الرئيسية / المكتبة الصحفية / أحمد أمين الكنز الخفي

أحمد أمين الكنز الخفي

يعد أحمد أمين علامة من العلامات البارزة في أدبنا العربي المعاصر،وحين يكون على دارسي الأدب أن يجدوا نموذجا للأديب الذي لم يترك من الآثار الأدبية  ذات الأشكال شيئا على الإطلاق ،وهو على هذا من الأدب بمكانة لا يستطيع معها أحد أن ينكر عليه أنه أديب،فسوف يجدون أحمد أمين .

في أحمد أمين تمثلت رفعة صفات على صفات أخرى يظنها الناس في المكانة الأرفع ،فأحمد أمين كان بحاثة وكان أديبا ،والعقاد كان يظن أنه حين يقول عن أحمد أمين أنه بحاثة عالم وكفى فهو يمنع عنه مجد ” الأدب ” حتى اضطر فضل إنتاج أحمد أمين أن يضفي عليه هذه الصفة أيضا، فطفقت دمعة من عين أحمد أمين ،أو هكذا كان يمكن أن تصور الأمور .

ومع هذا فهل يمكن لنا أن نقول أن وصول الإنسان إلى أن يكون أديبا أعظم شأنا من وصوله إلى أن يكون عالما بحاثة؟؟؟

يصعب هذا حتى يصل إلى درجة المستحيل،وعلى هذا فقد كان أحمد أمين أديبا على أعظم ما يكون التأدب الحق،عالما على أروع ما يكون التعلم الحق.

وعلى نفس السطر ( إن جاز هذا التعبير ) كان أحمد أمين قد لاقى صعوبة في نوال الأستاذية ،وهي الصعوبة التي لم يجدها في نوال العمادة ،وهذه هي الخلفية الحقيقية لقولته المشهورة ” أنه أكبر من عميد وأصغر من أستاذ ”  ( على رغم ما قد يشيع لهذه المقولة من تفسيرات كثيرة أخرى  قد تتوافق مع نظراتنا المثلى لأوضاع اليوم )….

ولكن هل يعني ذلك أن بإمكاننا أن نقول أن العمادة شيء أقل من الأستاذية مع علمنا أن كل عميد لابد وأن يكون أستاذا قبلها ؟؟؟

وعلى نفس السطر أيضا يمكن القول أن أحمد أمين كان صحافيا ممتازا،بل رئيس تحرير ( فعلي ) لمجلة أسبوعية  صدر منها 732 عددا على مدى 13 عاما من أخطر الأعوام التي مرت بالإنسانية على مدى تاريخها ( مع أن أحمد أمين لم يختر هذه الأعوام لصدور المجلة التي تولى أمرها ،ومع هذا فإن أحمد أمين كان أكثر أدبائنا الكبار ابتعادا بقلمه عن الصحف السيارة ،وكان أكثرهم رفضا لتولي مسؤولية صحيفة حزبية ،وكان الأديب الوحيد تقريبا الذي ابتعد عن السياسة وعن الأحزاب ( ابتعد توفيق الحكيم عن الأحزاب ،ولكنه لم يبتعد عن السياسة ).

ومع هذا كله فقد كان أحمد أمين يبدو في الحياة العامة وكأنه أكبر من صحافي، وأصغر من سياسي ،ولكن هل المكانة التي وصل إليها أحمد أمين الصحافي أقل من المكانة التي كان يمكن له أن يصل إليها كسياسي؟؟؟

قد يكون الجواب بالنفي هو أوضح الإجابات أيضا.

هذه الظواهر الثلاث تقودنا إلى البحث في عمق عن طبيعة رجل،كان من الممكن أن يظل  في سلك القضاء الشرعي،يتباعد عن الناس والجمهور وأهل الحل والعقد بحكم  مثاليات مهنته ،حتى يأتيه أجله بعد أن يتقلد رئاسة المحكمة الشرعية العليا مثلا،فيقودنا مثل هذا الافتراض إلى القول بأن طه  حسين كان صاحب الفضل الأول على الثقافة العربية،حيث أتاح لها أن تعطي دورا لأحمد أمين ،وهو الفضل الذي ظهر في موقفين:

أولهما حيث هيأ طه حسين لأحمد أمين الكرسي الذي شغله في كلية الآداب،وثانيهما حيث اتفق الرجلان ومعهما الأستاذ على أن يشرعوا في تأليف تلك الموسوعة التي لم يقم بواجبه فيها حسب الاتفاق غير أحمد أمين نفسه.

فكانت للمكتبة العربية تلك الثروة الرائعة التي منها فجر الإسلام وضحاه.

ومع هذا فهل كان طه حسين حين أدى هذا الذي أداه غير واع بالقيمة الكبرى لهذا الرجل؟؟؟هل عرف طه حسين عالمنا عن طريق الصدفة؟؟؟هل جاء به إلى هذا المكان من الجامعة على سبيل المجاملة أو الشكلية ؟؟؟ليس من شك في ان الجواب الحق هو النفي،وقد كان أحمد أمين مرشحا في ذات الوقت للانضمام إلى هيئة التدريس في كلية الحقوق من ذات الجامعة.

ومع هذا يتبقى لنا بحكم التفكير الرياضي أن نسأل سؤالا آخر : هل لو لم يكن طه حسين قد اكتشف في أحمد أمين ما اكتشف ،وجاء به إلى الجامعة ؟؟؟هل كان أحمد أمين سيبقى في هذا السلك الذي ينتهي به على أحسن الفروض إلى رئاسة المحكمة الشرعية العليا؟؟؟هل كان أحمد أمين كنزا لا يعرف طريقه إلا طه حسين؟؟؟

والإجابة عن هذا السؤال تحتاج بعض البحث في تاريخ الرجل قبل أن ينضم إلى الجامعة وأسرتها،وتحتاج أيضا بعض التأمل في نفسية أحمد أمين وانطباعاته عن طريقه في الحياة،كما يظهر من التحليل الواعي لما بين السطور في كتابته عن حياته في الترجمة الذاتية التي نشرها.

وتحتاج بعض التشكك في إمكان أن يبدأ عالم مساره العلمي فجأة ،حين ينتقل من مجال وظيفي إلى مجال آخر ،فإذا راجعنا هذه الزوايا الثلاث مراجعة دقيقة فسوف ندرك بوضوح أن أحمد أمين لم يكن ذلك الكنز الذي لم يعرف طريقه غير طه حسين،ولم يكن ذلك الكنز الذي لا يعرف نفسه ،ولم يكن ذلك الكنز الأستاتيكي الذي يمكن له أن يظل من دون أن يدري بعيدا عن تحقيق ذاته فيما حباه الله فيها من صفات متفردة…

على هذا النحو نستطيع أن نعيد التأمل في رجل شارك منذ الأيام الأولى  في تأسيس لجنة التأليف والترجمة والنشر وفي نشاطها،وفي رجل بذل جهده في تعلم اللغات والقراءة بها،وبذل جهده في تكوين شخصيته وسد الثغرات التي تركها نظام تعليمي غير متكامل ،وفي رجل وصل إلى ما وصل إليه من مجد وجاه،فلم يفقد منه شيئا إلا الإحساس به.

تاريخ النشر : 02/12/1986

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com