الرئيسية / المكتبة الصحفية / #علي_أدهم.. مصباح متأنق في صحبة العقاد المتألق

#علي_أدهم.. مصباح متأنق في صحبة العقاد المتألق

يمثل الأستاذ علي أدهم (1897 ـ 1981) بالنسبة لي ولجيلي قيمة كبيرة فقد كان بمثابة نافذة جميلة مشرقة منيرة مطلعة على آداب الغرب كله لا فرق بين أدب وأدب، وإنما هو يطوف بنا في الآداب الإنجليزية والروسية والفرنسية والاسبانية وغيرها باقتدار وذكاء، وهو يناقش أفكاراً ذكية من قبيل فكرة تلاقي الاكفاء، وتاريخ التاريخ، ومحاورات رينان، والسياسة والأدب، ولماذا يشقي الإنسان، ومن قبيل فكرة الصور من الشرق والغرب. وهو مع كل هذا واع لحقيقة التقدم، وبعيد عن التحزب بل إنه مناهض للشيوعية وهذا شيء نادر في العصر الذي نشأنا فيه، فقد كان القبول بالشيوعية ونفاق مزاياها مبررا للقبول في مجتمع الثقافة الرسمي، وعلى حينكانت الدعوة إلى الشيوعية مبرراً للنجاح، فقد كان الاختلاف معها مدعاة للتربص من الشيوعيين الذين كانوا يسيطرون على كثير من المفاصل الثقافية والإعلامية، فما بالك بما كان الأستاذ علي أدهم يفعله من نقد لها يصل إلى حد التحقير في بعض الأحايين.

ومن الطريف الذي ينكره التاريخ أن الرئيس عبد الناصر أراد في بعض مراحله أن يشن حملة على الشيوعية وكان من أركانها في هذه الحملة زميله أمين شاكر الذي كان غربي الميول، والذي عرف بإصدار مجلة بناء الوطن وما إليها من المجلات والصحف، وقد نجح أمين شاكر في أن ينشر كتابا للأستاذ علي أدهم عن حقيقة الشيوعية، ولم يكن هذا إنجازاً ضخما لكن الإنجاز كان أن الرئيس عبد الناصر كتب مقدمة هذا الكتاب بنفسه، وظهر هذا على الغلاف بل إن بعض الطبعات تمادت في هذا الإثبات فكتبته بطريقة عناوين الصحف لا بطريقة عناوين الكتب، حيث كتبت في السطر الأول على اليمين من صفحة الغلاف: جمال عبد الناصر يقدم: ثم تلت ذلك بما يكون في الغلاف من وضع عنوانه في وسط السطر في وسط الصفحة ثم اسم المؤلف بعده. وكان الأستاذ علي أدهم يضحك كثيراً حين ينهال عليه الهجوم ويقول لماذا لا يهاجمون من قدم الكتاب كما يهاجموني.

فيما عدا هذا عاش الأستاذ علي أدهم حياة أدبية متألقة مترفعة عن الصغائر فكان نموذجا للمثقف الحضاري الذي ارتفعت الثقافة بأخلاقه وواكب هذا الارتفاع سموا أصيلا في أخلاقه وطباعه وتربيته. كان الأستاذ علي أدهم بلا شك ركنا ركينا من أركان ثقافتنا في اطلاعه وحكمه على زبدة الآداب العالمية وتقديمه لها، وأزعم أننا نفتقد الآن من يقوم بمثل دوره، كنت أحب ما يكتب، ولعلي قرأت كل ما كتب، وكنت سعيداً حين ألفت كتابي عن مجلة الثقافة أن فهرست أعماله فيها، وعاودت النظر في بعضها، ثم كان لي الحظ بأن أكتب المدخل الخاص به في أكثر من موسوعة، وها أنا اليوم أقدم عنه حديثا أكثر استفاضة وإن لم يكن وافيا بشخصيته العظيمة.

نقل الأستاذ علي أدهم إلى وزارة المعارف (1924)، وتذكر بعض المصادر أنه ظل فيها طيلة حياته الوظيفية، لكن الحقيقة أنه عمل وكيلا لإدارة الترجمة بوزارة المعارف، ثم نائبا لمدير إدارة الثقافة، ثم عمل مستشارا بالإدارة التابعة لمجلس قيادة الثورة


غني عن البيان أن علي أدهم كان من أبرز نجوم مدرسة العقاد الفكرية إذا جاز الوصف، وكان في قربه ومكانته من الأستاذ العقاد يوازي الشعراء عبد الرحمن صدقي ومحمد خليفة التونسي ومحمود عماد ومحمود غنيم، بل إنني سأعرض في هذه المدونة مقالا عظيما كتبه الأستاذ العقاد في 1947 يقدم به كتابين قيمين للأستاذين علي أدهم وعبد الرحمن صدقي وقد جمعهما معاً في مقال واحد. جمع الأستاذ علي أدهم منذ شبابه بين ثقافة عربية أصيلة، وثقافة إنجليزية معاصرة، وكان من أهم قراء الإنجليزية الذين تمكنوا من ترجمة ونقل ثمارها الفكرية للقارئ العربي، وقد تميز بأسلوب عربي جميل جمع بين الإبانة والبلاغة، ويعود الفضل في هذا إلى أنه تتلمذ مبكرا على مدرسة مجلة «البيان» التي أصدرها الأستاذ عبد الرحمن البرقوقي (1911)، وقد ظل طيلة حياته بعد ذلك مؤمنا بمبدأ تلك المجلة في «شرف الديباجة».

ارتبط لأستاذ علي أدهم بصلات ثقافية وثيقة بكل الجماعات التنويرية الرائدة في مجلة الرسالة ومجلة الثقافة ثم في وزارة الثقافة والإرشاد القومي عند تأسيسها على يد فتحي رضوان والدكتور حسين فوزي. وكان اسم الأستاذ علي أدهم من الأسماء اللامعة في سلسلة اقرأ وفي منشورات دار المعارف على وجه العموم، وكنا نقرأ له بعناية تقابل العناية التي كتب لنا بها، وقد تعلمنا منه أنا وزملائي من الأطباء أن نبحث عن فكرة حتى وإن لم تكن براقة، ثم نتولى تجليتها على نحو ما كان يفعل وعلى نحو ما بدأنا نفعل بعد هذا في بحوثنا الطبية، سواء تلك التي كنا ننجزها أو نشرف عليها، وإذا قيل إن هناك كاتبا من كتاب ذلك الجيل قدم لنا ما أثر في عقلياتنا العلمية (لا الأدبية ولا السياسية ولا العاطفية) بأكثر مما قدمه غيره فإنه هو الأستاذ علي أدهم الذي علمنا التتبع الحي للفكرة، والنقد الذكي لما في التراث الأدبي العالمي، بل إنه علمنا أن كل الأسماء العالمية اللامعة يجوز عليها أن تخضع لما نستطيعه نحن القراء من النقد والتقييم والمقارنة وهذا في حد ذاته فضل كبير.

نشأته وتكوينه وعمله
ولد الأستاذ علي أدهم بمدينة الإسكندرية في 19 يونيو 1897، وكان والده مصري المولد والنشأة، لكنه كان تركي الأصل، وكان واحدا من الشبان المتحمسين لانتصارات القائد العثماني الشهير أدهم باشا، فلما رزق بأول أبنائه سمّاه بالاسم المركب «علي أدهم» تيمنا بهذا القائد. تلقي علي أدهم تعليمه الابتدائي بمدرسة رأس التين وحصل على الشهادة الابتدائية (1911)، ثم التحق بالقسم الثانوي بالمدرسة نفسها، وكان من أساتذته بها الشاعر عبد الرحمن شكري، ثم انتقل علي أدهم إلى القاهرة (1915) ليستكمل دراسته الثانوية بالمدرسة الخديوية، وفيها حصل على البكالوريا (1916). وفي تلك الفترة تعرف الأستاذ علي أدهم علي الأستاذ العقاد صديق أستاذه الأول عبد الرحمن شكري. عاد الأستاذ علي أدهم إلى الإسكندرية (1918) حيث عين في وظيفة بمصلحة الجمارك، واستأنف صلته بأستاذه عبد الرحمن شكري، وواظب على حضور مجالسه الأدبية، وظل علي صلته الوثيقة به إلى أن اعتزل شكري الحياة الأدبية.


نقل الأستاذ علي أدهم إلى وزارة المعارف (1924)، وتذكر بعض المصادر أنه ظل فيها طيلة حياته الوظيفية، لكن الحقيقة أنه عمل وكيلا لإدارة الترجمة بوزارة المعارف، ثم نائبا لمدير إدارة الثقافة، ثم عمل مستشارا بالإدارة التابعة لمجلس قيادة الثورة في السنوات الأولي لها، ثم رئيسا لتحرير مجلة «الكتاب العربي»، كما أشرف على إصدار بعض السلاسل الثقافية مثل «أعلام العرب»، و«الألف كتاب»، و«تراث الإنسانية»، وقد شارك في إصدار سلسلة «اخترنا لك»، وفي أغلب إنجازات النشاط الثقافي في الستينيات. وتولي كما ذكرنا إعداد كتاب عن حقيقة الشيوعية كتب مقدمته الرئيس عبد الناصر، وكان هذا على نحو ما أشرنا سببا رئيسيا في أن فصائل اليساريين المثقفين لم تمنحه ما يستحقه من تمجيد.

موهبته ككاتب مقال
كان الأستاذ علي أدهم كاتب مقال من الطراز الأول، وقد بدأ منذ أوائل العشرينيات ينشر مقالات متميزة في «البيان»، و«الرجاء»، و«المفيد»، و«المشكاة» وغيرها. وقد مارس النقد الأدبي من خلال المقالات إذ كان قد بدأ ينشر نقده أول العشرينيات في «الدستور» التي كان يصدرها الأستاذ محمد فريد وجدي، ثم في «الهلال» و«الثقافة» و«الرابطة الإسلامية»، ونشر في مجلة «الثقافة» ما يزيد علي 350 مقالة. كان مقاله عن «صقر قريش» الذي نشره كمقال طويل في السياسة (1933) من أهم ما نبه الرأي العام في مصر إلى عظمة تلك الحقبة من التاريخ الإسلامي، وقد لقي من القبول ما جعله ينجز مجموعة تراجم أموية وأندلسية رائعة، وأظنه ألف كتابه عن الخليفة العباسي المنصور حتى لا يصنف محصورا في الأمويين.

كان ر الأستاذ علي أدهم قد أصدر أول كتاب له وهو ترجمة «محاورات رينان الفلسفية» (1929)، ثم جمع كثيرا من مقالاته ودراساته وفصوله في عدة كتب من أهمها: «بين السياسة والأدب» (1945)، و«ألوان من أدب الغرب» (1947)، و«على هامش الأدب والنقد» (1948)، و«لماذا يشقي الإنسان» (1961)، و«فصول في الأدب والنقد والتاريخ» (1979)، و«صور تاريخية»، و«صور أدبية»، و«بين الأدب والفلسفة»، و«الجمعيات السرية»، و«نظرات في الحياة والمجتمع».

جهده في كتابة التراجم
للأستاذ علي أدهم في سلسلة تراث الإنسانية أكثر من عشرين دراسة موسعة عن أمهات الكتب العالمية المعدودة من عيون التراث مع التعريف بمؤلفيها العظام، وتعد في مجموعها من أجمل وأرق الآثار الأدبية الناقدة للأدب والمعرفة به في العصر الحديث


كان الأستاذ علي أدهم من أفضل مَنْ كتبوا التراجم في جيله، وهو يقف في هذا الصف مع الأستاذ محمد عبد الغني حسن التالي له في الوفاة والميلاد ١٩٠٧- ١٩٨٥ وله في هذا المجال عدة كتب منها: «تراجم عظماء الإنسانية» ونوابع الرجال» وقد اشتهر بتراجمه لأمراء الدولة الأموية في الأندلس التي بدأها بكتاب «صقر قريش»، وهو ثاني كتبه علي الإطلاق وأول كتبه المؤلفة، وقد صدر سنة 1938 عن حياة عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية بالأندلس، و«منصور الأندلسي» (1944)، و«المعتمد بن عباد» (1962)، و«عبد الرحمن الناصر» (1972)، وترجمته للخليفة العباسي «أبو جعفر المنصور» (1969). وفي مجال التراجم الغربية أصدر ترجمته للزعيم الوطني الإيطالي متزيني (1952)، وله تراجم موجزة لكنها كاشفة عن «بوذا»، و«كونفشيوس»، و«مرقس أورليه»، و«جاريبالدي»، و«شخصيات تاريخية من سقراط إلى راسبوتين»، و«بعض مؤرخي الإسلام»، و«مزيني»، و«تلاقي الأكفاء».

فكرة المقارنة بين الأعلام
ارتاد الأستاذ علي أدهم نوعا آخر من كتابة التراجم في كتابة «تلاقي الأكفاء» (1944)، وفيه قارن بين «نابليون وتاليران»، وبين «فولتير»، و«فردريك الأكبر»، و«أبو جعفر المنصور»، و«أبو مسلم الخراساني»، وفي طبعة ثانية (1977) أضاف فصولا جديدة قارن فيها بين «جوته وشيلي»، وبين «تولستوي وأبو العلاء»، و«ابن خلدون وتيمور لنك». وتندرج في إطار كتابة التراجم بأسلوب أكثر تركيبا وفنية ترجمته لمحاورة سلفادور دي مادارياجا التي دعاها «روضات الفردوس» (1949)، وهي محاورة متخيلة بين فريق من عظماء التاريخ استدعاهم المؤلف من رقادهم الأبدي للنظر في مشكلات العالم في العصر الحديث، وقريب من نهج هذه المحاورة وضع الأستاذ نجيب محفوظ كتابه «أمام العرش» الذي تدارسناه ضمن ما تدارسنا في كتابنا “في ظلال السياسة”.

أعماله المترجمة
واصل الأستاذ علي أدهم الخط الذي كان قد بدأه في 1929 في نقل روائع من أدب الغرب في مجال القصة، ومن الطريف أن كتابه «الخطايا السبع» (1943) يضم نخبة من القصص العالمي، وقد صدرت مجموعاته الأخري بعنوان «فيراتا أو الهارب من الخطيئة» عن ستيفان زفايج (1948)، و«صديق الشدة وقصص أخري»، وقد راجع ترجمات عدد من الكتب يناهز الخمسين كتابا. وله من الترجمات، أيضا، بالإضافة إلى كتابه الأول عن محاورات رينان: «قصة رينيه لشاتوبريان»، و«مستقبل روسيا». كذلك فقد كانت الدراسات السياسية من أبرز اهتمامات علي أدهم، وله في هذا المجال دراسات متعددة نشر بعضها في كتب مستقلة، مثل «المذاهب السياسية المعاصرة»، و«الجمعيات السرية»، و«حقيقة الشيوعية والاشتراكية»، و«الفوضوية» وغيرها.
اعلان


تعريفه بأمهات الكتب العالمية
وللأستاذ علي أدهم في سلسلة تراث الإنسانية أكثر من عشرين دراسة موسعة عن أمهات الكتب العالمية المعدودة من عيون التراث مع التعريف بمؤلفيها العظام، وتعد في مجموعها من أجمل وأرق الآثار الأدبية الناقدة للأدب والمعرفة به في العصر الحديث. ومما لا يعرفه كثيرون لأنه لم يعلن على نحو صريح أن مكتبة الأسرة بدأت بالاعتماد على سلسلة تراث الإنسانية حيث أصدرت فصول هذه السلسلة في كتب صغيرة، وكان هذا الحل العملي تطويرا لفكرة اقترحتها بنشر محاضرات المجمع المصري للثقافة العلمية منذ تأسيسه في ١٩٢٩.

مقال الأستاذ العقاد في الثناء على أحد كتبه
كتب الأستاذ عباس محمود العقاد مقالا في مجلة الرسالة في ٨ ديسمبر ١٩٤٧ عن كتابين جديدين لاثنين من أقرب تلاميذه إليه وهما الأستاذان علي أدهم وعبد الرحمن صدقي، ومع أننا في معرض الحديث عن الأستاذ على أدهم فإن جمع الأستاذ العقاد بين صديقيه في هذا المقال لا يمكن القفز عليه، فهو يقدم فيه جمعا شائقا بين الرجلين العظيمين يجدر بنا أن نطالعه، قبل أن ننقل آراء الأستاذ العقاد المنصفة للأستاذ على أدهم وثناءه الجم عليه.

مقارنة الأستاذ العقاد بين صديقيه
يقول الأستاذ العقاد: “الأستاذان علي أدهم وعبد الرحمن صدقي أديبان من جيل واحد، أحدث سناً من جيل أدباء الشيوخ، وأكبر سناً من جيل الأدباء الناشئين. فهما قد نشا في إبان النهضة الأدبية الحديثة التي قامت على أسسها الطبيعية وأسبابها المعقولة، وهي الأسباب التي أشار إليها الأستاذ علي أدهم في مقدمة كتابه (ألوان من أدب الغرب) فقال إنها تتلخص على الأغلب الأعم في تلاقي ثقافتين. “فالأدب اليوناني القديم لم ينهض إلا بعد احتكاكه بثقافة قدماء المصريين، والأدب الروماني لم يستكمل نضجه إلا بعد احتكاكه بالأدب اليوناني، والأدب العربي نهض نهضته المعروفة وتعددت مناحيه واتسعت آفاقه بعد احتكاكه بالأدب الفارسي والثقافة اليونانية والرومانية، والأدب المصري الحديث يسير الآن في طريق النهوض والتسامي باحتكاكه بالثقافة الغربية خاصة وسائر الثقافات العالمية عامة”.

“ومن مزايا هذه النهضة التي نشأ الأديبان معاً في أبانها أنها جمعت ذخيرتها من احتكاك الثقافات، فكان لأدبائها زاد من الأدب الأوروبي عامة والأدب الإنجليزي خاصة، فاستفادوا صحة الأسلوب وجودة اللغة، واستفادوا سعة الموضوعات ودقة الأداء، وسلموا من اللوثة الأخيرة الهوجاء التي أعقبت جيلهم أو اندفعت في طريق هي أقرب إلى التفانين أو (التقاليع) كما نقول في لهجتنا البلدية، مع قلة الزاد من اللغة وقلته من الاطلاع”.

“والأديبان على نشأتهما في جيل واحد، يتجه كل منهما حيث تهديه سليقته ويسلك به مزاجه وملكات طبعه. فالأستاذ علي أدهم أقرب إلى منزع البحث والتفكير والدراسات والفلسفية التاريخية، والأستاذ عبد الرحمن صدقي أقرب إلى منزع الأدب والشعر والدراسات الفنية، وليس أدل على السليقة المنتظمة من أن ترى كليهما يثبت معالم هذا الاستعداد في كل أثر يخرج من قلمه ولو كان في حيز المقالة القصيرة، فضلا عن البحوث المطولات، وهكذا كانا في كتابيهما الأخيرين اللذين ظهرا على التوالي منذ أسابيع. صدر كاتب الأستاذ علي أدهم ألوان من أدب الغرب ثم تلاه كتاب الأستاذ عبد الرحمن صدقي (ألحان الحان) أو سيرة الشاعر العباسي أبي نواس”.

ثناء الأستاذ العقاد على كتاب ألوان من أدب الغرب
أبرز الأستاذ العقاد ما وجده في كتاب الأستاذ على أدهم من مجموعة قيمة من المزايا وهو يعددها مع الاعتزاز بالصديق المؤلف، بل يصل الأستاذ العقاد أن ينقل نصوص بعض أحكام الأستاذ على أدهم التي صادفت إعجابه، ومن حق القراء علينا أن نثبت بعض هذه الأحكام الجميلة التي أبدعها الأستاذ علي أدهم وأعجب بها الأستاذ العقاد:


“في كتاب الأستاذ علي أدهم تقرأ فصولا عن أدباء من الروس.. وفصولا أخرى عن أدباء من الطليان..، وعن الفرنسي، وعن الإسباني، وعن جيتي الألماني، وعن كتاب الأدب الإنجليزي، وعن … البلجيكي، وعن ….. الشيكوسلوفاكي، وعن …. اليوناني الأيرلندي الذي سحرته روح الشرق من العرب إلى اليابان. فالكتاب بحقٍ ألوان من أدب الغرب كله على تعدد أجناسه وموضوعاته ومناحيه، ولا يخلو فصل من فصوله من فكرة مستقلة، ورأي ناضج، ووزن صحيح، وفهم نافذ إلى اللباب، ويتسع المجال هنا للتمثيل بالكلمات والعبارات وإن لم يتسع للتمثيل بالعبارة المسهبة أو الفصل الطويل”.

ثناء الأستاذ العقاد على رأي الأستاذ على أدهم في الهجاءين وفي الجامعة الإنسانية
” قال الأستاذ على أدهم: أكثر الهجاءين والساخرين لا يستطيعون الخلاص من أوهام عصرهم والارتفاع فوق مشكلاته، ولكن الساخر الموهوب قد يستطيع أن يلمح المعنى الأبدي الخالد خلال ضجة العصر ومعمعان أحداثه. “ومن عبارته (أي الأستاذ على أدهم): الجامعة التي هي أنسب الحقائق للزمان الذي نحن فيه: “هناك ما هو أسمى من الشعب ألا وهو الإنسانية. وإذا شئت العقل”.

ثناء الأستاذ العقاد على مذهب الأستاذ على أدهم في المقابلة بين جبابرة الأدب الروسي الثلاثة
قدم الأستاذ على أدهم وصفا رائعا للفروق الجوهرية بين أدب أهم ثلاثة أدباء من الروس : “دستيفسكي يكثر في رواياته من التحليل ويسهب فيه إسهاباً ويصف أشخاصه من الداخل، وتولستوي تتعاون فيه القوتان: قوة التحليل والوصف الداخلي والقدرة على توضيح المظهر الخارجي ورسم السمات البارزة والخصائص البادية، أما ترجنيف فمجال براعته الوصف الخارجي الدقيق، وهو يكتفي به ولا يسرف في التحليل، والذي يميز ترجنيف عن أترابه من الروائيين الروسيين هو براعته في البناء الروائي، وضبط النسب والتقاسيم، وتوزيع الظلال والأضواء، ووضوح الحبكة الروائية”. ويقول الأستاذ العقاد إن هذه تفرقة بين الأدباء الثلاثة بالغة في الدقة والصدق والإحاطة والإنصاف.

ثناء الأستاذ العقاد على الفكر المستقل للأستاذ على أدهم:
قال الأستاذ على أدهم في وصف أدب أناتول فرانس: “امتاز أدبه بخير الصفات التي عرف بها الأدب الفرنسي بوجه عام، وهي دقة التعبير وسلاسته، ووضوحه وإشراقه، مع رشاقة اللمسات، والتزام الاعتدال، ومجافاة الغلو والإسراف، وهو ساخر بارع يتخذ سخره قالب البساطة والتواضع، فهو لا ينكر الأشياء في عنف، ولا ينتقص أحداً في جفاء وشدة، وإنما يبتسم ابتسامة خفية مهذبة، ويتحدث في رفق ولين”.

ويقول الأستاذ العقاد معلقا على هذا الحكم وعلى ما يشبهه من الأحكام الصائبة التي وقفت عند حد التقييم ولم تجعل الأستاذ علي أدهم يتجاوز الإعجاب إلى التأثر بمن ينقدهم: “وقد استطاع الأستاذ أدهم أن يعجب بالساخر أناتول فرانس دون أن يعدى باستخفافه، وأن يعجب بالمتشائم ليو باردي دون أن يتشاءم مثله، وأن يعجب برجال العزم دون أن ينسى فضل التردد في تكوين الأفكار، وتلك علامة واضحة من علامات الفكر المستقل الذي يستطيع أن يفتح نوافذه لجميع جوانب الحياة، دون أن يستغرق في جانب منها أو يعطيه فوق حقه من التقدير”.

ثناء الأستاذ العقاد على تقييم الأستاذ علي أدهم لتاريخ الأدب الإسباني
أبدى الأستاذ العقاد بما قاله الأستاذ على أدهم في شأن الأدب الإسباني: “لم تظهر في جنوب جبال البرانس حركة فلسفية ملحوظة أو نهضة علمية مأثورة، ويعلل بعض المفكرين الإسبانيين ذلك بتغلغل الفردية في نفوس الإسبانيين، لأن تلك الفردية المتمادية تعوق تحول الأفكار الشخصية إلى مذاهب اجتماعية.. ويحاول الأدب الإسباني أن يصف الإنسان من حيث هو إنسان مكون من لحم ودم وأعصاب وعظام، ولا يطيق أن يحيله فكرة باقية”.


وفاته والدراسات التي كتبت عنه
توفي الأستاذ علي أدهم في 8 يناير 1981 عن عمر يناهز الثالثة والثمانين بعد مرض قصير، وكان من حظه أن صدر عنه كتابان قيما كتبهما الاستاذان جمال بدران واحمد حسين الطماوي.

ابنته
من الطريف أن ابنته السيدة آمال تزوجت من رجل السياحة الشهير محمد لهيطة، مؤسس مينا تورز التي كانت بمثابة شركة السياحة المصرية الرائدة، وحملت اسمه فاشتهرت باسمها المعروف: آمال لهيطة، وظلت هذه السيدة على الدوام من سيدات المجتمع البارزات من دون أن ينتبه كثيرون إلى أنها ابنة الأستاذ علي أدهم.

 

 

 

 

 

 
 

تم النشر نقلا عن موقع مدونات الجزيرة

 
ض

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

 
 

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

%MCEPASTEBIN%

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

قصة أفضل معماري أصيل في عصرنا

المهندس حسن فتحي (1899ـ1989) هو أبرز المعماريين القدامى في الشرق الأوسط خلال ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com