الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات ماقبل الجزيرة / الأهرام / عبد الحميد كفافي: أول المضحين وأول الضحايا

عبد الحميد كفافي: أول المضحين وأول الضحايا

 

تكاد قراءة التاريخ تنبئنا بأن المثاليين يصنعون الثورة،وأن المغامرين ينفذونها،وأن الوصوليين والانتهازيين هم الذين يفيدون منها.

وقد كان عبد الحميد كفافي واحدا من المثاليين القلائل الذين بدأت على أيديهم ثورة23 يوليو 1952،وقد ظل هذا الرجل حريصا كل الحرص على المثالية حتى بعد أن ابتعد عن الثوار والثورة والحياة العامة منذ العام الأول لقيام الثورة.

ولعبد الحميد كفافي فضل على الثورة من ثلاث زوايا :

الزاوية الأولى :

أنه كان من البادئين بتكوين تنظيم للضباط في سلاح الفرسان ربما قبل أن يبدأ الآخرون،وجيلنا الذي لم يشارك في الثورة لا يجد في كتاباتنا التاريخية معلومات وافية عن تنظيم واضح ومحدد المعالم والنشاط بنفس الصورة التي كانت عليها تنظيم سلاح الفرسان،وكان كفافي أبرز أقطابه مع مصطفى نصير ،وجمال منصور،وسعد عبد الحفيظ،وقد عانى عبد الحميد كفافي قبل الجميع فاعتقل فيما سمي وقتها ( 1947 ) بقضية ” المؤامرة الكبرى “ والتي تحولت بفضل ذكاء زملائه الذين بقوا خارج المعتقل إلى وسيلة فعالة للتخلص من اللواء إبراهيم عطا الله الذي كان يتمتع بثقة الملك ومحبته،ولكن الملك وجد نفسه مضطرا لأن يضحي بعطا الله بعدما انتشرت منشورات الضباط التي تندد بما فعله عطا الله، وتصوره على أنه محاولة منه للوقيعة بين الملك ( فاروق ) وجيشه المحب له،وهكذا قدر لكفافي أن يخرج من السجن الذي دخله وهو لايزال ضابط في ريعان شبابه،وقد حفظت قضية المؤامرة الكبرى  بأمر النائب العام ولكنها لم تسقط إلا بعد قيام الثورة.

الزاوية الثانية :

التي أفاد بها كفافي الثورة وبلاده هي مساهمته الفعالة بالمال واليد والقلم في صياغة أقوى سلاح تمكن به الضباط الأحرار من أن يحدثوا التجاوب المبكر مع ثورتهم القادمة داخل القوات المسلحة وخارجها.

وقد كان هذا السلاح هو المنشورات التي بدأها كفافي وزملاؤه،ثم استمرت إلى قيام الثورة،وإلى كفافي يرجع جزء كبير من الفضل في الوصول بهذا السلاح إلى أقصى فعاليته،وقد نجح في هذا بفضل تخطيط جيد،وبفضل التجربة،والخطأ، وبفضل التضحية من أجل الوسيلة بالوقت ،وبالمال،والجهد،ومن حسن حظ تاريخنا أن هذه المنشورات لم تفقد نهائيا من ذاكرة الأمة,وفي مذكرات السفير جمال منصور صور فوتوغرافية لكثير منها ،ولكن يكفي أن ندل القارئ على أن كفافي وزملاءه قد استطاعوا بناء ” مؤسسة كاملة ” لهذه المنشورات منذ مرحلة مبكرة ،فقد كانوا يملكون بمدخراتهم المعقولة آلة الطباعة الجديدة وأدواتها،وكانوا يوظفون للمهمة ناسخا شاركهم المخاطرة من أجل وطنه،وكانوا قد احتاطوا حتى في كتابة العناوين على الأظرف بأن طبعوا على ” الأس تنسل ” مانسميه اليوم قوائم البريد في شرائط رفيعة يلصقونها فوق الأظرف فلا تتمكن الأجهزة كلها من الوصول إلى خط يمكن مضاهاته.

ولم تكن المنشورات هي السلاح الوحيد الذي حارب به كفافي في معركته فقد تعاون مع مصر الفتاة في تدريب شبابهم،ومد يده للتعاون مع الإخوان المسلمين وحسن البنا،ومع كل القوى الوطنية الموجودة في الساحة الوطنية في تلك المرحلة.

أما الزاوية الثالثة :

التي خدم بها كفافي ثورته فهي في نظري أهم ما قدمه هذا الرجل العظيم لهذه الثورة العظيمة بعد تحقيقها،فقد كان بمثابة أول معارض حقيقي من داخل الثورة وصفوفها ،ولم يكن هذا إلا تعبيرا عن  شجاعته الفائقة حين وقف مبكرا جدا أمام الأخطاء معرضا صدره في جسارة فائقة لسهام الأصدقاء وحلفاء الأمس،وهي السهام التي تكون في العادة أقوى وأشد وأفتك من سهام الأعداء.

ولست من الذين يحبذون التحسر على ما فات فيقولون إن الأمور كانت ستتغير إلى الأفضل لو اخذ برأي هذا الثائر العظيم،ولكني من الذين يؤكدون أن بلادنا كانت ستتجنب كثيرا من النكسات التي منيت بها لو ظل مثل هذا الصوت موجودا ،ومسموعا ،ولكن عجلة الثورة كانت قد صممت على أن تمضي في الطريق الضيق الذي تصوره المسئولون عنها وقتها كفيلا وحده بالصواب فكان ما كان.

وترك كفافي القوات المسلحة بعد أن أبعد عن سلاح الفرسان إلى الواحات في أكتوبر 1952 ،وأبلغه حسين الشافعي مدير السلاح أن الاتجاه في مجلس قيادة الثورة كان هو صدور أحكام تتراوح بين الإعدام والسجن المؤبد،إلا أن بعض أعضاء المجلس رأوا تخفيف هذه الأحكام ،وانتهى الأمر بالإبعاد عن الوحدات القتالية،وهكذا حوكم كفافي على أيدي القادة الجدد دون أن يحضر محاكمة،وجوزي بغير تهمة لأن هذه طبيعة الديمقراطية الجديدة يومها ( ولا أقول الديكتاتورية )،بينما كان كفافي نفسه قد خرج بريئا من قبل في العهد البائد رغم أنه لم يكن بريئا بمفهوم القانون ،وهو الذي أقسم على الولاء لمليكه.

وفيما بعد عاش كفافي حياة هادئة رزقه الله فيها بأعظم نعمة في الوجود،وهي رضا النفس واطمئنانها،ولم يكن يعتقد إلا أنه أدى ماعليه لوطنه،ولم يكن يقدم نفسه للناس بأنه فعل شيئا،أو شيئا ذا بال في تغيير الحياة على أرض هذا الوطن،وقد أتيح لي أن أشرف بمعرفته ،فلم أجده إلا ذلك الجندي الذي يتفجر بالعظمة مع أنه جندي مجهول،وكنت إذا مررت بنصب للجندي المجهول أتذكر عبد الحميد كفافي،وهو يعيش بين الناس شامخ الرأس من ناحية وجنديا مجهولا في ذات الوقت.

تاريخ النشر : 21 يناير 1996

جريدة : الأهرام

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com