ضمير القاضي القديم

 

 

 

حفظ لنا التاريخ والابداع أن توفيق الحكيم نفسه كان ابن المستشار الذي أنقذ محمد محمود باشا ( رئيس الوزراء فيما بعد ) من مؤامرات الإنجليز ضده حين كان في شبابه مديرا للبحيرة ، وقد قص توفيق الحكيم القصة في كتابه “عصفور من الشرق” بطريقة فنية شائقة دون أن يذكر الأسماء الحقيقية ، مشيراً إلي بطولة والده ( المستشار إسماعيل الحكيم ) الذي لم يقبل التخلي عن ضمير القاضي إرضاءً للإنجليز، وقد كان الحكيم حريصا على أن يفخر كل الفخر بموقف والدته المؤيد لأبيه في هذا السلوك المٌعلي من قيمة ضمير القاضي .

وهذا هو نص رواية الحكيم :

“..  هو أيضا نشئ علي الكراهية.. كراهية الإنجليز.. إنه لن ينسي قط صورة أبيه الشاحبة حين دخل البيت ـ ذات مساء ـ مضطربا ، متأثرا ” .

” كان محسن يسمع المستشار من فتحة الباب يخاطب زوجه ، ويقول: إما التخلي عن الوظيفة.. وإما التخلي عن ضميري كقاضٍ .. إن أكل العيش أصبح مهددا” .

” كانت أم محسن عملية ، متيقظة ، فأحست بانتفاضة.. كانت طبيعتها متغيرة ، متناقضة.. فهي شجاعة ، ومع ذلك تراها خائفة.. وهي رحيمة وقاسية.. قوية وضعيفة.. وهي تحب العظمة إلي أبعد الحدود ، لكن العظمة التي لا تكلف صاحبها شيئا كبيرا، والتي لا تتطلب التضحية ، ولا التي تهدد الحياة ، ولا حتي الأرزاق ” .

” كانت تفهم معني الكلمات الرنانة مثل : الضمير ـ الحكمة ـ الشجاعة ” .

” وحالما علمت أن ضمير زوجها القاضي كان ألعوبة ، لم تتردد في أن ترتفع بأفكارها.. ناسية في هذه اللحظة ما يترتب علي فقدان المركز، فأعلنت رأيها لزوجها قائلة: إن ضمير القاضي وشرفه قبل كل شيء ” .

” لقد كانت تعلم كل ما يدور حول هذا الموضوع .. والناس يتكلمون عن قضية في الاستئناف.. والهمس يدور في كل مكان.. إن القضية مؤامرة من مؤامرت الإنجليز ضد مدير أحد أقاليم الدلتا الذي اتهموه بالكبرياء ” .

” وكان المدير ابنا لإحدي الأسر الغنية في الوجه القبلي ، تلقي علومه في أكسفورد ، وعاش مدة كبيرة في إنجلترا ، وكان يحبها مثلما يحب بلاده ، بل كان يحب كل ما هو إنجليزي ” .

” وجاء إلي بلده ، فكان يرسل ملابسه مرتين في الشهر إلي إنجلترا لغلسها وكيها ، ثم عٌين يوما مديراً لإحدي محافظات الوجه البحري ، وهناك اكتشف لأول مرة وجه الإنجليز الحقيقي ” .

” لم يكن ذلك “الجنتلمان” الذي عرفه في إنجلترا رجلا محبوبا وشريفا ، لقد أصبح كائنا آخر، ذا خلق يتعارض مع مثيله الإنجليزي في بلاده.. إنه الحاكم الذي يفرض سلطانه ، ويصدر أوامره علي أكبر الشخصيات المصرية.. إنه لأمر عادي أن يستقبل المدير ـ وهو موظف كبير ـ أي موظف إنجليزي صغير يمر بالمحافظة ” .

” وكان هذا المدير ـ صديق الإنجليز ـ غير جاهل هذا التقليد المهين ، ولكن الشيء الذي كان يجهله أن ذاك الإنجليزي المحتل لا يقر صداقته للمصري .. إن قاموسه لا يحوي غير كلمتي( سيد وعبد ) ” .

” إن المدير، كان قد قرر الاستقالة ، ولما علم الإنجليز بذلك لفقوا له تهمة.. فاتهموه ظلما بأنه عذب بعض المتهمين في قضية للحصول علي اعترافات منهم ، وهذا عمل غير مشروع في قوانين الإنسانية ، والقوانين المدنية!! ” .

” لقد كانت عمليات ظاهرها الرحمة ، وباطنها الانتقام من شخص أرادوا إذلاله .. فبإسم الإنسانية يهاجمون أعداءهم ويحاكمونهم ، هذه كانت طريقة الإنجليز التي يتقنونها ” .

” وكان ـ في الحقيقة ـ مديرنا يجهل كل هذا التدبير.. إن الجناة يبرَءون ، والأبرياء يصبحون جناة ، وهم في كل ذلك لا يعدمون الوسائل ” .

” وكان أبو محسن مكلفاً بالنطق بالحكم في هذه القضية ، وبعد أن حقق القضية جيدا، ورأي الجروح المفتعلة في أجسام المصابين ، وعلم حقيقتها.. خافوا ألا تكون هذه أدلة قاطعة ، فجاءوا إليه بمن يسر في أذنه ويقول له : “يجب أن يكون حكمك مدينا للمدير،وإلا.. ” .

” وكان القاض يعلم يقيناً ببراءة المدير ، كما كان الرأي العام يعرف ذلك” .

” وجاءت  الوعود بعد التهديد لعلها تفيد.. فقد لمحوا له بالإنعام عليه بالرتب والنياشين في غداة الحكم ” .

” فماذا عساه يفعل؟ ” .

” لذلك كانت أم محسن تتغلب علي نزعتها وطبيعتها ، وتقول لزوجها: احكم بحسب ضميرك ياعزيزي ، وليكن ما يكون” .

” وحكم القاضي بالبراءة .. ولكن هذا لم يمنع المعتدين من أن يجدوا نصاً قانونياً عاونهم علي تحويل القضية إلي قاضٍ آخر يتعاون معهم علي إدانة المدير، والذي أصبح بعد تلك القضية زعيماً من زعماء الثورة المصرية ” .

نٌشر بتاريخ : 2012/11/7

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com