الرئيسية / المكتبة الصحفية / الشهيد عبد المنعم رياض إستراتيجية وعبقرية فائقة

الشهيد عبد المنعم رياض إستراتيجية وعبقرية فائقة

 

أزاح الدكتور عاطف عبيد رئيس الوزراء برفقة الفريق حمدي وهيبة رئيس الأركان  نائبا عن المشير حسين طنطاوي القائد العام وزير الدفاع والإنتاج الحربي الستار عن تمثال الشهيد عبد المنعم رياض رئيس الأركان الأسبق بالقرب من ميدان التحرير تقديرا لبطولته وتضحيته من أجل القوات المسلحة وسمعتها وتخليدا لذكراه العطرة….وفي هذه المناسبة نشرت العديد من الصحف مقالات عن الشهيد عبد المنعم رياض وما قدمه لمصر والقوات المسلحة….نقدم اليوم واحد من تلك المقالات.

أخيرا وبعد أكثر من ثلاثين عاما ارتفع في قلب القاهرة تمثال للشهيد العظيم عبد المنعم رياض فخر العسكرية المصرية وسمائها الذي جمع العلم والعمل والبطولة والالتزام والخلق الرفيع،وكان مثالا لاستقامة الخلق وكفاءة المتخصص وإخلاص العامل وأمانة المسئول وتقديم الرؤساء واحترام المرؤوسين وسلامة التفكير وعمق البحث ودقة الفهم وكفاءة الأداء.

قدرة إستراتيجية:

وقد كان أستاذا متمكنا ومعلما قديرا يقنع لأنه يعلم ولأنه يعرف كيف يعلم ولأنه يملك القدرة على الإقناع ولأنه كان في عمله أستاذا بالسليقة وليس من شك في أنه على رأس قادة الإستراتيجية العسكرية وخبرائها في الشرق الأوسط ولم يكن هذا بحكم موقعه القيادي في القوات المسلحة العربية فحسب ولكن قدرة رياض الإستراتيجية هذه قد تكونت نتيجة لثلاثة عوامل تضافرت حتى كونت منه تلك الطاقة رفيعة المستوى والقدرة والقدوة .

وأول هذه العوامل هو استعداده ومواهبه الطبيعية وقدراته القيادية ومداركه الواسعة التي وهبها الله إياه، فقد كان عبد المنعم رياض بفطرته على أعلى درجات الاستعداد والكفاءة للتقبل والانتفاع بما اكتسب من أخلاق ومعارف.

والعامل الثاني أنه كانت له رحمة الله عليه خبراته الواسعة الممتدة لأكثر من 40 عاما متصلة اتصال الخيط الواحد اكتسبها في صفوف القوات المسلحة مقاتلا وقائدا وأستاذا، وطيلة هذه السنوات كان رياض في المعمعة يده في النار كما يقولون.

أما العامل الثالث فتمثله ثقافة رياض الواسعة والتي لم يتوان يوما ما عن تحصيلها واكتسابها ثم تنميتها وصقلها بكل طريقة حتى تكونت له خلفية واسعة ذات درجة رفيعة في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع والتاريخ بالإضافة إلى اللغات الثلاث التي كان يتقنها وبالإضافة إلى استيعاب تفصيلات العلوم الطبيعية المتصلة بعمله،ولو أنك بحثت في جيل رياض من العسكريين جميعا ما وجدت من يضاهيه في هذه الناحية ولا من يقترب إليه.

 وهكذا تضافرت هذه العوامل الثلاثة على تكوين قدرة إستراتيجية عليا له استطاع بها واستطاعت به أن يسهم في تنسيق وتوجيه جميع قدرات الدولة العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والمعنوية نحو الهدف الأسمى في تحرير التراب الوطني وتحقيق النصر القومي على العدو في ظل أسوأ ظروف تحيط بأصحاب هدف،وكان رياض مع هذا من أشد المؤمنين بضرورة إشراك رجال الصفوف الثانية والثالثة في القرار وهو خلق عسكري رفيع لا يتأتى لكل القادة أن يخرجوا به إلى حيز التنفيذ.

وكان عبد المنعم رياض رحمه الله يتميز بالواقعية في تحديد هدفه ومن المؤكد أنه لم يكن أبدا من هواة التحليق في الخيال ولا الهيمان مع العواطف والآمال ،وفي ذلك أثر عنه قوله ” لا يستخلص تقدير الموقف السليم إلا من الحقيقة فكل أعمال الحرب شأن كل أعمال الحياة تدور حول اكتشاف ما لا تعرفه من حقائق ،وما كشفت عنه الحقيقة هو نفس ما يحتويه الواقع “ ،ومن هذا المنطلق كان تخطيط رياض الذي اقترحه لإستراتيجية المعركة مع إسرائيل وهو التخطيط الذي أقره مؤتمر القمة العربي الثاني في قراره الذي وصف الهدف العربي في المجال العربي بأنه ذو مرحلتين :هدف أولى عاجل هو تعزيز الدفاع العربي على وجه يؤمن للدول التي تجري فيها روافد نهر الأردن حرية العمل العربي في الأراضي العربية،وهدف قومي نهائي هو تحرير فلسطين،ولكل من الهدفين أسلوب خاص بحشد الطاقات المسيرة وفق لحظة تفصيلية ،ومن منطلق الواقعية في تحديد الهدف كانت مساهمة عبد المنعم رياض في صياغة نظريتنا الإستراتيجية بعد حرب 1967 ،وهي الإستراتيجية التي فرقت بين معركتين لكل منهما هدفها وأسلوبها….معركة إزالة آثار العدوان ومعركة إعادة الحق المغتصب إلى شعب فلسطين ،وحين أدركت إسرائيل مغزى هذه الإستراتيجية الحكيمة عبر قادتها عن ذلك بقولهم إن المخطط العربي يهدف اليوم إلى تصفية الوجود الصهيوني على مرحلتين وقد لا يصدق البعض أن مثل هذا القول كان لا يزال يصدر عن الغطرسة الصهيونية حتى في عقب النصر الساحق الذي تحقق لهم في يونيو 1967.

قدرات فنية فائقة:

وكان لعبد المنعم رياض على المستوى الشخصي قدرات فنية على درجات عالية من النضج والكفاءة،ومن ذلك ما حدث حين أوفد إلى جنيف سنة 1953 على رأس لجنة لوضع مواصفات تسلم صفقة من المدافع المضادة للطائرات كانت الحكومة قد تعاقدت عليها سنة 1951 مع مصانع ” سبانوسويرا ” السويسرية.

وحين اجتمع رياض بالموردين ذكر لهم أن الطيران الحديث قد تطور تطورا كبيرا في السنوات الثلاث الأخيرة وأصبحت وسيلة تغذية هذا النوع من المدافع بالطلقات غير مواكبة للسرعة التي وصلت إليها الطائرات الحديثة وأبدى الموردون عدم الاقتناع بوجهة نظر رياض خاصة أن حلف الأطلنطي كان قد تعاقد معهم علة نفس المدفع ،ونشطت المناقشات العلمية الواسعة حول هذه النقطة واستطاع رياض مع قدر من المثابرة أن يحملهم على الاقتناع برأيه وبخاصة بعدما استشهد لهم بالحسابات الفنية الدقيقة،وهكذا عدل الجانب الغربي عن رأيه وشكل لجنة علمية من بين مهندسيه بالاشتراك مع عبد المنعم رياض لتولي أمر تطوير المدفع وبدأت اللجنة في إجراء تجاربها الإنتاجية الأولى بعدما قطعت شوطا بعيدا ولكن هذه التجارب أظهرت فشل التصميم بالنسبة لأحد الأجزاء واستعصى على اللجنة حل هذه المشكلة وعندئذ اقترح رياض أن تستدعي اللجنة أحد أساتذة جامعة القاهرة لدراسة هذه المشكلة وأكد لهم ثقته التامة في قدرة هذا الأستاذ ،ودهب الأستاذ المصري فنجح في مهمته وعاد رياض بالتطوير الجديد بالمدفع المضاد للطائرات،وبعدها بعام كامل طلب حلف الأطلنطي أن تجري على مدافعه التي تعاقد عليها التعديلات نفسها التي أجريت لصفقة الجيش المصري بفضل قدرة رياض الفائقة.

كان عبد المنعم رياض يؤمن بالأهمية القصوى للطيران وكان يقول للذين يحدثهم “….إذا أرادت إسرائيل أن تضرب فبالطيران قبل غيره وإذا أردنا ضربها فبالطيران، وحرب الطيران هي حرب السرعة الخاطفة،حرب الأيام المعدودة على أصابع اليد الواحدة وبعدها النصر أو الهزيمة ” .   

وكأنما كان رياض يستشرف في هذا ما استطاعت قواتنا المسلحة أن تحققه في حرب الساعات الست في أكتوبر 1973 بفضل سلاح طيران قوي جيد العدة….فدائي الخطوة….قاده قائد ذهبي دخل التاريخ من أوسع أبوابه.

كم كان عبقريا :

في أول مايو سنة 1953 ترك عبد المنعم رياض قيادة مدرسة المدفعية المضادة للطائرات وهو المنصب الذي بقي فيه لمدة سنة كاملة قامت خلالها ثورة 1952 ليتولى قيادة اللواء المضاد للطائرات بالإسكندرية وهناك عاش شهيدنا قريبا من أخيه الدكتور محمود رياض الذي كان يعمل في ذلك الوقت أستاذا للإلكترونيات في هندسة الإسكندرية،وقد عاد التقاء الأخوين بالخير على الوطن ذلك أن جيشنا كان إلى ذلك الحين ينفق على تدريب المدفعية المضادة للطائرات كثيرا من الأموال يشتري بها الطائرات ( الهدف ) وهي طائرات بلا طيار توجه باللاسلكي من الأرض وتناور بينما تلاحقها المدافع بالنيران لتصيبها وتسقطها إثباتا للمقدرة،وكان ثمن الطائرة الواحدة من طائرات الهدف هذه في أوائل الخمسينيات يبلغ خمسين ألفا من الجنيهات فلما اجتمع الشقيقان الدكتور محمود والشهيد عبد المنعم رياض،واجتمعت أستاذية الأول في الهندسة والإلكترونيات بخبرة الثاني في مجال تخصصه تمكنا من وضع تصميم للطائرة يمكن معه تصنيعها محليا بربع تكاليف استيرادها من بريطانيا وصارت قواتنا المسلحة تصنع هذه الطائرات محليا بعد ذلك.

وفي خلا قيادة رياض للدفاع الجوي المضاد للطائرات نجح الشهيد في إدخال كثير من التطويرات والتحديثات على هذا السلاح كما نجح في إدخال المعدات اللاسلكية الإلكترونية،كما واصل إجراء الدراسات المتلاحقة والمواكبة للتطورات الجديدة في صناعة وسائل الدفاع وهي الدراسات التي بدأها بالأمس القريب في مدرسة المدفعية حين كان الحصول على أجهزة الرادارات في ذلك الوقت من اخطر الأسرار في الجيوش المحاربة.

قائد ثاقب النظرة:

وفي حرب عام 1956 كان القائمقام عبد المنعم رياض يشغل منصب قائد الدفاع المضاد للطائرات فلما كانت ضربة الطيران التي بدأت بها إسرائيل….أدرك الرجل العسكري بثاقب نظره أن مكانه لم يعد بين جدران مكتبه فخرج إلى المطارات القريبة  ينتقل بينها في سرعة خاطفة وكان يندفع بضباطه إلى المطارات القريبة من القاهرة والمطارات الواقعة في منطقة القتال لإنقاذ الطائرات الرابضة على أرض هذه المطارات وبلغ الأمر برياض وبضباطه في الحرص على ثروتنا الجوية….أنهم كانوا لا ينتظرون حتى يقودوا الطائرة وإنما يدفعونها بأيديهم وفيما كانوا يقومون بهذا كانت صواريخ العدو تأتيهم على عجل تحاول أن تصيبهم ،وفيما بين إبريل 1958 وفبراير سنة 1959 أتيح لشهيدنا أن يقضي دورة تكتيكية متقدمة في الأكاديمية العسكرية العليا ب ” فرونز ” بالإتحاد السوفيتي فأتمها بامتياز.

وطيلة الستينات لم يكن رياض يكف عن الانتقاد والتنبيه والمراجعة والتبصير لكن النفوس لم تكن مهيأة لتقبل انتقاده ولا تنبيهه ولا مراجعته ولا تبصيره ولم يكن من السهل على رياض أن يخرج من الجيش ولم يكن من السهل عليهم أن يخرجوه فرأوا من الأنسب لهم وله أن ينقلوه إلى القيادة العربية الموحدة،وانتقل رياض إلى الجامعة العربية وواصل دراسته وعمله فالتحق بكلية الحرب العليا،وفي أثناء دراسته في كلية الحرب العليا حصل على رتبة الفريق في إبريل سنة 1966….وقبيل حرب 1967 اختارت القيادة لعبد المنعم رياض أن يقود جبهة الأردن وصدر الأمر له بالتوجه من فوره إلى الأردن ليتولى مهام منصبه في آخر يوم من مايو سنة 1967 وسرعان ما وصل رياض إلى الجبهة فاجتمع في البداية بالملك حسين ثم ذهب إلى قواته فاستعرضها وإلى خطوطه فنظمها ولم يمهله القدر أكثر من ذلك….إذ سرعان ما اندلع لهيب الحرب وأصبح في موضع لا يحسد عليه فالقوات الإسرائيلية تواجهه من كل جانب والطائرات تهاجمه،وخاض أكثر من معركة من معارك الصمود….كان هدفه فيها تقليل الخسائر إن لم يستطيع رد هجوم عدوه وصمد رياض في ظل الإمكانات المتاحة له حتى استطاع أن يجنب جيوشه التي قادها مذابح كانت واقعة بلا ريب.

ولقد ظلت جماهير الشعب العربي في الأردن وفلسطين وجنود الجيش يذكرون عبد المنعم رياض بطلهم وقائدهم، وقد ظلوا زمنا طويلا يحتفظون له بصورته في مداخل بيوتهم حتى استشهد فزاد تعلقهم به وتقديرهم لسجاياه وفخرهم بالعمل يوما من الأيام تحت قيادته.

وليس من قبيل المبالغة القول بأن رياض قد شارك مشاركة حقيقية وفعالة في اختيار كل قطعة سلاح زود بها جيشنا بعد عام 1967 .

ومما هو جدير بالذكر والتقدير أن عبد المنعم رياض كان صاحب فكرة التوسع في تجنيد حملة المؤهلات العليا إيمانا منه بالمستوى الذي لا بد أن يكون عليه الجنود الذين سيحاربون بأحدث ما وصل إليه العلم من تكنولوجيا ومن ثم فلابد أن تكون لهم القدرة على استيعابها وقد أثبتت الأيام وحرب أكتوبر عام 1973 بعد نظر شهيدنا العظيم صاحب الأفكار الثاقبة.

تاريخ النشر : 01 أغسطس 2002

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com