الدين والمرض

 

مع تقدم العلم بتقدم الزمن ينكشف للناس كثير من الحقائق التي تدعم أراء المدافعين عن الأحكام الدينية والمدعين لها بأنها تتسق مع النفع العام والنفع الخاص للبشر والإنسان.

فعن قريب قرأ الناس جميعا نتائج رسالة الماجستير التي أجراها زميل في المعهد العالي للصحة العامة بجامعة الإسكندرية في مصر من أن الاستنشاق في الوضوء وحده يتيح القضاء على عديد من الميكروبات البكتيرية التي تتجمع فيما بين وضوء ووضوء.

ومن فترة أيضا سمع الناس بنتائج ذلك البحث الأوروبي الذي تناول الميكروبات في لحم الخنزير،وكيف أنها تنتشر في هذا اللحم حتى ولو لم يرب الخنزير على القاذورات ( في المزارع مثلا ) وكيف أن نسبة الوفيات من مرض معين ترتفع بين البشر آكلة الخنزير من بين المصابين به عنها في الذين لا يتعاطون الخنزير.

والعاملون في مجال طب الجهاز الهضمي لا تنقطع عنهم أبدا مشاهدة نتائج الكحول على الكبد….والعينات الباثولوجية اليوم تتيح لهم أن يروا الآثار المدمرة لهذه العادة ( قبل أن يصل الأمر حتى إلى مرتبة الإدمان ).

وكتب الطب التي يدرسها طلاب مرحلة ما قبل البكالوريوس تشير في أول بعض المواضع ( كسرطان القضيب ) إلى ندرته المطلقة بين المسلمين واليهود الذين يقومون ( أو يقوم لهم أهلهم ) بعملية الختان….وعملية الختان هذه واقية جدا من كثير من الأمراض وبخاصة الخبيثة.

ولعل مرض” الإيدز ” الذي انتشر في العامين الماضيين في الولايات المتحدة الأمريكية و “هايتي ” بصورة ملفتة للنظر من أبلغ الأدلة على أن مخالفة السلوك القويم ( فضلا عن أنه ابتعاد عن التعليمات الدينية ) لن تمض بدون ذلك النوع الوقتي من العقاب الإلهي في بعض الأحيان.

ويكاد المتأمل للآية الرابعة من السورة الخامسة من القرآن ( سورة المائدة ) وهي آية الأطعمة المحرمة يتبين في أغلبها ( ثمانية من أحد عشر ) مانعا طبيا ( قد لاتكون صورته الكاملة واضحة أمام أعيننا….أو أن تكون معلوماتنا عنه قابلة للزيادة في المستقبل ) وتبقى بالإضافة إلى هذا ثلاثة مواقع ترتبط بحكمة التوحيد وضرورته….ولعل هذا المثل بالذات يؤكد لنا أن في الأوامر الإلهية ذلك الاجتماع بين أمور فيها النفع الدنيوي وفي تركها انتفاؤه،وأمور هي من صميم التوحيد….« ودعنا من ذلك التعبير الصحيح لغة وإن لم تكن فيه تلك الروتانية….( التحكمية ) ».

ومن الأمور التي يجب أن نقف عندها بإمعان وتدبر شديدين أن تكون آية المحرمات من الأطعمة هي الآية التي آخرها آخر ما نزل من القرآن الكريم وكأنما تمت النعمة وأصبح الدين كاملا جامعا مانعا ليس فيه ما يأخذه عليه الكفار ” اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون” صدق الله العظيم.

على أن من الطريف الذي لا ينبغي للمرء أن يمر عليه مر الكرام أن الأسماك ( من نتاج البحور ) تعد شرعا استثناء من الميتة….وذلك لطبيعة هذا الطعام الذي تزهق روحه بعد أن يخرج من الماء الذي هو حياته….وفي ذلك تورد كتب الحديث حديثا للنبي صلى الله عليه وسلم ( وهنا يتضح لنا كيف تفضل السنة وتضيف إلى القرآن ).

أحلت لكم ميتتان ودمان….والدمان هما الكبد والطحال….ومع أنهما في التعبير الدقيق قد لا يكونان كذلك إلا أنهما في التعبير العام أقرب ما يكونان إلى ذلك .

على أن كل هذا يهون بجانب الناحية النفسية من بناء الإنسان المريض والسوي ( على حد سواء )….فالإيمان وهو المعنوي في جانبه الأكبر،النفساني في تعاملاته،الروحاني في طبيعته،يتعامل بالطبع مع هذا الجانب بأكثر مما يتعامل مع الجانب المادي….فإن لم يكن كذلك،فليس بأقل.

والذين يريدون أن يأخذوا فكرة عن أثر الإيمان في هذه الناحية من باثولوجية الأمراض تضطرهم الأمور بأكثر من أن يتأملوا بعمق أو بتحليل صادق حياة الناس من حولهم ولكنهم من هذا قد يجدون الحقيقة أنصع،وأوضح حين تتاح لهم الفرصة لكي يلمسوا طبائع الحياة والأطباء في بلد فيه ذلك التفاوت الواضح والآثار السريعة المدروسة كالولايات المتحدة الأمريكية.

وإذا كان تعبير ” الخوف ” في معناه الأوسع والأدق ( معا ) يشير إلى المعنى المقابل للأمن والأمن النفسي بصفة خاصة….فلعلنا نستطيع إذن أن نطمئن إلى صدق فهمنا لقوله تعالى : ” ولنبلونكم بشيء من الجوع والخوف….” الآية…

وقد لا يكون من منهج كاتب هذا المقال أن يخلط بين الأمراض العضوية والاجتماعية ولكن الذي لا شك فيه أنه لا يستطيع أن يفصل أمراض النفس عن الأمراض العضوية.

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل كان عصر عبد الناصر هو زمن التقارير السرية؟

عُرف عصر الرئيس جمال عبد الناصر على أنه عصر التقارير السرية، وكان ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com