الرئيسية / المكتبة المرئية / أخرى / الشيخ محمود خطاب السبكي وعبقرية الإصلاح الاجتماعي والمجتمعي بفكرة التعاون

الشيخ محمود خطاب السبكي وعبقرية الإصلاح الاجتماعي والمجتمعي بفكرة التعاون

ــ 1 ــ

يعرف الشيخ محمود خطاب السبكي ١٨٥٧- ١٩٣٣ في التاريخ المعاصر بأنه مؤسس الجمعية الشرعية وهي أكبر جمعية دينية إصلاحية واجتماعية غير مشتغلة بالسياسة، كما أنها بلا جدال أعظم مؤسسة تعاونية مصرية طيلة القرن العشرين وحتى الآن.

ينتمي الشيخ محمود خطاب السبكي إلى الجيل الوسط من العلماء الذين ولدوا وعاشوا فيما بين جيل الشيخ محمد عبده وزملائه، وجيل تلاميذه الشيخ المراغي وزملائه، وقد توجه في دعوته وفكره إلى إعلاء مجموعة من الأفكار النبيلة غير المتناقضة حتى تبلورت فكرته في إنشاء جمعية شرعية تعاونية أعلت من شأن عقيدة التوحيد على نحو ما فهمها، لكنها امتازت عن كل الجمعيات الإسلامية بالإيمان بفكرة التعاون وتطويرها على نحو غير مسبوق بما خدم قضايا التنمية والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي على نحو عصري أبان عن سعة أفق الإسلام شريعة وعقيدة.

ومن الحق أن أشير في بداية هذا الباب إلى فضل كبير للدكتور محمود الطيب في ترجمته لكثير من مراحل حياة الشيخ محمود خطاب السبكي.

ــ 2 ــ

اسمه بالكامل علي طريقة القرن الذي نشأ وتعلم وتخرج فيه : أبو محمد محمود ابن محمد بن أحمد بن خطاب السبكي الأشعري المالكي الخلوتي . وهو يوصف عند محبيه بأنه الفقيه المحدث المفسر الثقة الثبت ناصر السنة وقامع البدعة، المرشد الإمام الكبير.

ولأنه ينتسب إلى الأشراف من ناحية والدته فإن نسبها المثبت أنها هي السيدة آمنة بنت محمد بن حسين، و ينتهي نسبها إلى الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين ابن سيد الشهداء الحسين.

ــ 3 ــ

ولد الشيخ محمود خطاب السبكي ونشأ في بلدة سبك الأحد الشهيرة إحدى قري مركز أشمون التابع لمديرية المنوفية سنة 1274هـ (1857م)، وفي المنوفية سبك أخري هي سبك الضحاك .

وأتيح للشيخ محمود خطاب السبكي أن يبدأ حياته الروحية بالتصوف حيث عرف الشيخ أبا محمد أحمد بن محمد جبل السبكي، الخلوتي، واشتغل بذكر الله، والصوم بالنهار، وقيام الليل، وانصرف للعبادة ، ثم أذن له شيخه السبكي أن يرشد المريدين إلى الطريق القويم.

ــ 4 ــ

نشأ الشيخ في بيئة كريمة ، كان والده سيدًا في قومه، ذا بسطة في الرزق والجسم، محببًا بين عشيرته وعارفي فضله ، وورث ابنه منه الكرم والنبل والشجاعة وعلو الهمة.

ويروى في ترجماته العائلية أن والده أنجب ستة ذكور، كل اثنين من سيدة فُضْلى، فكان يبعث واحدًا للتعليم الأولي، ثم لتلقِّي العلم بالأزهر ، و يستبقِي الآخر يعمل معه في مزرعته الفسيحة الخصبة، ويعاونه على أعماله الأخرى. وكان من حظ الشيخ أن يبقى بجانب والده وقد وكل إليه والده رعاية غنمه فظهرت يقظته النادرة وعزيمته الوثابة، وحسن سياسته وكياسته، ثم عهد إليه بإدارة أمور الخيل التي كان يملكها؛ «فساس الجَموح منها مرة بالشدة وآونة باللين؛ فاستحال ذلولًا منقادًا» .

وبالإضافة إلى هذا أتقن الشيخ محمود خطاب السبكي مجموعة من المهارات الحرفية : النجارة، والحياكة، و البناء، و الزارعة ، والصيد وكان لا يخطئ الرماية، ويصل حب أتباعه له أن يقولوا عنه : انه كان «يصيب الطائر السريع سابحًا في جو السماء فيخر صريعًا، وأنه في الليل البهيم يصيد طيورًا معتمدًا على سماع صوتها» .

ــ 5 ــ

وظل الشيخ محمود خطاب السبكي يساعد في إدارة أملاك أبيه إلى أن بلغ سن العشرين ،وقد تعلم القراءة والكتابة في زمن يسير، وحين طلب فجأة للتجنيد في سن العشرين(عند ما حدث من تغير في قواعد التجنيد) ذهب به أخوه إلى الأزهر في محاولة للهروب به من وجه السلطات لكنه بإذن ربه سبحانه وتعالى تعلق بالعلم وأهله ، وبالدراسة في الأزهر ومجاورته ، وأخلص في التلقي والاستيعاب على النحو الذي سنقرأه مفصلا في نهاية هذا الباب .

ولما التحق بحلقات الأزهر الشريف، تلقى العلم على مشاهير علماء عصره، وكان من أساتذته : شيخ الأزهر شمس الدين الأنبابي الشافعي .والشيخ سليم البشري المالكي.والشيخ أحمد الرفاعي المالكي.والشيخ إبراهيم الظواهري الشافعي وهو آخر شيخ للجامع الأحمدي قبل النظام الحديث .

وكان في أثناء طلبه العلم يواصل العمل بالوعظ والإرشاد على نحو ما كان قد تربي وأدى .

ــ 6 ــ

نال الشيخ محمود خطاب السبكي شهادة العالمية بتفوق ، وقد احتفظت لنا ترجمة الشيخ المشهورة في أدبيات الجمعية الشرعية بتفصيلات امتحانه للعالمية :

«وفي يوم الأربعاء، اليوم التاسع والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف (1313هـ) 15 من يناير سنة 1896م أدى الشيخ الامتحان أمام اللجنة المكونة من حضرات أصحاب الفضيلة الأساتذة الأجلاء: الشيخ حسونة النواوي شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية، والشيخ بكري عاشور الصِّدفي، والشيخ عمر الرافعي الحنفيين، والشيخ أحمد الرفاعي، والسيد علي الببلاوي المالكيين، والشيخ محمد حسين الإبريري، والشيخ سليمان العبد الشافعيين، ولقد كان إعجاب اللجنة به عظيمًا، وسرورها فائقًا، وجاوز الشيخ الميدان ظافرًا منصورًا!!» .

ــ 7 ــ

هكذا حصل الشيخ محمود خطاب السبكي على العالمية بجدارة وتفوق ، و عمل بالتدريس بالأزهر مع مواظبته على ما كان قد نذر نفسه له من الوعظ وتوجيه المسلمين إلى ما اعتبره الطريق القويم، و قام بدعوته في إحياء السنة وإماتة البدعة .

وقد أخد عنه العلم كثير من علماء عصره ، كان من بينهم الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر، والشيخ فتح الله سليمان رئيس المحكمة الشرعية العليا، والشيخ عبد السلام البحيري عضو المحكمة الشرعية العليا، والشيخ علي محفوظ الأستاذ بكلية أصول الدين، والشيخ سليمان نوار عميد كلية اللغة العربية، والشيخ محمود الغمراوي المفتش بالجامعة الأزهرية.

أما دروسه الدعوية فكانت حافلة بالذين اتبعوا سبيله في الجمعية الشرعية الذين كانوا يفدون للتعرف عليها.

وقد وصف أحد محبيه نشاطه في هذه الفترة فقال:

«بعدٍ أن نال الشيخ إجازة التدريس عُنِيَ جد العناية في دروسه التي كان يلقيها في الأزهر المعمور وغيره على مئات الطلاب ببيان البدع الفاشية والخرافات المضلة، محذرًا الناس ،وبخاصة ذوي العلم، من ارتكابها والسير في طريقها المعوجة، مرشدًا إلى العمل بهدي الرسول الأمين، وصحبه الطيبين الطاهرين، وبهذا تبين لكثير من أهل العلم أن ما يرونه محيطًا بهم من البدع والمنكرات في المساجد وسواها، لا يتفق ومبادئ الدين الحنيف، وأنهم مسؤولون أمام الله تعالى بتفريطهم وسيرهم في طرقاتهم، والعامة من ورائهم يعملون ويقدسون كما عملوا وقدَّسوا.

ــ 8 ــ

وقد ظل الشيخ محمود خطاب السبكي محتفظا بوظيفته الحكومية في الأزهر الشريف إلى ما بعد الستين بكثير، وفي سنة 1931م أحيل إلى المعاش في مذبحة الأزهر حيث انعقد مجلس الأزهر الأعلى في الخامس من جمادى الأولى سنة 1350هـ الموافق 17 من سبتمبر سنة 1931م، ليقرر ما أسميته ولا زلت أسميه مذبحة الأزهر التي بلغ فيها عدد المحالين إلى المعاش والمفصولين من الأزهر والمعاهد الدينية سبعين عالمًا ، واشتغل الشيخ بعد ذلك بالعلم والتأليف إلى أن توفاه الله بعد هذه المذبحة بأقل من عامين.

ــ 9 ــ

نأتي إلى أعظم أعمال الشيخ محمود خطاب السبكي وهو تأسيسه للجمعية الشرعية ، وينبغي هنا أن نشير إلى حقيقة مهمة لم يشر إليها أحد من تلاميذه ولا من مؤرخي الجمعية وهي أن العالم كان يشهد في ذلك الوقت ازدهار فكرة التعاون والتعاونيات كمنهج اقتصادي اجتماعي واعد ، وأن سعة اطلاع الشيخ وطموحه وتأمله كل أولئك دفعه إلى استكشاف فكرة التعاون الأصيلة في الإسلام ومنهجه الاجتماعي والإصلاحي والاقتصادي ، وهكذا هداه له إلى أن يجعل التعاون مظلة لرسالته التربوية والإصلاحية التي كان قد سار فيها خطوات واسعة بالفعل.

و في سنة 1912م ( حين كان في حدود الخامسة والخمسين من عمره ) أسس الشيخ محمود خطاب السبكي الجمعية الشرعية، ووضع لها قانونها وأغراضها ونظامها , وتولى رئاستها، وجذب إلى دعوته النابهين من علماء الأزهر وطلابه ، ومن تجار الخيامية ، و من رجال بلدته ، وأتبع دعوته الإصلاحية بالعمل الجاد المثمر فأنشأ مصنع المنسوجات و شركة المنسوجات الوطنية بادئا نواة للاستقلال الاقتصادي ،وتشغيل الأيدي العاملة .

ومن خلال هذه الجمعية نجح الشيخ محمود خطاب السبكي في إنشاء عدد كبير من المساجد في مختلف مدن القطر المصري .

 وقد انتشرت الجمعية في خارج مصر وأصبح لها فروع في الشام، والسودان أيضا.

ــ 10 ــ

وتشير أدبيات الجمعية إلى أنها تأسست في يوم الأربعاء غرة المحرم سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف (سنة 1331هـ) 11 من ديسمبر سنة 1912م باسم «الجمعية الشرعية، لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية» .

و كانت مواد قانون الجمعية ترشد بوضوح ودقة إلى عملي الدنيا والآخرة ، وتدعو إلى الحسنيين.

وقد سارت الجمعية على هذا القانون بإشراف مجلس إدارتها تحت رئاسة الشيخ ، وكانت حسب وصف كتابها المجيدين تتقدم باطراد في كل عام بفضل رجالها الذين صفت نفوسهم، واعتمدوا على بارئهم في جميع شؤونهم، يفرون من الكسالى المتعطلين والخاملين فرار السليم من الأجرب، وإذا فتشت بين صفوفهم فلا ترى متسولًا ولا متسكعًا؛ بل ترى كل من انضم إلى هذه الجماعة قد شق لنفسه طريقًا في الحياة يسلكه إلى عمل مشروع، شأن المسلمين في صدر الإسلام.

أثبتت الجمعية الشرعية نجاحات متعددة كان في مقدمتها نشاط وعاظها الذين اختارتهم من بين أفرادها المثقفين المدربين؛ للقيام بتعليم العامة أصول الدين وفروعه في دروسهم ومحاضراتهم، لا يفترون عن غرس مبادئ الدين الصحيحة في نفوس إخوتهم المؤمنين، وكان شعارهم أن اللين رائدهم، والرفق حليفهم، والموعظة الحسنة ديدنهم، والحكمة وسداد الرأي قبلتهم، سمحاء حنفاء، لا مشددين ولا معسرين ولا متنطعين ولا رجعيين.

ــ 11 ــ

تولت الجمعية إنشاء مساجد عديدة في مدن الجمهورية وقراها، وفي مقدمتها المسجد الكبير بالقاهرة (في عطفة الشيخ السبكي بشارع الخيمية على مقربة من باب زويلة «بوابة المتولي» وجامع الوزير طلائع بن رزيك الأثري)، وكان الفراغ من بنائه وتنسيقه سنة 1342هـ .

وعرفت الجمعية بكثير من مشروعات تنموية أخذت تقوم بها في المجالات الاجتماعية و الطبية و التعليمية، ومن هذه المشروعات التي أثبتت ريادة فيها:

•    تشغيل أمهات الأيتام .

•    إنتاج وتوزيع الخبز بالمجان .

•    قوافل الخير .

•    مشروع تربية رؤوس الماعز.

ــ 12 ــ

وننتقل الآن إلى الإنتاج العلمي للشيخ .

عرف الشيخ محمود خطاب السبكي بكتابه : «المنهل العذب المورود» الذي شرح فيه كتاب «سنن الإمام أبي داود». وقد وصل في شرحه إلى باب ( الهدى من كتاب المناسك ) متمما عشر مجلدات من شرح كبير حافل عني فيه برجال السند وطرق الحديث وبيان مذاهب الفقهاء بالدليل غالباً ؛ وصف بأنه لا نظير له في بابه , ويعد أكبر شرح على السنن متداول بين أيدي العلماء والطلاب .

 وقد استكمل ابنه العلامة الشيخ أمين بن محمود السبكي جهد والده في أربعة مجلدات أسماها «فتح الملك المعبود» ، وصل فيها إلى آخر ( كتاب الطلاق ) من سنن أبي داود , ولعل الله سبحانه وتعالى يقيض لهذا الكتاب المفيد من يتمُّه .

وصف شرح الشيخ محمود خطاب السبكي للسنن بأنه مشابه لطريقة العيني في عمدة القاري حيث يطيل في التراجم ويتوسع في شرح الكلمات ويهتم بوصل ما علقه أبو داود

ويقال أيضا : أن منهج الابن الشيخ أمين مقارب لمنهج الأب إلا أن الأب أطول نفساً .

وقد اعتنى الشيخ مصطفى بيومي بوضع فهارس للعشرة أجزاء المطبوعة من «المنهل العذب المورود» ، وسمي كتاب الفهارس هذا «المفتاح» ، وقد طبعت هذه الفهارس أيضا .

ــ 13 ــ

قدّم الشيخ محمود خطاب السبكي لشرحه بمقدّم موجزة بيَّن فيها سبب تأليفه, ومنهجه فيه فقال :

«… لما شرعتُ بعون الله تعالى وتيسيره في قراءة سنن الإمام الورع الثبت الحجّة أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (في ربيع الآخر من سنة 1343 ثلاث وأربعين وثلثمائة وألف هجريّة) ، وكانت نُسخ ذلك الكتاب نادرة الوجود, وقد صعُب على الطلبة اقتناؤها, أردتُ طبعه ليسهل الحصول عليه, ويعمّ النفع به, فطُلب منّي أن أكتب عليه شرحاً يكشف عنه النِّقاب, ويوضّح ما فيه للطلاب, إذ لم يكن مشروحاً شرحاً وافياً, فشمّرتُ عن ساعد الجدّ والاجتهاد, واستعنتُ بالملك المقتدر الهادي إلى سبيل الرشاد, وشرحته شرحاً واضحاً غاية الإيضاح:مفصِحاً عن معانيه كل الإفصاح.وتَوخَّيتُ فيه تأييد الحقّ, وقوَّيته حسبما وصل إليه الجهد، وسمّيتُه: المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبي داود» .

«وقد عنيت فيه ببيان تراجم رجال الحديث. وشرح ألفاظه, وبيان معناه.وما يُستفاد منه من الأحكام والفوائد.مبيِّناً أوجه الخلاف, وأدلّته إن كان» .

«ثمّ أذكر مَن أخرَج الحديث غير المصنِّف؛ سواء كان من الأئمة الستّة أم غيرهم.وأبيّن حاله من صحّة أو حُسن أو غيرهما .سالكاً في ذلك سبيل الإنصاف, متنكِّباً طريق الاعتساف».

«ولإتمام الفائدة بدأتُ بذكر مقدّمة تشتمل على : نبذة من مصطلح الحديث.وعلى ترجمة المصنِّف وتلاميذه.وبيان النُّسخ المرويَّة عنه.وأسانيد روايتي هذه السنن عن المصنِّف.وأسأل الله تعالى أن يجعله عملاً مقبولاً لديه ، خالصاً لوجهه الكريم, ولا اعتماد في شيء إلا عليه» .

ــ 14 ــ

 والحق أن الشيخ محمود خطاب السبكي نجح في التعريف بسنن أبي داود كما عرَّف به أيضا، وبطريقته في السّنن, وتميز كتابه بمنهجية واضحة:

•    يأتي أولاً بما يعرفه عن رجال الحديث منبهاً على اختلاف الروايات من زيادة ونقصان .. أو نحو ذلك حسب طاقته ومعرفته .

•    يعني بضبط الأسماء واللغات

•    يبين معنى الحديث, ومأخذ كل مذهب مع استيفاء ذلك من المصادر الموثوق بها , وفي هذا الباب كان يأتي بالفوائد الفرائد التي لا يفضله فيها أي شرح آخر مطبوع على سنن أبي داود .

•    يلخِّص ما ذكره في الباب السابق تحت عنوان: «فقه الحديث» .

•    يعرف بمَن أخرج الحديث, وفيه يأتي بغرر النقول من كلام أئمة هذا الشأن

•    يعتني بتحرير المسائل التي اشتهر الخلاف فيها .

وقد توسع الشيخ محمود خطاب السبكي جدا في هذا الأسلوب الذي اتبعه في الجزء الأول ؛ أما في الأجزاء الباقية فقد لزم بعض الاختصار .

وقد طبع الكتاب في مطبعة الاستقامة، بالقاهرة، سنة: 1351 هـ .

ــ 15 ــ

ألف الشيخ محمود خطاب السبكي كتبا كثيرة تتصل جميعها بالميادين الدعوية :

–     أعذب المسالك المحمودية في التصوف والأحكام الفقهية (أربعة أجزاء).

–     حكمة البصير على مجموع الأمير، في فقه الإمام مالك (أربعة أجزاء).

–     الدين الخالص، أو إرشاد الخلق إلى دين الحق. في تسعة مجلدات

–     إصابة السهام فؤاد مَنْ حاد عن سنة خير الأنام.

–     الرسالة البديعة الرفيعة في الرد على من طغى فخالف الشريعة.

–     العهد الوثيق لمن أراد سلوك أحسن طريق.

–     النصيحة النونية في الحث على العمل بالشريعة المحمدية.

–     سيوف إزالة الجهالة عن طريق سنة صاحب الرسالة.

–     المقامات العلية في النشأة الفخمة النبوية.

–     السم الفعال في أمعاء فرق الضلال.

–     الصارم الرنان من كلام سيد ولد عدنان.

–     العَضْب المنظوم للذَّب عن سنة المعصوم.

–     الرياض القرآنية في الخطب المنبرية.

–     خلاصة الزاد لمن أراد سلوك سبيل الرشاد.

–     رسالة البسملة.

–     إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات.

–     محور الوصول إلى حضرة الرسول.

وهذه بعض الكتب لم ترد في الببليوجرافيا التي تضمنتها ترجمة الجمعية  الشرعية:

•    هداية الأمة المحمدية، خطب منبرية.

•    تحفة الأبصار والبصائر.

•    حاشية على الرسالة البديعة.

•    المقالة الشرعية للرئاسة الإسلامية.

•    غاية البيان.

•    العهد الوثيق.

•    النصيحة النونية.

•    تعجيل القضاء المبرم .

ــ 16 ــ

على الرغم مما هو معروف للعامة من أن الجمعية الشرعية جمعية سلفية ، وهو ما يستتبع بالمفهوم الشائع ألا تكون صوفية فقد كان الشيخ محمود خطاب السبكي من أعلام الصوفية في جيله، ولا نزال نرى اختلافا في آراء الكتاب الاسلاميين في صوفية الشيخ، و لهم العذر في ذلك لما كان معروفا من شدة تمسك الشيخ بالسنة، وما عرف أيضا عن أن الشيخ بلغ مبلغًا في الطريق أهَّله لأن يقوم مقامًا حاكمًا يدفع فيه انتحال المبطلين ، فلم يكن من شأن الشيخ إنكار التصوف أو الرجوع عنه ؛ بل كان من شأنه تصحيح أحوال أهل التصوف على الأصول والقواعد، التي قعَّدها الأئمة من قبله، وما أكثر هؤلاء الأئمة الذين صنعوا صنيعه.

بدأ الشيخ طريق التصوف على يد الشيخ أحمد بن محمد أبي جبل السبكي الخلوتي رحمه الله تعالى، ولقنه الشيخ الأوراد والأذكار، فاشتغل بذكر الله كثيرًا وجَدَّ في الطاعة، فكان يصوم النهار ويقوم من الليل مقبلًا على مناجاة ربه علام الغيوب في الأسحار، فلاحت عليه علامات السعادة؛ ومن ثم أدخله الخلوة، ومن ثم ألبسه الخرقة، فأفعم قلبه بالأنوار، واستنار سره بالأسرار، وصقلت مرآة قلبه بتوالي واردات التجليات العرفانية؛ فعاين الحقيقة كما هي في الحقيقة، ووقف على عرفات المعرفة، وفر إلى الحق مجيبًا إياه: لبيك لبيك لبيك. وأيقن شيخه أن غرسه آتى أُكُله بإذن ربه؛ فأجازه في طريق القوم، فتصدر لإعطاء العهود، وتلقين الأوراد، ونحو ذلك من شؤون الطريق، وكان عمر الشيخ يومئذ اثنين وعشرين ربيعًا.

ويذكر كذلك أنه اخذ عن أئمة الطرق الصوفية المختلفة ، فأخذ عن الرفاعية والشاذلية والنقشبندية والبيومية والأحمدية والإبراهيمية، وغير ذلك من الطرق المشهورة !! .

ــ 17 ــ

و للشيخ محمود خطاب السبكي أقوال في التصوف لابد لنا من أن نطلع القارئ على بعضها ، وهي أقوال رقيقة وموحية ، ومنها قوله :

«اعلم أن التصوف هو الجد في السلوك إلى ملك الملوك، مع الأخذ بالأحوط من الأحكام … ولذا قالوا: الصوفية قعدوا على الدعائم الأصلية ووقف غيرهم على الرسوم؛ ومن هنا فازوا فوزًا عظيمًا وبلغوا من الكمالات ما لم يصل إليه غيرهم، ولكن لا سبيل لك أيها الإنسان إلى ذلك إلا بمجاهدة النفس ليلًا ونهارًا بهمة قوية، كما أن التصوف هو الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرًا وباطنًا، فيرى حكمها من الظاهر في الباطن، ومن الباطن في الظاهر؛ فيحصل من الحكمين كمال لم يكن بعده كمال» .

«واعلم أن طلب الكمال من أشرف الخصال، والكمال هو التخلي عن الأوصاف الذميمة والتحلي بالأوصاف الحميدة» .

«تجرد من الشواغل الدنيوية كلها إن أمكن، أو بقدر ما يمكن؛ لأنك تريد الدخول في حضرة ربك التي هي كناية عن الإقبال التام على الله عز وجل، والإعراض عن كل ما سواه، حتى عن نفسك. وأنت جالس في مكان طاهر مظلم معظم مطيب بالروائح الزكية كجلوسك للصلاة، واضعًا يديك على فخذيك مغمضًا عينيك؛ لأنه بتغميض العينين تنسد طرق الحواس الظاهرة، وسدها يكون سببًا لفتح حواس القلب، لابسًا الثياب البيض الحلال المطيبات بالروائح البهية وكذا الفم والبدن، مبعدًا الراوئح الكريهة ، لأن الروحانيين لا يقبلون الروائح الكريهة، وبانقطاعهم عن مجلس الذكر ينقطع المدد، مستأذنًا أهل الطريق ورسول الله صلى الله عليه وسلم   والحضرة الإلهية في دخول حضرة الذكر، التي هي حضرة الله تعالى، جاعلًا خيال شيخك بين عينيك؛ ليكون رفيقك في السير إلى الله تعالى لا لكونه مقصودًا لذاته ؛ حتى يكون منافيًا للتجرد عما سوى الله، أو يكون إشراكًا في العبادة والعياذ بالله تعالى، خلافًا لما يتوهمه بعض القاصرين؛ فالمقصود هو الله تعالى وحده، واستحضار الشيخ إنما هو لتتحصل على مقصودك؛ لأن الوصول عادة لا يكون إلا بدليل، وإذا وجد الدليل لا يجد الشيطان له مدخلًا معك حتى يحولك عن الطريق؛ ولذا كان استحضار الشيخ من أهم الآداب» .

ــ 18 ــ

أختم هذا الباب بما وعدت به من رواية قصة تحول الشيخ من الزراعة والرعي وحياة الريف إلى طلب العلم على نحو ما توردها ترجمته المشهورة والمعهود روايتها عند اتباعه ، وقد آثرت ألا أتدخل في غزلها المنسوج على طريقة بديعة في الحب والأسلوب إلا ببعض الاختصارات الضرورية :

……………………………………………………………………

«…….. بدأ الشيخ حياته مزارعًا أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وبينما هو جالس ذات يوم في بستان أبيه إذ دخل عليه ابن عم له بيده لوح صغير به حروف الهجاء، فاشتاقت نفسه أن يتعلمها، فاتصل بمعلم القرية فكتبها له فقلد الإمام كتابتها، وما أعظم دهشة المعلم حينما رأى خط تلميذه اليافع أحسن من خطه، وما هي إلا أيام تعدُّ على الأصابع حتى صار الشيخ السبكي يُجيد الكتابة والقراءة» .

«ثم تاقت نفس الشيخ إلى الرحلة لتلقي العلم في الجامع الأزهر المعمور، وبينما هو يناجي مولاه سَحَرًا، جدَّ في الدعاء طالبًا أن يمن عليه المنعم الوهاب بمعرفة العلم ويسهل له طريقه» .

«وما مضى على دعائه أسبوع إلا وقد أُشيع بين الناس أن الحكومة التي كانت لا تجند أولاد العُمد، غيرت طريقتها؛ فأشار الشيخ خطاب ~ ، وهو الأخ الأكبر- على أبيه، أن يأخذه معه إلى الجامع الأزهر؛ ليتمكن من الحصول على شهادة المعافاة من الخدمة العسكرية بانتسابه إلى الأزهر. وهو – أي: الأزهر- إذ ذاك الحرم المكين مَنْ دخله كان آمنًا، وبعد أخذ وردٍّ سافر الشيخ مع أخيه الشيخ خطاب العالم الجليل» .

«وما كادت عينه تبصر السادة العلماء، وبين أيديهم تلامذتهم، حتى تملك هذا المنظر سويداء قلبه، واستولى على مشاعره كلها، وأخذت الآمال تملأ جوانحه حتى فاضت على لسانه؛ إذ فاتحه أخوه الشيخ خطاب في الذهاب إلى أستاذ كبير يُشَار إليه بالبنان (المرحوم الشيخ حسن العدويِّ) وكانت بينهما صداقة وثيقة؛ ليسهل له شهادة المعافاة، فيعود على جناح السرعة إلى والده مخفِّفًا عنه هذا العبء الثقيل من أعماله، إذ كان يقوم بأوفر قسط منها؛ فقال الشيخ محمود : هيهات!! وكيف أترك هذه الضالة المنشودة، وهل أضيع على نفسي مأربها وبغيتها؟ لا بد من الانضمام إلى هذه الأسرة الدينية؛ لأكون فردًا منها، ولا بدَّ من الجلوس بين هذه الحلقات العلمية ردحًا من الزمن، مفارقًا تلك الحلقات الريفية، مترحمًا على الأيام الطويلة التي قضيتها بين ذويها وأترابها!!» .

«دهش كل الدهش أخوه؛ إذ يراه قد جاوز العقد الثاني من عمره، فأصبح طلب العلم عليه غير هين؛ وأدرك الشيخ محمود هذا فقال: قد تسبق العرجاء : ﴿ مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [البقرة: 105]» .

«ثم أقبل الشيخ محمود على مطلوبه (أي هدفه) أيما إقبال، فكان في اليوم الواحد يحفظ قسطًا من كتاب الله تعالى، ومقدارًا من المتون الأزهرية على الطريقة المألوفة إذ ذاك، ويتردد على حلقات العلم يتزود منها ما شاء الله، ومضى عليه نصف عام كامل، فهل يدور بخلدك أن هذا التلميذ الناشئ، في مُكنته أن يكون أستاذًا لمبتدئين يتلقون عنه دروس العلم في المساء، ويشرف علي بعض المعلمين المعجبين بذكاء ابن الريف المتقدم في سنه!!

«وما زال مجدًّا مواصلًا ليله بنهاره، غير مقتصر على أن يملأ مخيلته بالمسائل العلمية يردِّدها لسانه؛ بل وضع نُصْب عينيه العمل بما يتطلبه العلم، موقنًا أن الطالب لذلك هو الله تعالى ورسوله، شاعرًا أن وراءه أبناء الحلقات الريفية، وهم الذين خيم الجهل عليهم فما يدرون حلالًا ولا حرامًا، وما يفرقون بين وليٍّ ولا نبي!!وهؤلاء لا بد أن تجمع الأيام بينه وبينهم، فتنقلب هذه الحلقات الدنيوية حلقات دينية، يرى المجتمعون فيها من كان على شاكلتهم أضحى لهم معلمًا، ومعلم هذه الطبقات ترمقه عيونهم، وتصغي إلى قوله آذانهم، فإن عمل بما أرشدهم إليه التفوا حوله وقدسوه، وإن اعوجّ انفضوا من حوله واحترزوه» .

«لبث الشيخ يتلقى عن أساتذته الأجلاء بالجامع الأزهر المنير، ويلقي في أوقات فراغه دروسًا شتى على بعض الطلاب، ويرشد أبناء الريف إذا ما رجع إليهم. فكان أزهريًّا بين الأزهريين، وواعظًا مرشدًا بين الريفيين، وما رضي الشيخ أيام طلبه العلم أن يتناول جراية من أوقاف الأزهر، ولا أن يدون اسمه بين دفاتره، وما كان شغله الشاغل إلا التفاني في العلم، والتحلي بالعمل، وهو ثمرة العلم!» .

«وخلال هذه الفترة، أشار عليه أحد تلامذته أن يتقدم إلى الامتحان، لتعليم أبناء الأزهر ومن سواهم، بعد نيله الشهادة كيما يساير الناس؛ وهم يعتقدون أن العلم لا يؤخذ إلا ممن لديه هذه الشهادة، فانشرح صدره ووضع الرسالة وقدمها، وبعد البحث اتضح أن اسمه غير مدرج في سلك الطلاب، ولم تكن له مدة معلومة فلا يقبل طلبه، ولكن الله القدير يَسَّر له الصعاب!!» .

ــ 19 ــ

توفي الشيخ محمود خطاب السبكي يوم الجمعة الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 1352 هـ (7 يوليو سنة 1933 م). و دفن فيما سمي المقبرة الشرعية في قرافة باب الوزير. و يروى أنه في صبيحة يوم وفاته أطل على بعض تلامذته من نافذة حجرته، فناوله آخر ملزمة من الجزء السادس من شرحه لسنن الإمام أبي داود «المنهل العذب المورود»، كان الشيخ يصححها لترسل إلى المطبعة.

أما ذرية الشيخ فضمت خمسة من الأبناء المشايخ.

[ موضوع المدونة بالتفصيل في كتاب الدكتور محمد الجوادي : الأزهر الشريف و الإصلاح الاجتماعي و المجتمعي ، دار الكلمة ، القاهرة ، ٢٠١٤]

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لماذا كان مستحيلا أن يقود عبد الناصر حرب العبور؟

ماذا لو أننا تصورنا شخصا آخر مكان أنور السادات في منصب القائد ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com