الرئيسية / المكتبة الصحفية / زوج ابنة الرئيس عبد الناصر يشكو الوزير محمد فائق للرئيس ويتهمه بالإرهاب

زوج ابنة الرئيس عبد الناصر يشكو الوزير محمد فائق للرئيس ويتهمه بالإرهاب

هذه رواية بل رسالة مكتوبة ومنشورة ومنسوبة إلى من كتبها ووقعها وهو السيد حاتم صادق زوج السيدة هدي الابنة الكبرى للزعيم جمال عبد الناصر يشكو فيها من كثير من تصرفات السيد محمد فائق الذي كان في وقت هذه الشكوى وزيرا للإرشاد القومي (تولى هذه المسئولية قبل الأستاذ هيكل وبعده  كما عمل وزيرا للدولة للشئون الخارجية) وهو نفسه محمد فائق الذي يتولى الآن مسئولية رئاسة المجلس القومي لحقوق الإنسان.

هذه الرسالة بما فيها من الرواية ناطقة بدقة بطبيعة المرحلة ولم نغير فيها إلا الكلمات التي كانت تضم أخطاء نحوية صارخة لكن معاني اليأس والتمرد وفقدان الثقة والغربة والضياع والخوف والقلق ………… الخ تكاد تجأر بالقول: أنا هنا، وعلى هذا المستوى.

“سيادة الرئيس:

تحية واحتراما وبعد،

1- حدث منذ أشهر انني أديت واجبي كمواطن مخلص لوطني ولثورة يوليو، وأبلغتكم بأن هناك تقريرا للرأي العام لم يرفع وانه احتجز في مكتب السيد وزير الإرشاد القومي (محمد فائق) لأسباب غير واضحة.

2- يبدو أن السيد/ محمد فائق قد علم بهذا الموضوع. وأقول ذلك بطريقة جازمة لأن هذا هو ما يتضح من تتبع التطورات الأتية:

(أ) بدأ السيد/ محمد فائق – فور ابلاغ سيادتكم بهذه الواقعة – باستدعاء كل من السيدين: محمد عبد العظيم ووجيه ضياء الدين وهما [الزميلان] من دفعتي اللذين يعلان في مكتبه، ومصدر هذه المعلومات التي أبلغها لسيادتكم وثبتت صحتها فيما بعد، وقال لهما أنه سيوكل الأعمال الإدارية كلها التي يقومان بها إلى شخص ثالث في مكتبه. وقد وضح في حينه ان العملية هي بداية تجميد لهما وتخلص منهما، ورغم ذلك طلبت منهما عدم القفز إلى “النتائج” لأن الفيصل في تفسير هذه الخطوة هو ما إذا كان السيد/ محمد فائق سيستمر في ترك إعداد تقرير الراي العام لهما كما كان من قبل أم لا؟

(ب) لم تمضي أيام حتي سحب السيد/ محمد فائق منهما اختصاصهما الفني: وهو اعداد تقارير الرأي العام التي يقوم بها السيد/ محمد عبد العظيم، وتقارير محذوفات الرقابة والمراسلين الأجانب التي يقوم بها السيد / وجيه ضياء الدين. وجدير بالذكر انه لم يتم سحب هذه الاختصاصات منهما لعدم كفاءتهما في العمل لان هناك تأشيرات عديدة بخط يد السيد/ الوزير يشكر فيها السيد/ محمد عبد العظيم علي مستوي عمله في اعداد تقرير الرأي العام.

(جـ) استدعاهما السيد/ محمد فائق وذكر لهما ان موضوع اسرائيل هام جدا وانه يفكر في اقامة مركز ابحاث في الوزارة عن اسرائيل لأهميته القصوى، واسند اليهما هذا العمل حتي لا يتركهما بدون أي واجب يفعلونه.

(د) استدعاهما بعد ذلك مدير مكتب السيد/ محمد فائق وقال لهما ضمن حديثه: “تبقوا تنسقوا بقي مع حاتم في موضوع إسرائيل”! ولم يكن معني ذلك خافيا عليهما خلاصة وانهما لم يذكرا اسمي امامه ابدا.

(هـ) في حديث للسيد/ محمد فائق بعد ذلك معهما حول عمل الموجز أعاد ثلاث مرات قوله بضرورة تتبعهم في دراستهم لإسرائيل لمشكلة “الولاء المزدوج”! ومرة أخري لم [يخف] عليهما انهما المقصودان بهذا التعبير.

(و) قرر السيد/ محمد فائق أخيرا أن يسافر أحدهما وهو السيد/ وجيه ضياء الدين إلى تنزانيا للعمل هناك. ولما سأله الاخير عن مصير مركز الأبحاث عن إسرائيل كانت الإجابة هي الاصرار على سفره. وقد سبق أن أثار السيد/ محمد فائق معهما موضوع السفر من قبل، وكانت وجهة نظرهما أنها لا يفضلان ترك مصر في الظروف الحالية.

3- يتضح من كل ما سبق ان العملية هي عملية تجميد لهما ثم ابعادهما من مكتبه. فحتي لو أحسنا تفسير سحب كل اختصاصاتهما لإقامة مركز للدراسات عن إسرائيل، فان هذا التفسير الحسن النية لا يستقيم مع إجراء السفر المفاجئ لاحدهما. وهو الاجراء الذي يؤكد ان موضوع مركز الدراسات لم يؤخذ بجدية وانما كان مجرد وسيلة.

4- والجدير بالذكر ان السيد/ محمد فائق – قبل ابلاغكم بواقعة تقرير الرأي العام – كان كثيرا ما يعتمد ان يشكر في هذين الزميلين عنه مقابلته لي، وكان يشيد بكفاءتهما.

5- اسمحوا لي يا سيادة الرئيس ان أعرض فكري بإخلاص أمامكم، والخصه في النقاط التالية :

(أ) ان هذين الزميلين لم يستغلا يوما معلومات عملهما لإيصالها لي.

(ب) في موضوع واقعة تقرير الرأي العام كان دافعهما هو شعورهما برد الفعل الجماهيري لما حدث في الانتخابات من انحرافات وخطورة. ولما فشلا في إقناع “المسئولين” برفعه، لجأ إليّ احساسا من جانبهما بأن الواجب يفرض عليهما إبلاغ زعيم الثورة التي يؤمنون بها بواقعة خاطئة حدثت.

(جـ) ان ما حدث من السيد/ محمد فائق – والمفروض فيه أنه من أقرب المسئولين لكم – لا يوصف الا بأنه ممارسة للإرهاب. واذا حدث ذلك منه ، فأستطيع أن أتصور ما يحدث لمئات بل آلاف الشباب علي يد غيره من المسئولين!

(د) إنني أشعر – بصراحة – أنه لولا خشية السيد/ محمد فائق من طردهما من مكتبه لاتصالهما بي، وبالتالي احتمال معرفة سيادتكم لذلك، لما تأخر.

(هـ) تجربة كهذه يا سيادة الرئيس، والتجارب العديدة غيرها، تجعل المرء يتساءل عن حقيقة شعور الشباب والمواطنين الذين يعانون من مثل هذا الأسلوب، حين يسمعون خطابات سيادتكم عن الحرية والنضال من أجل فرض ما يراه كل مواطن حقا وعدلا. ولقد قابلت شبابا في الجامعات، وقالوا لي بصراحة إنهم لم يعودوا يثقون في شعارات ثورة 1952، أو – كما أسموها – اسطوانة الحرية لسنة 1952، لما يرونه من تناقض بين المثل وبين الواقع. وليس ذلك غريبا إذا كانت مثل هذه التصرفات يلاقيها الشباب أو تروي لهم من أقاربهم.

(و) لست استطيع ان اتخيل كيف يمكن ان يكون شعوري حين أحارب لمجرد انني أقول ما اؤمن به ان هذا كفيل بإشعار المرء باليأس ، وهو شعور غاية في الخطورة في رأيي ، لأن الانسان لا يظل مرتبطا بنظام معين الا اذا رأي فيه أملا في مستقبل أفضل.

6- ان هذين الشابين قد حوربا لمجرد انهما أبلغا شيئا لكم، أي لرئيس الجمهورية وقائد الثورة. وأن هذه التصرفات التي لاقوها تطرح عدة تساؤلات:

(أ) هل أبلغوا هذه المعلومات لجهة ما كان مفروضا إبلاغهما بها؟

(ب) هل الولاء للفرد – أي فرد علي طول سلم السلطة في الدولة – يجب أن يسبق الولاء للبلد والثورة؟

(جـ) أم أن كل مسئول يظل ثوريا ووطنيا ومتمسكا بالمبادئ البراقة للنقد والنقد الذاتي الخ… إلي أن يصل شخص إلي اثبات خطا هذا المسئول ، فينسي هذا الاخير ثوريته ووطنيته ويصبح كل همه هو إسكات كل هذه الاصوات التي يمكن أن تشوه الصورة البراقة التي رسمها لنفسه امام رئيسه ؟ حتي لو كان ذلك علي حساب رئيسه وبلده؟

7- إن مثل هذا الأسلوب كفيل في حد ذاته بأن يفقد كل مواطن شعورة بالأمان. واذا اقترن هذا الشعور باليأس – الذي مضت الاشارة اليه – فماذا يظل للإنسان من أمل يعيش من أجله ؟ ان هذا يوصل الإنسان إلي أحد احتمالين: اما أن يصبح خانعا ويتحول إلي مواطن منافق ضرره أكثر من نفعه، واما ان يتحول اليأس لديه إلى ثورة.

8- وتدليلا علي الشعور بعدم الأمان ومداه ، فلقد جاءني يوما احد المواطنين من دمنهور متطوعا ، وكان عضوا في لجنة للفرز اثناء العملية الانتخابية الأخيرة وأبلغني بما رآه ضروريا من معلومات ، عن الانحرافات والتزوير في الانتخابات. وفي نهاية حديثه طلب مني عدم ذكر اسمه على التقرير. ولما أبلغته بأن سيادتكم وحدكم ستقرؤون التقرير أصر علي طلبه. ولم أملك الا أن أجيبه فيما أراد. ورفعت لكم التقرير فعلا دون ذكر اسمه.

9- لذلك كله دلالة من وجهة نظري. ان المواطن – أو بعض المواطنين على الأقل – أصبح غير آمن علي نفسه ومستقبله اذا أدي واجبه بأمانة. وعدم الأمان ليس مصدره ان التقرير يرفع لسيادتكم ، ولكن سببه هو خشية المواطن مما يمكن ان يناله من المسئولين الذين يقفون بين المواطن العادي وبينكم والذين أتوا الخطأ ويهمهم عدم اكتشافه.

10- تلك كانت مشكلة رأيت واجبا علي عرضها عليكم ، ليس فقط لأنها تخص زميلين لي يحتم علي الواجب الوقوف إلي جانبهما في اقسي الظروف النفسية التي يواجهانها ، ولكن لأنها – قبل ذلك – مشكلة عامة تخص شعور المواطن المصري اليوم وبعد سبعة عشرة عاما من ثورة يوليو 1952.

مع وافر الاحترام”

توقيع: حاتم صادق

14 مارس 1969

 

 

 

 

 

 


تم النشر نقلا عن موقع مدونات الجزيرة
لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا
للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

قصة أفضل معماري أصيل في عصرنا

المهندس حسن فتحي (1899ـ1989) هو أبرز المعماريين القدامى في الشرق الأوسط خلال ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com