنت جمعته من الانتقادات التي وجهت إليه والي جهوده ومقولاته في هذه الجزئية مكتفيا بأن أذكر ما يشير إليه العلامة الدكتور محمد رجب البيومي من أن الأستاذ محمد الصادق عرجون وجه انتقادات إلى الإمام محمد عبده و الإمام المراغي فيما اتجها إليه من تفسير بعض الآيات الكونية في ضوء ما تمخض عنه العلم الحديث، مع أن الشيخ عرجون حبذ هذا الاتجاه بشروط دقيقة لم تكن من ابتكاره، بل كانت كما يقول الدكتور البيومي مما أشار إليه الأستاذ الإمام محمد عبده موجزا، وما وضحه الإمام المراغي تفصيلا في المقدمة العلمية التي قدم بها لكتاب «الإسلام والطب الحديث»، وقد وافقهما محمد الصادق عرجون حين تحدث في كتاب «نحو منهج لتفسير القرآن» عن بعض الآيات الكونية مهتديا بحقائق العلم الحديث.

ــ 10 ــ

وننقل ثانيا إلى ميدان مهم تجلى فيه ذكاء الشيخ محمد الصادق عرجون وعبقريته وهو دراسة السنن الإلهية والتاريخ الطبيعي ، وقد كنت حريصا في مقدمة هذا الباب على أن أشير إلى رأيي في أنه أبرز علماء الأزهر اقتناعا بفكرة التاريخ الطبيعي التي ترصد تطور حال الأفراد والجماعات مع مضي الزمن حتى وإن لم يستخدم مصطلحات العلم في الحديث عن هذه الفكرة ذلك أن نصوصه قاطعة بها على نحو بليغ بمستوى في هذا حديثه عن الإسلام وقادته وحديثه عن الإنسانية وشرائعها.

و في هذا الميدان ألف الشيخ محمد الصادق عرجون كتابه الفريد «سنن الله في المجتمع» فأسهم في السعي إلى إنشاء علم السنن الإلهية الذي أشار الأستاذ محمد رشيد رضا إلى وجوب الاهتمام باستقلاله من علم التفسير،‏ كما استقل علم الفرائض من علم الفقه.‏

ــ 11 ــ

وننتقل ثالثا إلى جهد الشيخ محمد الصادق عرجون العلمي المتجلي في كتابة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم   في أربعة مجلدات تحوي أكثر من ألفين وسبعمائة صفحة عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم   .

ومن المهم أن نشير في سرعة إلى بعض الملامح المميزة في هذا العمل العظيم :

•    أعد الشيخ مواده بتوسع على غرار ما تفعل مراكز البحوث و عكف عشر سنوات متوالية على دراسة كل ما أمكنه دراسته مما كتب عن رسول الله في القديم والحديث، مبديا رأيه فيما صادفه من روايات تتفق تارة وتتعارض تارة أخرى .

•    قرر ـ فيما قرر من منهج ـ أن يلزم نفسه بأن يرفض التلفيقات المفتعلة والاحتمالات الواهية في كتابة السيرة المطهرة.

•    امتد بتحقيقه إلى ما تضمنته كتب التفسير القرآني وشروح الحديث النبوي، وصحف التاريخ الإسلامي المتعددة .

•    تعرض بالتحقيق لكل ما قابله من روايات ، وحرص على هذا التحقيق بروح الباحث المتبحر حتى إن حجم تحقيقه لبعض المسائل يبلغ كما يقول الدكتور محمد رجب البيومي خمسين صفحة.

•    كان في مناقشاته جريئا حتى أنه ناقش أعلام كبار من المفسرين والمحدثين من أمثال الطبري، وابن حجر، والإسماعيلي، والواقدي، وابن تيمية، وأبي حيان، وابن إسحاق، وابن كثير، والزرقاني، والسهيلي، وابن القيم، وابن سلام وغيرهم.

•    اختص آراء الأستاذ الإمام محمد عبده بنقوض كثيرة .

ــ 12 ــ

ونأتي رابعا إلى إشارة سريعة إلى الفكرة التي تبناها الشيخ محمد الصادق عرجون مذهبا فكريا لنفسه ، وجعلناه رمزا لها في هذا كتابنا هذا ، وهي فكرة التسامح فنشير بفخر إلى أنه سبق العالم كله بتأليف موسوعة كاملة فيها «الموسوعة في سماحة الإسلام» وقد صدر هذا الكتاب عن دار «سجل العرب»، فكان من أبرز الكتب التي خصصت للحديث عن يسر الإسلام، وسماحته في معاملة غير المسلمين. وذلك قبل أن تنمو مؤسسات كبرى تعمل لقضية التسامح وحدها.

وفي هذه الموسوعة تتبع الشيخ محمد الصادق عرجون سماحة الإسلام عبر العصور ابتداء من مصادره ومرورا بتاريخه الطويل‏,‏ ومواقف المسلمين في تطبيق دينهم‏.

ــ 13ــ

ونأتي إلى المجال الخامس لتجليات الشيخ محمد الصادق عرجون وهو فلسفة التاريخ الإسلامي فنجده صاحب توجهين متميزين في هذا الميدان وإن لم يصرح بهذا بالنص :

فقد كان أولا يرى ضرورة الحديث عن قادة الإسلام وأثرهم في تحرر الفكر الإسلامي، وكان يقول : إن عظماء الصدر الأول من رجالات الإسلام قد جمعوا بين السياسة والفكر، وأفادوا من الفكر النظري في الميدان العملي، فصدروا في أحكامهم واتجاهاتهم عن مبادئ شريعة ذات هدف إنساني ! ولهذا كان ينادي بالانتباه إلى أن زعماء هذا العهد ، قادة فكر ، بهذا المعنى!

وكان الشيخ محمد الصادق عرجون على سبيل المثال يؤكد على أن عمر بن الخطاب  قد مارس تطبيق الشريعة الخالدة ممارسة المفكر المجتهد الحصيف، وأبدى من الآراء في قيادة الدولة وصلاحية المجتمع وتحقيق مبادئ الإخاء والحرية والمساواة ما ارتفع به عن مستوى فلاسفة الإغريق، لأن هؤلاء قد قالوا كلاما وقرروا قواعد ثم انتهى دورهم الفكري بأن رقد في بطون المجلدات، أما عمر فقد التزم بأصول الشريعة التزام المفكر المجتهد العالم في سياسته العامة والخاصة، كما أن له زملاء من الصحابة الذين تخرجوا من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم   ، شاركوه الرأي والتنفيذ، وهؤلاء نماذج ممتازة لقادة الفكر الإنساني قبل أن يكونوا نماذج ممتازة لقادة الفكر الإسلامي.

ــ 14 ــ

ثم نأتي إلى التوجه الثاني للشيخ عرجون في ميدان التاريخ الإسلامي وهو ما تمثل في جهده في جلاء فكرة حرية الرأي في الإسلام وتاريخه ، وكيف أن هذا التاريخ قام حول هذه الفكرة .

كان الأستاذ عرجون لايحيد عن إيمانه بوجود مكانة متقدمة لحرية الرأي في الإسلام وكان يراها تؤما لحديثه عن مكانة العقل في الإسلام . وقد كان الشيخ عرجون يري ان أخص خصائص الإسلام وأعظم مميزاته على الشرائع الأخرى إطلاقا، أن الإسلام أقام من العقل الإنساني حارسا على الإنسانية، وَمَلَّكَ الإنسانية الحياة لتكون حية نامية، والنمو رقي في مدارج الكمال. وهو بهذه الروح الهادئة القوية ضَمِنَ لنفسه البقاء والهيمنة على ما سواه : «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه» .

«فهِم المسلمون الأوّلون الإسلام على هذا الأساس، فعظموا حرية الرأي تعظيما جعل منهم أمة ناهضة مدت سلطانها على أقطار الأرض في زمن لا يمكن أن ينهض بهذا السلطان القاهر لو كانت الأمة القائمة على أمره حبيسة العقل مقيدة التفكير، وليس مبدأ الشورى الذي جاء به الإسلام وجعله مناط الثناء على المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى:38] ، وأمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم   ليجعله دستورا بينه وبين أمته فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:159] إلا قاعدة من قواعد حرية الرأي وتقديسها، فاستمع الرسول أمر ربه، وجرى على هذا السَّنَن فيما لم ينزل عليه وحي فيه» .

«روى البخاري في صحيحه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم   قام حين جاء وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   : «معي من ترون، وأَحَبُّ الحديث إلى أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم» ــ وكان أَنْظَرَهم رسول الله صلى الله عليه وسلم   بضع عشرة ليلة حين قَفَل من الطائف ــ فلما تبيّن لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم   غير رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم   في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيّب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل» ، فقال الناس: قد طيّبنا ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم   : «إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يَرْفَع إلينا عرفاؤُكم أمركم» ، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم   فأخبروه أنهم قد طيّبوا وأذِنُوا» .

ــ 15 ــ

ويتأمل الشيخ محمد الصادق عرجون ما تدل عليه القصة التي رواها الحديث الشريف من قواعد للممارسة الديمقراطية تعلى من قيمة حرية الرأي، وحرية الفكر ، ومن الحق أن نقول إن قراءة الأستاذ عرجون للنص تميزت بالذكاء:

«هذا الحديث الشريف يصوّر أقصى ما تبلغ إليه الأمم الناهضة من حرية الرأي ونظام النيابة الفاضلة، ومحو الاستبداد، وفيه من الفوائد العظيمة التي تدنو منا في عصرنا هذا، عصر الحرية الفكرية واستقلال الرأي، ما يجل عن الوصف، في موضوع «حرية الرأي» :

•    «أول ما يبْده القارئ من هذا الحديث قول النبي صلوات الله عليه لهؤلاء الذين دخلوا في الإسلام جُدُدا: «معي من ترون، وأَحَبّ الحديث إلى أصدقه» ؛ ليشعرهم بقانون الإسلام العام، وهو احترام الحقوق وتقديس حرية الرأي، والتجافي عن روح الاستبداد، والحكم الفردي، فكأنه يقول: إن الأمر صار إلى الأمة، ولا بد من أخذ رأيها، مع أنه لو فعل شيئا ما طرفت عين بمخالفته : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:65] ، ولكنه مشرع لدين عام خالد، وهؤلاء تلاميذ مدرسته العظمى، مدرسة الحياة، والقائمون بأمر هذا الدين من بعده، فهم في حاجة إلى دروس في التربية الاستقلالية والاعتداد بالنفس وحرية الرأي، فردّ إليهم الأمر ليعلم وافدو الإسلام روح التشريع في الإسلام، وليعلم حماة الإسلام مكانهم من الدين، ومكان الدين منهم.

•    ثانيا: لم يشأ – صلوات الله عليه – أن يجبر هوازن بعد أن استأنى بها وقطع عذرها على قبول طائفة بعينها، بل خيرهم بين إحدى الطائفتين: إما المال، وإما السبي، وفي ذلك من احترام الرأي ما لا يحتاج إلى بيان.

•    ثالثا: عَرَضَ الأمر على أصحابه، وذكر لهم توبة إخوانهم، وقال لهم: إني قد رأيت أن أرد عليهم سبيهم، ثم أطلق لهم حرية الرأي، وأبان أنه لا يحكم إلا بما تطيب به نفوسهم، فقالوا قد طيّبنا ذلك، أَفَتَرَاهُ ــ وهو الرسول الأمين ــ قام إلى سبي هوازن فرده إليهم اتكالا على إجابة عامة من حشد المسلمين؟ كيف ولعل في غمار المسلمين من لم يؤبه له، ولا يعرف رأيه في هذا الجمع العظيم، والمسلمون سواء أمام التشريع العام، لكل مسلم رأيه، ولكل رأي اعتباره، لا، لم يتفرد النبي برأيه، ولكنه عمد إلى أدق نظم حرية الرأي، وأحراها بالعدالة فجرى عليها: أمرهم أن يرجعوا إلى أنفسهم، ويتعرفوا منها الرضا أو الإباء وينضجوا رأيهم، ويتفاوضوا مع نوابهم، ثم يرفعوا إليه ما استقر عليه رأيهم.

ــ 16 ــ

ويواصل الشيخ محمد الصادق عرجون الحديث عن المظاهر المبكرة للديمقراطية وحرية الرأي في حياة المسلمين على نحو ما تعلموها واقتدوا بها من الرسول صلى الله عليه وسلم   ، وهو يقرأ الأمثلة التي يعرفها المسلمون قراءة فاحصة تبين عن مواطن الارتقاء والتطور الطبيعي للعقل البشري :

نظام بلغ أسمى آيات «الديمقراطية» كما يقولون في أمة حديثة ناشئة، أليس هو أحدث ما تطمح إليه الأمم الناهضة لتعيش في ظله؟ فليتبصر الذين لا يعرفون من الإسلام إلا قشورا منثورة هنا وهناك ليست من الإسلام في الصميم.

«اشترع النبي صلى الله عليه وسلم   هذه الشِّرعة النَّقِية الطاهرة في حرية الرأي، فاستن بسنته خلفاؤه الراشدون من بعده، فهذا هو الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه  قد ملَّكَهُ المسلمون رقابهم وأموالهم، وبايعوه بالخلافة بيعة رضا واطمئنان، خطب الناس أول ما خطبهم بعد مقام الخلافة فقال: «أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإني أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني» . فكيف تكون إذن حرية الرأي؟!! خليفة يملك من أمر الناس ما لا يملكونه في بيوتهم، ثم يرد إليهم أمر نفسه ويجعلهم ميزانا لأعماله، ويطلب منهم العون إن أحسن، والتقويم إن أساء. بهذه الروح ظفر أبو بكر رضي الله عنه  بالعرب بعد أن ارتدت أقاصيها» .

«ولقد سرت هذه التعاليم في المسلمين، فكان من أثرها أن يقوم رجل من عرض المسلمين يقول لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب بعد قوله: «من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقومه» : «والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا» ، فيقول عمر: «الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم عوج عمر» ، إنما حمد الله عمر لأنه رأى في الأمة روح الاعتداد بالنفس ساريا فاطمأن على أنه يتأمّر أمة لا تلين لها في الحق قناة».

«بل إن عمر رضي الله عنه  بث في الأمة حرية الرأي بين كبيرها وصغيرها، روى ابن الجوزي أن عمر بن الخطاب قال: «لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية ولو كانت بنت ذي القَصّة، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال» ، فقالت امرأة من صف النساء طويلة في أنفها فطس: ما ذاك لك، قال: ولم؟ قالت: لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [النساء:20] فقال، عمر: «امرأة أصابت، ورجل أخطأ» .

ــ 17 ــ

و يتوسع الشيخ محمد الصادق عرجون في قراءة قصة استخلاف أبي بكر لعمر ابن الخطاب على نحو يبدو فيه حريصا على النفي الذكي للخباثات التي رددها بعض من نقلوا عن المستشرقين :

«وإذا تأملنا في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم   صعد إلى الرفيق الأعلى ولم يخلف على المسلمين رجلا بعينه، وهذا كان ميسورا وحاسما، علمنا أن ذلك أثر من آثار حرية الرأي في الإسلام. وأبو بكر رضي الله عنه  لم يخلف عمر بن الخطاب إلا بعد أن فوض إليه المسلمون ذلك».

«روى ابن الجوزي: «أنه لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما ترون، ولا أظنني إلا ميتا لما بي، وقد أطلق الله إيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياةٍ مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي» ، فقاموا في ذلك وخلوا عليه، فلم تستقم لهم، فرجعوا إليه، فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فلعلكم تختلفون، قالوا: لا، قال: فعليكم عهد الله على الرضا، قالوا: نعم، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده» .

ــ 18 ــ

و يربط الشيخ محمد الصادق عرجون في ذكاء بالغ بين حرية الرأي والتشريع والاجتهاد بما يجعلنا نزداد ثقة فيما اعتقدناه من عظمة الإسلام :

«فإذا كانت حرية الرأي في الإسلام تتجلى في أخطر مسألة يدور عليها كيان الأمة، ويترك لكل مسلم أن يقول فيها رأيه في أحرج المواقف، كانت أحرى أن تتمشى مع الأمة في مراحلها التشريعية والاجتماعية، فأما التشريع فحسب القارئ الاطلاع على تاريخ فجر النهضة الإسلامية ليعلم كم كان من المجتهدين الذين لا يصدرون في رأي إلا عن كتاب الله أو سنة الرسول الصحيحة، وحتى إن الأصوليين يختلفون في أصحاب رسول الله: هل جميعهم مجتهدون؟ وكتب الفقه والأصول مليئة بالفروع التي وقع فيها الخلاف بين الأئمة، وما عاب أحد منهم على أحد اجتهاده، ولا حجر عليه رأيه» .

ــ 19 ــ

 ويتصل بهذا ما يثبته الشيخ محمد الصادق عرجون من حرص الإمام مالك على تعدد الآراء وعلى ألا يكون هو نفسه (أو علمه أو مذهبه ) حجرا على هذا التعدد:

«فهذا مالك بن أنس إمام المدينة: قال له أبو جعفر المنصور: اجعل هذا العلم علما واحدا. فقال له مالك: «إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم   تفرقوا في البلاد فأفتى كل في مصره بما رأى، فلأهل المدينة قول، ولأهل العراق قول» . وفي رواية أنه قال له: «إن أهل العراق لا يرضون علمنا» . فقال أبو جعفر: يضرب عليه عامتهم بالسيف، ونقطع عليه ظهورهم بالسياط، فأبى مالك. فانظر إلى إجلال مالك بن أنس ــ وهو من أجل أئمة المسلمين المقتدى بهم في مشارق الأرض ومغاربها ــ لحرية الرأي وتجافيه عن خذلانها.

«خليفة مسلط يعرض عليه نشر علمه في الأرض ولا يكون بين الناس غير رأيه فيأبى؛ لأن لكل مجتهدي مصر من أمصار المسلمين رأيا أخذوه عن منبع الشريعة».

ــ 20 ــ

ويبلور الشيخ محمد الصادق عرجون هذا كله في عبارة جميلة فاصلة يبدؤها بقوله : «إن حرية الرأي أساس فهم عمومية الدين»، و هو يختم مقاله الشهير الذي نشره في مجلة الأزهر :

«حرية الرأي أساس فهم عمومية الدين، وهيمنته على سائر الأديان، وصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وأنه لا حاجة معها إلى قانون آخر. قال العلامة ابن القيم: «ومن له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالاتها، وأنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يفصل بين الخلائق وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، وعرف أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها مواضعها، وحسن فهمه فيها، لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة» .

ومن البداهة بالمكان الأول أننا لا نعني بحرية الرأي ما يفهم من كلمة «الفوضى» حتى يباح لكل متعلم فضلا عن شبه المتعلم أن يقول في الشريعة برأيه, وإنما نعني أن العالم الثقة إذا فهم في الشريعة فهما وساق بين يديه دليله، فلا سبيل عليه، ولا تحجير على فضل الله» .

ــ 21 ــ

ونأتي إلى الميدان السادس لتفوقه فقد كان للأستاذ عرجون مذهب متميز في كتابة تاريخ الشخصيات يمكن وصفه أو تسميته بأنه المذهب الأخلاقي، حيث كان يعطي أهمية بالغة لدراسة الأخلاق الشخصية، حتى إنه يزن بها كل ما يصادفه في طريق البحث من رأي مذهب أو رواية.

وقد ذكرنا من قبل أن الشيخ محمد الصادق عرجون كان من الوطنية والانتماء بحيث التفت إلى أهمية تقديم قادة الفكر الإسلامي ليأخذوا مكانتهم مع قادة الفكر الإنساني ، وذلك عندما رأى البيئة الثقافية قد أدارت النقاش حول مفهوم قادة الفكر بعيدا عن الدائرة الإسلامية ‏:

«لم يشر أحد إلى تتابع الدورة الثقافية شرقا وغربا ،‏ وإلى أن هذه الدورة قد انتهت إلى الفكر الإسلامي فأحدثت أثرها القوي في تاريخ الفكر الإنساني ، فقلت في نفسي : إن الضرورة ملزمة بالحديث عن قادة الإسلام وأثرهم في تحرير الفكر الإنساني‏,‏ وإذا كان عظماء الصدر الأول من رجالات الإسلام قد جمعوا بين السياسة والفكر أي أنهم أخضعوا الفكر النظري إلى الميدان العلمي فصدروا في أحكامهم واتجاهاتهم عن شريعة ذات هدف إنساني ، فإن زعماء هذا العهد قادة فكر بهذا المعنى» .

ــ 22 ــ

نشر الأستاذ محمد الصادق عرجون كتابه الأشهر «قادة الفكر في تاريخ الإسلام» على هيئة مقالات متتابعة في مجلة الأزهر بدءا منذ 1939، وجاهر فيه برأيه القائل بأن الفكر قبل الإسلام كان فلسفيا في كنف الفلسفة، وتشريعيا في كنف الفقه والتشريع، وسياسيا في بيئة السياسة، واجتماعيا في ظل الاجتماع، فلما جاء الإسلام احتضنه، وعظّم من شأنه، وجعله المهيمن على منافذ الحياة كلها، والإسلام دين فلسفة وتشريع واجتماع وأخلاق، يسمو بالفرد والجماعة من طريق تكميل خصائصهما الطبيعية، ولهذا فقد كان مجال الفكر فيه أرحب ساحة، وأوسع مدى، وأقرب غرضا، وأجمع لمناحي الوجود، فهو في ظل الإسلام سياسي تشريعي، واجتماعي خلقي، وفلسفي علمي، «غير أن حيوية الإسلام القاهرة جعلت من روحه قوة مسيطرة على الفكر تسدده في سيره، فأخذته بالتربية المندرجة بعد أن أحاطته علما بسمو حقيقته».

وبالإضافة إلى ما كتبه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإن له في هذا المجال كتابان مهمان عن عثمان بن عفان، وخالد بن الوليد.

 وقد أخذ جانب الدفاع المطلق عن الخليفة الشهيد، وكان جوهر رأيه أن الخليفة الشهيد عثمان بن عفان قد رمي بالباطل في كثير مما قيل فيه، وقد أوضح وجه البطلان في هذه الاتهامات الظالمة .

أما كتابه عن خالد بن الوليد فقد ركز فيه على تفنيد ما رآه الدكتور محمد حسين هيكل في دواعي عزل خالد بن الوليد عن القيادة وملابساته، موضحا وجهة نظر مخالفة تماماً، ووصل في هذا إلى حد الهجوم العنيف على الدكتور هيكل.

ــ 23 ــ

كذلك كتب الشيخ عرجون فصولا مسلسلة عن على بن أبي طالب. كما كتب عن الخليفة الأول أبي بكر الصديق في أكثر من موضع .

 وكتب عن العبادلة الخمسة المتعاصرين : عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

وألف كتابا متميزا عن أبي حامد الغزالي المفكر الثائر من زاوية التصوف وحرية الرأي كما تناول مصادر الغزالي في إحيائه‏,‏ وعرض رأيه الشخصي في قضية الشك عند الغزالي .

ــ 24 ــ

ونأتي إلى الميدان السابع وهو ميدان الأدب وقد أسلفنا أن الشيخ محمد الصادق عرجون كان عاشقًا للأدب منذ صغره وظل أديبا طيلة حياته . ويكفيه وصف الدكتور البيومي له ولأسلوبه حيث يقول:

«…. في أسلوبه ما في شخصيته من فحولة وشجاعة وقوة‏,‏ فلقد كان الأستاذ ذا حمية مخلصة وغيرة ملتهبة تلمسها في حديثه كما تراها في بريق عينيه وتوهج ملامحه» .

وقد اختير الأستاذ عرجون ، كما ذكرنا في مقدمة هذا الباب ، ليكون من الأساتذة الأوائل للأدب في الأزهر عندما تم تطبيق أسلوب التخصص في الكليات الأزهرية فلما عهد إليه بأستاذية الأدب في الجامعة الأزهرية كان له الفضل في وجود بحوث ودراسات متميزة في مجالات الموازنة الأدبية، وقد نشر مقالات عديدة تعد بمثابة بدايات لهذه الدراسات.

 وقد تحدث الشيخ محمد الصادق عرجون في مقالاته عن البيئة وأثرها في الشعر الجاهلي، وعن أدب الحضارة وأدب البداوة، وقدم تفسيرات مقنعة لقلة الأدب الحضاري في بلاط المناذرة بالعراق، ومحافل الغساسنة بالشام، وقارن بين قصائد العصر العباسي المتحضر وقصائد العصر الجاهلي المتبدئ مقارنة تعتمد على النصوص الشعرية المتعارفة. وقد انتهى من بحوثه إلى القول بقوة التفكير لدى العرب الجاهليين ووجود أدب راق في هذه الحقبة، إذ ليس من المعقول أن توجد حضارة في اليمن والعراق والشام ثم لا ينبعث عنها أدب حي، وقد ذهب الأستاذ عرجون إلى أن هذا الأدب قد ضاع، كما ضاعت آلاف القصائد.

ــ 25 ــ

وقد دلنا الدكتور محمد رجب البيومي على أن الأستاذ محمد فريد وجدي اختلف مع الأستاذ عرجون في هذه القضية ، ولفت نظره إلى أن مثل هذا القول يوافق أقوال المستشرقين، وأن هؤلاء بتقريرهم مثل هذا الارتقاء المزعوم يحاولون أن يضائلوا من بريق الإسلام باعتباره منبثقا عن هذا الارتقاء.

وهو ما يستتبع القول بأن تعاليم الإسلام الراقية كانت صدى لهذا الفكر المتوثب، وأن صاحب الرسالة وجد النفوس مهيأة للدعوة الجديدة بفضل هذا الارتقاء، فأقبلت على الإسلام هاتفة مرحبة .

وهذا ما يخالف الواقع المتعالم، إذ لو صدق هذا الزعم ما وجد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المعارضة الحادة لدينه، ولما تعرض أتباعه للتعذيب الرهيب والمقاطعة الصارمة، حتى كان قتله مبيتا لدى أعدائه من المشركين.

 وقد رد الأستاذ عرجون على الأستاذ محمد فريد وجدي الذي كان في ذلك الوقت رئيسا لتحرير مجلة «الأزهر» ولخص الأستاذ فريد وجدي رده لكنه لم ينشره كاملا فنشره الأستاذ عرجون في كتاب مستقل.

وفضلًا عن هذا فإن له دراسات في الأدب والنقد الأدبي القديم .

و بالإضافة إلى هذه الميادين التي تحدثنا عن جهد الأستاذ عرجون فيها فإن له مؤلفات في قضايا إسلامية أخرى على نحو ما يتضح من قائمة مؤلفاته في نهاية هذا الباب .

ــ 26 ــ

ونأتي إلى شعره فنجد له قصيدة مطولة بعنوان «الطيف الخالد» – نشرتها مجلة أبولو ( يونيو 1933)، وله ديوان غير مجموع كان يسميه: «عزف الضمير» نشرت بعض قصائده في مجلتي أبوللو، والرسالة..

تتميز قصيدته المطولة بنزعة تأملية فلسفية صوفية تكثر من طرح الأسئلة عن الكون والمصير والبشر، ومع امتداد القصيدة تتنوع القافية، كما أنه كان يستخدم فيها البحر تامًا ومجزوءًا على نحو ما كان منتشرًا بين شعراء أبوللو.

ولنقرأ بعضا من قصيدته «الطيف الخالد» ( دون أي تعقيب منا) فلغتها سلسة وسياقها متواصل ومعانيها بديعة :

إيهِ يا ريحانةَ الوادي السحيقْ

انعِتي الأجيال من غورٍ عميقْ

نفِّسي عني أزيزَ المرجلِ

واهزجي لي هَزَجَ الحادي الرفيقْ

اصدحي يُصِغ لنا قلب الزمنْ

ردّدي الأنغامَ من وحي الشجَنْ

رجّعي ما شئت من أغنيةٍ

تصف الأشجانَ في نفس الشَّجِنْ

حدِّثي أختاه عن ذاك الأملْ

حين كان الكون في طيِّ الأزلْ

كان في عمياءَ لا نعرفها

نحن فيها كالمعاني في الجُملْ

حين كان الله في عليائهِ

يسمع التقديسَ من أنوارهِ

وحدةُ الكون جمال الأولِ

مظهر التنزيه في إظهاره

حين، لا حين ولكن صانعٌ

جلّ ذاتًا عن خفيات الفِكرْ

إنما الحين سرابٌ خادعٌ

خُلَّبُ البرق له أجلى أثرْ

قالتِ: اسمعْ يا نديمَ السهرِ

همسةَ الأصداء من رجع الحنينْ

آهِ! لو أسطيع أن يُؤْذَنَ لي

لسمعتَ اللحن فياضَ الأنينْ

نفثةُ الشعر على قيثارتي

وحديثي صادق الوحي يقينْ

إنما الأمر عَماءٌ غامضٌ

لا تُجلِّيه عميقاتُ الظنونْ

لا، ولا هذي العقول النائرهْ

في فيافي الفكر تهذي هاذرهْ

هذه الذرات تمشي حائرهْ

سابحاتٍ في فضاءٍ عاثرهْ

عابساتٍ في وجومٍ ثائره

أين؟ لا أينَ، ولكن سائره

من سماء الله جاءت حادره

عن معمَّى الكون تجلو سافره

تسمع الآلامَ منها والأسى

تقرأ الآمال عنها والمنى

وهي كالأحلام في قلب الدجى

وهي مزجٌ من قنوطٍ ورجا

مُطْفِلٌ فارقَ عينيها الْكَرَى

زادها الوجدُ التياعًا وجوى

ورثت أطفالَها كهفَ النوى

حين ضلَّت عنه لا تدري المدَى

رنّةٌ في هزمها تحكي الأثيرْ

أصل هذا الكون من نفح العبيرْ

سرُّ هذا أنها

عزفُ الضميرْ       

بلحونٍ مثل أنّات الأسيرْ

زهرةٌ لاحت لنا في السَّحرِ

من بديع الزهر كانت أملا

قالتِ: اسمعْ، لا تكن تحت السَّما

بل سُموًّا فوق أطباق العُلا

آثاره:

القرآنيات :

•    ـ «القرآن الكريم: هدايته وإعجازه في أقوال المفسرين».

•    ـ «نحو منهج لتفسير القرآن».

•    ـ «رد مزاعم رسالة في قراءات القرآن».

•    ـ «سنن الله في المجتمع من خلال القرآن».

•    ـ «من رياض القرآن».

•    ـ «الأمة الإسلامية كما يريدها القرآن».

•    ـ «موقف الإسلام من المخترعات الحديثة».

التفسير :

•    ـ «تفسير سور: التوبة والروم ولقمان والسجدة».

•    ـ «شرائط تسجيل تليفزيونية».

•    نفحات الإنعام في تفسير سورة الأنعام». مخطوط .

المحمديات :

•    سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم   .

•    ـ «محمد من نبعته إلى بعثته».

•    ـ «عظمة محمد في رسالته».

التراجم :

•    ـ «قادة الفكر في تاريخ الإسلام».

•    ـ «عثمان بن عفان».

•    ـ «خالد بن الوليد».

•    ـ «حجة الإسلام الغزالي: المفكر الثائر».

الفلسفة والاجتماع والتصوف :

•    ـ «الموسوعة في سماحة الإسلام».

•    «الدين منبع الإصلاح الاجتماعي».

•    ـ «التصوف في الإسلام: منابعه وأطواره».

الأدب :

•    ـ «الأدب بين القديم والحديث».

•    ـ «بيني وبين الأستاذ محمد فريد وجدي : الحياة الأدبية عند العرب قبل الإسلام».

•    ـ «النقد الأدبي عند العرب».مخطوط .

ــ 28 ــ

حصل الشيخ محمد الصادق عرجون على جوائز أدبية في شبابه ، كما حصل على جائزة رابطة العالم الإسلامي عن كتابه «محمد رسول الله.. منهج ورسالة» .

ونوقشت عن أعماله رسائل علمية :

•    نال سعد الغرباوي رسالة بكلية أصول الدين جامعة الأزهر تحت عنوان محمد الصادق عرجون وجهوده في الدعوة إلى الله‏ .

•    ونال غانم سعيد محمد غانم رسالة بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر تحت عنوان محمد الصادق عرجون أديبا‏.‏

[ موضوع المدونة بالتفصيل في كتاب الدكتور محمد الجوادي : الأزهر الشريف و الإصلاح الاجتماعي و المجتمعي ، دار الكلمة ، القاهرة ، ٢٠١٤]

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لماذا كان مستحيلا أن يقود عبد الناصر حرب العبور؟

ماذا لو أننا تصورنا شخصا آخر مكان أنور السادات في منصب القائد ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com