الرئيسية / المكتبة الصحفية / المنظومة البرلمانية في مصر

المنظومة البرلمانية في مصر

 

 

تاريخ النشر : 2012/1/1

أبدأ فأقول إن من الحقائق التى أقرها علم الإدارة ودراساته التطبيقية أن كثرة عدد أعضاء أى مجلس (أو لجنة) تقلل من فعاليته وليس العكس كما قد نتصور، وربما تساعد زيادة العدد على تضخيم مهابة المجلس أو قوته ككيان قائم بذاته، ولكن الجانب الآخر هو أن الفعالية تقل وباطراد مع كل زيادة فى العدد. 

ومع الإيمان العميق بأهمية تمثيل كافة طوائف الشعب وأقاليمه فى كل برلمان قومى، فإن الحرص على فعالية البرلمان فى كثير من ديمقراطيات العالم تجعل القوى الاجتماعية والسياسية الواعية ميالة إلى التقليل من عدد أعضاء البرلمان والوقوف بهذا العدد عند حد معين لا ينبغى تجاوزه.

ومع أن الأمريكيين- على سبيل المثال- قد استقروا على أن يكون عدد أعضاء مجلس النواب الأمريكى متناسبا مع عدد سكان، بحيث يختلف عدد ممثلى كل ولاية تبعا لعدد سكانها، وبحيث يقبل هذا العدد نفسه مبدأ التغيير من دورة لأخرى.. مع هذا فإن الأمريكيين أنفسهم وازنوا بين هذه القاعدة وقاعدة أخرى وهى أن يكون لكل ولاية- كبر حجمها أو صغر- عضوان فقط فى مجلس الشيوخ.. وهكذا تتحقق الموازنة بين المنطقين وذلك بالأخذ بمبدأ التمثيل النسبى فى مجلس النواب، وبمبدأ تساوى رءوس الولايات فى مجلس الشيوخ، حيث يمثل كل ولاية مهما كبر عدد سكانها شيخان فقط- وهذا من أهم معانى الفيدرالية وفكرها.

وقد شهدت المنظومة البرلمانية فى مصر عددا كبيرا من القواعد التى تم الأخذ بها عند تحديد عدد أعضاء البرلمان، وليست هذه المقالة مجالا للاستعراض التاريخى لتطور هذا العدد وقواعد تحديده، ولكن بحسبنا أن نقول إن البرلمان الأول فى 1924 كان يضم 224 عضوا، على حين أن البرلمان الأخير فى 2000 أصبح يضم 454 عضوا، منهم عشرة بالتعيين، أما الباقون فيمثلون 222 دائرة، وهكذا يتضح لنا للغرابة وللإنصاف أن المصريين المتحدثين كانوا ميالين منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن إلى زيادة عدد الدوائر حتى بما لا يتناسب مع عدد السكان فى ذلك الوقت، ثم جاءت فكرة الخمسين فى المائة من العمال والفلاحين لتضاعف حجم العضوية، حيث أصبح لكل دائرة ممثلان أحدهما على الأقل من العمال والفلاحين.. وهكذا وصل العدد إلى ما وصل إليه الآن.

وقد بدأ الإحساس بتضخم عدد أعضاء المجلس يظهر إلى الوجود بصورة مكثفة منذ بداية أيام انعقاده، ومع أن كثيرين يرجعون السبب فى هذا إلى كثرة الأعضاء الجدد، وإلى رغبة كثيرين منهم فى الظهور، سواء تحت القبة أو فى التليفزيون الذى يذيع مقتطفات كثيرة من الجلسة، فإنى على النقيض من هذا أرى أن هذا حق مطلق للنواب ليس لأحد أن يجادلهم فى الحصول عليه، ولا فى الاستمساك به.

ومن حسن الحظ أن رئيس المجلس يبذل جهودا مضنية من أجل تمكين جميع الأعضاء من الحديث حتى فى الموضوعات التى يبدو للمراقب المحايد أنها لا تحتمل كل هذا الحديث، ومبلغ علمى أن قاعات واجتماعات اللجان الثمانى عشرة لا تحظى حتى الآن باهتمام مماثل لاهتمام معظم الأعضاء بالجلسات العامة للمجلس وهى الجلسات التى ينقل التليفزيون صورا حية لمناقشاتها.

وربما يدفعنا هذا إلى التفكير بطريقة جدية فى مدى جدوى كثرة عدد أعضاء المجلس، وتأثير هذا العدد- زيادة أو نقصا- على فعالية المجلس فى أداء الأدوار المنوط به، سواء فى التشريع أو الرقابة، وسأكتفى بأن أضرب مثلا واحدا أوحت لى به ذات مرة المناقشات المذاعة حول تقرير لجنة الزراعة والرى حول زيادة محصول الأرز هذا العام، وقد حرصت على متابعة ما أذيع فإذا بالكلمات كلها تدور حول محور واحد يتعلق بمشكلة الأمس فقط دون توجيه أية عناية بمشكلة اليوم أو الغد، وظللت- دون جدوى- أنتظر أن ينبه أحد الأعضاء إلى أهمية العناية بإنشاء الصوامع أو المخازن الكفيلة بالحفاظ على الإنتاج الوفير للأرز هذا العام، كما بقيت انتظر- بلا جدوى أيضا- أن ينبه أحد الأعضاء إلى ضرورة الانتباه إلى تقديم معايير إحصائية للمزارعين وأصحاب الأراضى عند بدء موسم زراعة الأرز فى العام القادم حتى لا يكون رد الفعل عنيفا حين يحدث أن يمتنع أغلب من زرعوا أرزا فى هذا العام عن زراعته فى العام القادم وتكون النتيجة أزمة مستعصية فى الأرز! وليس هذا ببعيد فى ظل ما نعرفه عن طبيعة ومدى الانفعال فى عقلية «الجماعة المصرية».

وظنى أنه لو نوقش هذا التقرير على نطاق ضيق لكان ضيق النطاق كفيلا بأن يضع ويضيف حلولا وأفكارا قابلة للحل والإبداع ليتجاوز ما حدث بالفعل من تركيز شديد على اتهام الحكومة بالمسئولية فحسب!
???

بقى أن نشير إلى ما يتداوله بعضنا حين يثور الحديث عن غياب الأعضاء عن بعض جلسات المجلس، ومن الحقائق التى قد يذهل لها القارئ أن بعض هذا الغياب مطلوب لأن قاعة المجلس نفسها لا تستوعب إلا ثمانين فى المائة من عدد الأعضاء، ذلك أن عدد الكراسى المتاحة فيها 360 كرسيا فقط، وهكذا فلابد من غياب تسعين عضوا (20%) حتى يمكن لهؤلاء الأعضاء أن يجلسوا على كراسى البرلمان فى وضع مريح، وإلا فإنهم سيجلسون أكثر من متلاصقين، وسيشغلون كراسى إضافية فى صفوف متقدمة ومتأخرة وجانبية على نحو ما يحدث حين يحضرون جميعا إلقاء الرئيس لخطابه المهم فى افتتاح الدورة البرلمانية كل عام.

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقييم المستشار العشماوي لتأميم قناة السويس

كان المستشار محمد سعيد العشماوي واحدا من رجال القضاء الذين وصلوا إلى ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com