الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات ماقبل الجزيرة / آراء / الفضائيات الأجنبية الموجهة بالعربية تكريس لتنافس الكبار

الفضائيات الأجنبية الموجهة بالعربية تكريس لتنافس الكبار

وصفوها بالقوة الناعمة والحرب الباردة

 

انطلاق عدد من الفضائيات الأجنبية ناطقة باللغة العربية من الشرق مثل القناة الروسية مؤخرا والصينية المزمع إطلاقها خلال الشهر المقبل، إضافة إلى القنوات الغربية الموجودة مثل القنــاة الفرنسية، وبي بي سي، والحرة، يعكس اهتماما عالميا ملحوظا بمنطقتنا العربية، لكنه يطرح في الوقت نفسه العديد من علامات الاستفهام، بشأن أهداف هذه القنوات وهل تعيد تجارب الإعلام الإذاعي الموجه لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية؟

أم أنها تمثل بداية لعلاقات شرقية وغربية جديدة مع المنطقة العربية تعيد فيه الاعتبار للغة الضاد بعد أن أطلقت ضدها سهام النقد ومحاولات، الهدم تحت مزاعم عديدة من بينها أنها باتت لغة غير قادرة على حمل وعاء عصر الانفجار المعرفي والتكنولوجي، وبالتالي يكون انطلاق هذه الفضائيات الأجنبية ردا عمليا يفند كل الادعاءات المشبوهة.

هذه القضية طرحتها «عكاظ» الأسبوعية بالقاهرة على كوكبة من المثقفين والاعلاميين في البداية يوضح د. صفوت العالم أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، أن القنوات الفضائية لها أهداف إعلامية اتصالية، بعضها له أهداف اقتصادية و ترويجية، والبعض الآخر يرتبط بدعم السياسات الخارجية لدولة، أو تدعيم الصورة الذهنية لدولة لدى الدول الأخرى، بينما يرتبط البعض الثالث بتوجية الرسالة الإعلامية لمواطني هذه الدول الذين يقيمون في الدول الأخرى.

وظائف أخرى :

ويضيف د. صفوت العالم، نحن أمام ظاهرة تجاوزت وظائفها الإعلامية المحددة، وامتدت إلى وظائف أخرى سياسية واقتصادية و أحيانا مخابراتية، وبالتالي فان الجمهور العربي بات مستهدفا على المستوى المعرفي والاقتصادي والسياسي، وعلى ذلك فان الإنسان العربي يمثل أهمية بالنسبة للدول التي أنشأت هذه القنوات لمخاطبته والتأثير فيه.وألمح الى ان هذه الدول كانت قد حرصت في السابق على إنشاء إذاعات ناطقة بالعربية، بينما كانت دول أخرى تقوم بتوزيع مجلات بأسعار رخيصة مثل ألمانيا التي أصدرت مجلة الديمقراطية، في مقابل مجلة الشرق الروسية، بينما كان المركز الثقافي الأمريكي يقوم بتوزيع كتب ثقافية.

تجارب سابقة :

ويرصد الكاتب الدكتور محمد الجوادي ـ عضو مجمع اللغة العربية- مجموعة مؤشرات ايجابية في هذه القضية منها ان اهتمام الدول الكبرى والحضارات المتقدمة بالدول والقوميات المهمة عالميا في مختلف المجالات يدفع هذه الدول الكبرى إلى التفكير في وسائل الاتصال المباشر بينها وبين السواد الأعظم من هذه الجماهير، لافتا إلى أن إذاعة البي بي سي كانت محاولة رائدة للسيطرة على الدول العربية ووجدان أهلها من خلال الإذاعة الرصينة ونافستها إذاعة ألمانيا النازية التي لا ينتبه الكثير من مؤرخينا إلى أنها كانت العامل الحاسم في تشبع المصريين وغيرهم بفكرة انتصار ألمانيا، وأن هذا الانتصار يمثل خلاصا للشعوب المستضعفة من الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، وتواصل هذا المد في عهد ديجول عندما جاءت التجربة الأوروبية الثالثة متمثلة في راديو مونت كارلو، ثم تبعتها تجربة رابعة وهي إذاعة صوت أمريكا غير أن التجربة الأهم من المنظور الاستعماري هي صوت إسرائيل.

إسرائيل وأم كلثوم :

المؤشر الآخر كما رصده د. الجوادي أنه رغم الأهداف الاستعمارية لهذه الإذاعات إلا أنها أفادت اللغة العربية وحضارتها، والطريف في الأمر أن إذاعة إسرائيل حافظت على تراث أم كلثوم وعبد الوهاب عندما سرقته، في حين أن أصحاب التراث الأصليين فرطوا فيه لأسباب علمية وأمنية، بل تم محو بعضه لأسباب سياسية من قبيل إلغاء وجود الملك فاروق كما حدث في أغنية” الفن.

قوة تكنولوجية :

ويؤكد د. محمد الجوادي أن سيناريو تجربة الإذاعات الأجنبية الموجهة للعالم العربي يعاد تكراره مجددا عبر الفضائيات الأجنبية في عالمنا المعاصر مشيرا إلى انه كثيرا ما تكون هذه القنوات الموجهة من القوة التكنولوجية بمكان بحيث أنها تفيد المغتربين العرب في أقاليم بعيدة، خاصة وان بعض الفضائيات العربية لم تفلح في الوصول إلى مناطق مختلفة من العالم وبذلك تكون الفضائيات الأجنبية أداة جيدة للتواصل العربي رغم أنف الهدف الغربي من فضائيته الموجهة بالعربية، كما أنها يمكن أن تفتح أفاقا جديدة لتناول القضايا في المنطقة.

مراجعة ثقافة الأمة :

إلى ذلك يرى د. عبد الغفار هلال ـ عميد كلية اللغة العربية الأسبق بالأزهر، أن إنشاء مثل هذه القنوات الفضائية قد يبدو ظاهريا أمرا محمودا و كريما. فهو يمكن أن يفيد نشر اللغة العربية، حيث سيعمل على تعميق الثقافات، فاللغة هي وعاء الثقافة و حين يتم التحدث بالعربية في إحدى القنوات يضطر المتحدث إلى أن يراجع ثقافة الأمة صاحبة اللغة التي يتوجه إليها بخطابه خاصة وأنه لكل جماعة لغة، ولغتهم تحمل معالم ثقافتهم وتنقل صورة حية لحضارتهم فكأنهم بذلك ينقلون لغة العربية وثقافتها إلى شعوب الدولة التي أطلقت هذه الفضائية والى كل من يستمع إلى هذه القناة لشعوب العالم.ويعتبر د. هلال أن إطلاق هذه القنوات الفضائية بمثابة نقلة حضارية تنقل حضارة العرب الى الشعوب الأخرى، لاسيما و أنها وسيلة إعلام واسعة الانتشار، بل ويعده أيضا فتحا جديدا للغة العربية لتطلق و تثبت جدارتها بين شعوب العالم، وبين اللغات الأخرى، موضحا أن الشعب الروسي أو الصيني أو الفرنسي الذي يقوم بفتح قناة بالعربية فسوف يحاول نقل حضارة اللغة العربية، وهذا يثبت أن اللغة العربية ليست لغة عاجزة عن استيعاب العلم و التكنولوجيا الحديثة كما يعد دليلا حيا و برهانا واضحا أمام دول العالم على كفاءة اللغة العربية و أنها في الصدارة من اللغات الحية.

أخطاء فادحة :

وطالب د. هلال العالم العربي بضرورة العمل على تحسين مستوى قنواته التي تبث بالعربية خاصة وان البث العربي في القنوات العربية فيه أخطاء لغوية فادحة، مشددا على ضرورة أن تراعي الفضائيات العربية البث باللغة الفصحى الدقيقة عن طريق المتخصصين.

حرب باردة :

من جانبه يعتبر الشاعر أحمد فضل شبلول عضو اتحاد الكتاب، أن إطلاق هذه الفضائيات نوع من الحرب الإعلامية الباردة بين التكتلات السياسية والاقتصادية الكبرى في العالم، ولا يعني هذا اهتماما منهم باللغة العربية في حد ذاتها لكنه صراع على المنطقة العربية نفسها عن طريق “ القوى الناعمة “ وهو الإعلام، وليس من أجل العرب أنفسهم لكن هذه استراتيجيات جدية بالنسب لهذه الدول حتى يستطيعوا الوصول إلى عمق الشارع العربي عن طريق هذا الغزو الإعلامي الجديد.

دراسة التربية :

ويستبعد الشاعر شبلول أن تسعى هذه الفضائيات لإفادة المنطقة، وعاد بالذاكرة إلى زمن الحملة الفرنسية عندما جاءت إلى مصر وأتت بوسائل علمية جديدة مثل المطبعة وجيش من العلماء ليس بهدف إفادة مصر بقدر ما أفادته كمستعمر لدراسة التربة التي يقف عليها، والدليل على ذلك أن هذا المستعمر عاد بالمطبعة مرة أخرى ولم يتركها ليستفيد منها المصريون.

أما الدكتور عبد الحميد إبراهيم رئيس جمعية الوسطية للغة العربية فيرى ان في إطلاق هذه الفضائيات الأجنبية باللغة العربية بشرى طيبة لأنها تعني أن العالم العربي قد أصبح مهما على الخارطة الدولية لافتا إلى انه لا يمكن لمثل هذه الدول ان تتعب نفسها وتنفق أموالها أو تدفع علماءها لكي يقيموا قنوات فضائية ناطقة بالعربية إلا إذا كانت ستشعر بأهمية منطقتنا العربية التي أصبح لها حضور في العالم المعاصر وانه لا يمكن تجاهلها.

ثأر تاريخي :

ويقف د. عبد الحميد إبراهيم عند نقطة مهمة أخرى الا وهي مسؤوليتنا تجاه هذه القنوات موضحا انه لا يكفي ان نشعر تجاهها بروح التفاؤل والانشراح وإنما يجب أن ننتبه إلى حقيقة أن بعض الدول لها ثأر تاريخي لدى العالم العربي، وبالتالي فانه يمكنها أن تستغل مثل هذه الفضائيات لمحو الشخصية والثقافة العربية والإسلامية وبث روح الفرقة والعنف بين الطوائف العربية، وذلك عبر استثمار الإعلام المعاصر باعتباره هو الذي يمهد للغزو الفكري والعولمة والسيطرة.

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com