الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات ماقبل الجزيرة / الأهرام / في مصر.. جامعاتنا لا تخدم الأدب العربي

في مصر.. جامعاتنا لا تخدم الأدب العربي

 

تحرص كل الحضارات على أن تنقل إلى آدابها القومية  كل ماهو متاح في الآداب الأجنبية لتستمتع به،ولتفيد منه،ولتتمثله في ثقافتها ثم لتنمي به، وتخدم آدابها القومية.

من هنا تجد أقساما للأدب  العربي في كثير من الجامعات الغربية ( الأمريكية والأوروبية ) بل والشرقية تفوق في نشاطها وإنتاجها الفكري والنقدي ودراساتها المتواصلة جهود بعض أقسام الأدب العربي في جامعاتنا الكبرى…

بيد أن ما تتناوله رؤيتي اليوم هو ذلك الاضمحلال الذي يسيطر يوما بعد يوم على دور أقسام  اللغات والآداب الأجنبية في جامعاتنا المصرية في خدمة الأدب القومي حيث صارت هذه الأقسام من حيث لا تدري ومن حيث لا تقصد أيضا إلى حالة من الابتعاد التام عن خدمة أدبنا القومي بأية وسيلة من الوسائل المتعددة التي سنتناولها بعد قليل،وانصرفت تماما إلى دراسة الآداب الأجنبية وكتابة هذه الدراسات بنفس اللغات الأجنبية ،وليتها قامت بهذه الدراسات بلغتنا القومية كما تفعل السور بون وأكسفورد ولندن وكامبردج وهارفارد،حين تقدم إليها الرسائل عن صميم أدبنا العربي باللغات الإنجليزية والفرنسية، ولكن جامعاتنا للأسف الشديد استسهلت دراسة الآداب الإنجليزية ودراسة الآداب الفرنسية وإخراج هذه الدراسات بالفرنسية،وهكذا في الإيطالية والألمانية والإسبانية والروسية…الخ.

ومما يؤسف له أن يحدث هذا مع أن القانون الجامعي ( عندنا وفي كل العالم ) ينص صراحة على أن تقدم البحوث باللغة القومية ( التي هي اللغة العربية بنص الدستور ) سواء في ذلك رسائل الدكتوراه أو الماجستير أو البحوث التي تقدم للترقية إلى وظيفتي أستاذ مساعد  وأستاذ،ولكننا نستعمل – فقط – الشق الثاني من هذا النص القانوني الذي يشترط تقديم ملخص باللغة القومية إذا قدمت البحوث بلغة أجنبية.

وهكذا أصبح الاستثناء هو القاعدة بل والقاعدة المطلقة التي ليس لها استثناء على ما أعلم حتى الآن.

ولنتأمل مدى الثراء الذي كان أدبنا القومي سيصيبه حين تتاح له دراسات أكاديمية ممتازة بذل فيها جهد ضخم لا شك فيه ،أنفق فيه أصحابه أعمارهم في أقسام اللغات والآداب الأجنبية في اثنتي عشرة جامعة من جامعاتنا في كليات الآداب والألسن والتربية والبنات.

ولكن هذه الدراسات للأسف لم ولن ترى النور،وما أفادت إلا أصحابها فيما نالوا من درجات علمية أو من  إحاطة بما درسوه.

ثم لنتأمل حال أدبنا القومي لو اشترطنا على كل هؤلاء الأكاديميين الممتازين أن يقدموا لنا ترجمات رائعة لأعمالنا الأدبية في اللغات التي يتخصصون فيها وان يقدموا للعالم أيضا ترجمات رائعة لأعمالنا الأدبية…كم يكون نتيجة له ( على اليد الأخرى ) من نوافذ هو أحوج ما يكون إليها.

يؤسفني أن أذكر أن التقليد قد استقر في اللجان العلمية الدائمة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين في اللغات الأجنبية وآدابها على ألا يحتسب جهد الترجمة من وإلى لغتنا في عداد الأعمال الأربعة  التي تمثل الحد الأدنى من البحوث المطلوبة للترقية،ولا بأس بذلك ( جزئيا ) فلا بد أن يكون هناك حد أدنى لجهد ضخم في الترجمة يليق بأن ينال  لصاحبه مكانة الأستاذية ،وهو التقليد الذي تتبعه كل الجامعات الغربية،وللأسف الشديد وإحقاقا للحق فإن الذنب في هذه الجزئية لم يكن ذنب أي من أساتذة الآداب على الإطلاق لا السابقين ولا اللاحقين ولا الرواد،وإنما هو ذنب التشريع المصري القاصر الذي عمد إلى اختزال الأمر بتوحيد متطلبات الترقية على مستوى كل تخصصات كل كليات الجامعة في سطر واحد يمثل كل ” النصوص” التي تحكم هذه العملية….على الرغم مما تحتويه الجامعة من تخصصات متباينة تماما وإلى أبعد حدود التباين لأنها بطبيعتها ” جامعة “….ولكننا للأسف وحدنا المعايير في معيار واحد، وأصبح مثلنا في هذا الأمر كذلك الذي يصمم على أن وحدة القياس هي المتر فحسب ،وصار يحاول أن يقنعنا بأنه يستطيع أن يقيس بها الوزن والجاذبية والطاقة والقدرة والمسافة والحجم مع أن المتر وحدة قياس  للطول فقط، فهل ننتبه ونعترف لكل شيء بوحدة قياسه؟

تاريخ النشر : 11 أبريل 1995

جريدة : الأهرام

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإمام المحبوب أحمد الدردير صاحب الفضل الأكبر على القانون الفرنسي

الشيخ أحمد الدردير نموذج لعالم من علماء القرن الثامن عشر الميلادي (1715 ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com