الرئيسية / المكتبة الصحفية / الإسلام وقبول الآخر وتدعيم الولاء في المناهج التربوية

الإسلام وقبول الآخر وتدعيم الولاء في المناهج التربوية

 

 

 

كثر الكلام عن أهمية قبول الآخر في الحضارة المعاصرة وبخاصة بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر ، والحق أن الإسلام كان سباقاً إلى إرساء الأسس الكفيلة بقبول الآخر.

ونحن جميع نعرف أن نصوص القرآن الكريم تحفل بالتنبيه على أهمية التنوع بين طبائع الناس وانتماءاتهم ومصالحهم ، كما تحفل بالإشارة إلى الحكم الإلهية العديدة من هذا التنوع ، وإلى إرادته سبحانه وتعالى أن تكون الإنسانية على هذا النحو ، ويكفي في هذا الإشارة إلى بعض آيات القرآن الكريم : 

” ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم “ ( المائدة 48) 

” قل فللّٰه  الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين “ ( الأنعام 149 )

” ولو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعا ” ( يونس 99 )

” ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة “ ( هود 118 )

” ولو شاء لهداكم أجمعين “ ( النحل 9 )

” ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة “ ( النحل 93 )

وتدلنا هذه الآيات على مدى العبث الذي يقوم به كثير من الأنظمة  – أو قامت به في الماضي- من أجل ما تظن أنه تحقيق للمساواة حين تفرض على المواطنين ظروفا تجعلهم نسخة كربونية من بعضهم ، وهو ما سبق إليه القرآن أيضاً في التحذير من مثل هذا السلوك : ” ولو شاء الله لجمعهم على الهدى  فلا تكونن من الجاهلين ” ( الأنعام 35)

ولابد أن نعترف أن هذا العبث كان بمثابة السبب الدفين والخفي وراء معاناة بعض الشعوب الإسلامية  – اليوم- من كثير من عقليات جامدة ظنت أن الصواب في ذلك الأسلوب المقيت الذي لا يتيح التميز ولا التمايز ، ويسعى بجهد حثيث إلى فرض ظروف الأغلبية على الأقلية في أي تجمع من التجمعات .

ولسنا نستطيع أن ننكر أن العقلية العربية المعاصرة بما فيها عقليات كثير من التربويين لا تزال تعاني من مثل هذا التفكير ، فقد كانت في مصر على سبيل المثال مدارس اعدادية وفصول تدرس اللغة الفرنسية كلغة أوربية أولى فأصبحت -الآن – على وشك الانقراض . كما كانت هناك مدارس وفصول تدرس اللغة الألمانية (أو الإيطالية) كلغة أوربية ثانية فلم تٌشجع على الاستمرار أو الازدهار وأخذ عددها في التقلص. كذلك فقد كانت هناك مدارس صناعية في التعليم الإعدادي تؤهل للمدارس الثانوية الصناعية فتم إلغاؤها تحت شعار توحيد التعليم وتأخير تشعيبه إلى نهاية المرحلة الثانوية . وقد بدأت – ولله الأمر من قبل ومن بعد – خطوات أخرى في سبيل تحويل بعض المدارس التجارية الثانوية إلى مدارس للتعليم الثانوي العام .. وهكذا طٌرحت أفكار ما سمي بالمدرسة الثانوية الشاملة.. وفي اعتقادي أن مثل هذه الأنظمة الجانحة إلى الشمول هي أكبر تهديد لقيمتين مهمتين ومتكاملتين حتى وإن بدتا للناس اليوم متناقضتين ، وهما قيمة الولاء ، وقيمة قبول الآخر .

ومن حسن حظ العقلية الإنسانية التي رزق الله بها البشر أن فكرة الولاء تتقوى وتتدعم بوجود الآخر  فلا يحس الإنسان – أي إنسان- بإنتمائه إلا بوجود من لا ينتمي إلى ما ينتمي هو إليه .

ولا أتجاوز إذا قلت أن الإحساس بالانتماء للدين الإسلامي يكون أقوى في المجتمعات التي تضم مواطنين أو زواراً يعتنقون أدياناً أخرى ، على حين أن هذا الإحساس لا يبلغ نفس القدرفي المجتمعات التي يدين أفرادها بغير دين الإسلام .

وفي داخل الدين نفسه فإن المناطق التي يسود فيها مذهب فقهي معين إلى حد أن يتمذهب به المجتمع كله ، تجد الأمر و كأنه شيء طبيعي وكأنما لا يعني انتماؤهم لهذا المذهب شيئاً ذا بال . وهذا من حسن الحظ بالطبع، على حين يحس الذين يعرفون المذاهب الأخرى بولاء فقهي وولاءات ثقافية أخرى للمذهب الذي يتبعونه.

لعلي بهذا كله استطعت تصوير الحقيقة الأولى في هذا الموضوع  وهي أن ” وجود الآخر ” في حد ذاته كفيل بأن يقوي من الشعور بالانتماء.

على أننا جميعاً ندرك أن الوسائل الإنسانية في تعميق الإنتماء قد تجنح في كثير من الظروف ( بسبب افتقاد الحكمة وربما بسبب افتقاد النوايا الحسنة ) إلى الناحية الخطرة من التعامل مع الآخر  وهي محاولة نفيه .. وربما تجنح هذه الوسائل الإنسانية إلى هذا النفي بعد محاولة فاشلة لضم الآخر وجعْله ينتمي إلى ما ينتمي إليه الإنسان ، وذلك على سبيل المثال هو ما حدث في سياسات التبشير الإجبارية التي لم تحقق عشر معشار ما حققته في المقابل الدعوة إلى الإسلام من خلال التعامل به في مجالات التجارة والحياة اليومية .

وفي الحالين فاإننا نواجه بموقف إنساني له انعكاساته التربوية الحساسة والخطرة ، وربما لا ندرك أن هذا الموقف الإنساني لا يحدث من تلقاء نفسه و أنه لا يحدث في واقع الأمر إلا نتيجة عيوب قاتلة في النظام التربوى والتعليمي لم ينتبه إليها المسؤولون عن هذين النظامين في الوقت المناسب .

وربما أجد أن خير تصوير لهذا الوضع ” الإنساني” الحرج هو أن هذه الأمراض لا تنشأ إلا كما كان مرض ” البلاجرا” ينشأ عند البحارة حين كانوا يحرمون من الفيتامين الموجود بكثرة في الفواكه و الخضروات الطازجة ، فإذا اعتمد طعامهم و غذاؤهم على الأطمعة الجافة والمجففة لفترة طويلة  خلا الغذاء ” الوارد ” إلى الجسم من هذا الفيتامين وكان الطريق ممهدا لأن تنشأ أعراض نقصه ، وهي أعراض خطيرة .

ويحدث هذا أيضاً في أولئك الذين يعانون من نقص ” اليود ” في طعامهم نتيجة وجودهم في بيئات تفتقر إلى وجود هذا العنصر الأساسي والضروري لوظائف حيوية ، وتكون النتيجة ظهور أعراض مرض خطير ، لكن حسن الحظ ينبئنا أن هذه الأعراض سرعان ما تزول عند العودة إلى تناول اليود في الطعام .

والأمثلة على هذا كثيرة .. ولكن وجه العبرة في الموضوع هو أننا قد لا ندرك السبيل إلى العلاج إلا بعد أن تكون الأمراض القابلة للشفاء قد تطورت إلى أمراض غير قابلة للشفاء..و ربما كان هذا هو جوهر الخطر فيما تعانيه بعض أساليبنا التربوية الحالية من عيب خطير فيما يتعلق بمبدأ ” قبول الآخر ” .

ومع أن تاريخنا الاسلامي حافل بالأمثلة الكافية التي تدلل على إمكانية التعدد وقبول الآخر ، فإننا نحرص عند تدريسه على اللجؤ إلى المصادر التي تجعل الآخر ” شيطانا” على الدوام وتجعل كل أعماله بالتالي ” رجساً من عمل الشيطان ” .

بل – إننا في مصر على سبيل المثال- لا نزال حتى هذا اليوم و تحت تأثير رؤية قاصرة ومغرضة وردت في ” الميثاق الوطني ” و أدبيات ” الثورة”  المصرية ننظر إلى تجربة الليبرالية العظيمة فيما قبل الثورة على أنها فساد في فساد ، وعلى أنها مجرد تناحر للوصول إلى الحكم.. ( هكذا) ولا تزال المناهج المقررة حافلة بهذا الهراء وبهذا الافتراء.. ولا تكاد الحركة الوطنية المصرية نفسها تلقى أي اهتمام أو تقييم بإيجابياتها ، بل إننا لا نكاد نجد اعترافاً بأنها حركة وطنية من الأصل ، ونلجأ في صفاقة غريبة إلى تصوير الأمور على أنها كانت صراع مجموعة من الباشوات من أجل كرسي الحكم !!

لهذا كله فقد كنت على الدوام حفياً أشد الحفاوة بأن نوجه قدراً كبيراً من اهتمامنا التعليمي والتربوي بدراسة تاريخ الحركة الوطنية في مصر على أساس أكاديمي صحيح بعيداً عن النزعات الأيديولوجية ، وإني أؤمن كل الإيمان أن تشبع الطلاب بقيم الليبرالية التي تمتعت بها هذه الحركة سوف يكفل تنمية فكرة قبول الآخر بما لا يمكن أن تتكفل به أي مناهج أخرى توضع خصيصا لهذا الغرض .

وربما ننتقل الآن مما هو وطني وقومي و تاريخي إلى ما هو ديني ، ومن حسن الحظ أيضاً أن الحضارة الإسلامية عرفت تعدد المذاهب الفقهية  دون أن يعني هذا أي نوع من التقسيم أو الانعزال . وليس أدل على هذا من أن الباحثين الذين أعدوا تقرير الحالة الدينية الذي صدر عن مؤسسة ” الأهرام ” منذ سنوات قليلة ، وجدوا مشقة كبيرة في الحصول على المذهب الفقهي الذي كان كل شيخ من شيوخ الأزهر يتبعه ، ولم يساعدهم على هذا إلا البحث في مؤلفاتهم الفقهية التي علقوا بها على كتب مرجعية معروفة في المذاهب المختلفة .. بل إن ما هو أبلغ من هذا أنه على الرغم من إتاحة هذا البيان في التقرير يصعب حتى على الذين أعدوا التقرير نفسه أن يجيبوك من الذاكرة عن مذهب أي شيخ من شيوخ الأزهر إذا سألتهم عنه فجأة ، فالذاكرة لا تسعفهم بمثل هذا لسبب واحد وبسيط أن أحداً من هؤلاء جميعا لم يصبغ حياته ولا فكره ولا إنجازه ولا أداءه في منصبه كشيخ للأزهر بصبغة مذهبية ، وهذا من حسن الحظ بلا شك ، بل هو فضل من الله لا نقدره حق قدره .

وربما يدفعني هذا إلى أن أكرر هنا ما سبق أن ذكرته في مواضع كثيرة ،منها حديث تليفزيوني طويل أجراه معي التليفزيون السوري ، وفيه ذكرت أن أسلافنا من مسلمي العصور الخوالي أوقفوا وقفاً خاصاً في الأزهر ينفق من ريعه على الطلاب الذين ينتظمون في دراسة أحد المذاهب الفقهية الأربعة ، إذا ما تعرض مذهب من هذه المذاهب لانصراف الطلاب عن دراسته ، وذلك من أجل الإبقاء على كل المذاهب الأربعة مدروسة على المستويين العلمي والأكاديمي .. ويندر بالطبع أن نجد في أية حضارة من حضارات الأرض هذا الوعي العميق و الإيجابي. ( في نفس الوقت ) بمثل هذه القيم الرفيعة من قيم الإنسانية .

ونحن نكاد نعرف و ربما لا ننكر أن من أمراضنا الفكرية أننا نتغافل في كثير من الأحيان عما أتى به الأوائل ، ونظن أن من حقنا أن نبدأ من جديد ونتعالى ونتكبر ونقول في (بجاحة) إننا سننجز مالم ينجز ، وللأسف الشديد ننسف التجارب السابقة نسفاً ونتنكر لها.. ومع هذا فمن الإنصاف أن نذكر أيضاً أننا ندرك ونعلم علم اليقين أن حيوية الأزهر كمؤسسة تعليمية كانت في حفاظها وبشدة على مناهج وتقاليد كلاسيكية رفيعة المستوى في الفكر والتكوين.. ويكفينا من هذا أننا نعلم تمام العلم ونوقن تمام اليقين أن الأزهر على مدى تاريخه لم يخرج متعصباً.. ولم يأت هذا بالطبع بمحض المصادفة ، ولكنه جاء نتيجة بناء المناهج بحكمة واقتدار على يد أناس وصلوا إلى أقصى الحكمة بفضل العمل بالعلم طيلة نصف قرن على الأقل .. وربما لا نعرف اليوم أسماء هؤلاء الذين يرجع إليهم هذا الفضل .. ولكن الفضل مع هذا يبقى بارزاً وشامخاً ينادينا أن نستقي منه الحكمة ، وأن نستقطر منه الخبرة ، وأن نبني على ما بناه الأولون ، فإذا عجزنا فلنحذٌ حذوهم على الأقل حتى نصيب الحكمة.

أما بعض مناهجنا التربوية القائمة – الآن- فهي للأسف الشديد – وأقولها بصوت عال- نموذج آخر لمسخ العمارة الحديثة التي بنينا بها المساكن الشعبية .. ولله الأمر من قبل و من بعد.

تاريخ النشر : اكتوبر 2006

المصدر : الثقافية 

 

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com