الرئيسية / المكتبة الصحفية / كان أقوى من حروف الزمان

كان أقوى من حروف الزمان

 

فقدت مصر بوفاة محمود عبد المنعم مراد علما من اعلام الوطنية والصحفية, ورمزا من رموز حرية الوطن والاخلاص للشعب.

كان احساس محمود عبد المنعم مراد بالتاريخ عاليا وصادقا, لكن احساسه بالمجتمع كان اكثر منه علوا وصدقا, وكان ايمانه بالشعب هادرا وقويا, لكن ايمانه بالعمل كان أهدر واقوى, وكان حبه للتقدم متأججا, لكن ايمانه بالارتقاء كان اكثر ظهورا من حبه للتقدم..وهكذا تكونت في شخصيته عوامل اتزان قبل ان تتلاقى على هذا النحو في شخصية عاشت وعانت, واحبت واستعذبت, وجادت وجودت.

بدأ محمود عبد المنعم مراد حياته الصحفية بعد فترة من التقلب في وظائف التدريس والعمل الاداري, ولم يكن من الصعب عليه ان يكتشف انه خلق للصحافة, فقد كان رجلا معنيا بالحقيقة في المقام الأول والأخير, وكان حتى أخريات حياته يبدأ زواره بالسؤال عما وراء الأخبار, وعلى الرغم من أنه كان يعرف الكثير فإنه كان يستزيد من معارف غيره, وكان يصرح بهذا مبتعدا عن التعالم وعن التخابث في الوقت نفسه, وكانت نظرته واضحة للعيان, وقادته إلى البساطة في التعبير والتصوير وكان من عنايته بوضوح الفكرة حريصا على وضوح العبارة, ولم يكن يدور بخلده أن يتفذلك ولا ان يتحذلق. ومن الغريب أن اسلوبه ظل بعد الثمانين اقرب ما يكون إلى اسلوب أبناء الثلاثين.

وكان منحازا للشعب في مجموعه, وللمستضعفين بلا إستثناء, وكان مع هذا الإنحياز متشبثا بالمستقبل, يطالب بالعمل من أجله حتى لو أن هذا العمل إقتضى التضحيات الجسام, كان من أنصار الحرية وقد دفع ثمنها عن حب وطواعية ورضى من حياته ومن حريته ومن قوته ومن راحة باله, ومع هذا فإنه كان يتفهم دواعي السياسيين والعسكريين الذين لا يؤمنون بالحرية المطلقة. كان يراهن على الحرية وعلى جدواها, لكنه كان يعذر الذين لا يؤمنون بها ولا بجدواها, كان يتمنى لهم الهداية لكنه كان موقنا بأن هذا ضد طبائع الاشياء.

يذكر التاريخ القومي لمحمود عبد المنعم مراد بكل انصاف مواقفه في أزمة مارس 1954 وما انطلق منه هذا الموقف الشجاع الجبار وما دل عليه من وطنية صادقه, وتمسك بالمبدأ ودفاع عن الديموقراطية وتوظيف للصحافة وللكلمة من أجل الشعب ومستقبله.

ويذكر التاريخ لمحمود عبد المنعم مراد أنه لم يتوقف لحظة واحدة للتفكير في اللعب على الحبلين, ولا في المناورة, ولا في فتح باب أمام نفسه للتراجع, كما أنه في الوقت ذاته,وكان مديرا لتحرير أكبر جريدة مصرية في ذلك الوقت, إنحاز كلية إلى الرهان على الديموقراطية على الرغم من أن الظروف لم تكن في صف رهانه, لكنه فيما يبدو كان قد رزق التوفيق في أن يحفر لنفسه تاريخا بارزا في لوحة شرف التي يحتفظ الوطن فيها لأبناءه المخلصين بمكانتهم مهما سبقهم إلى متاع الدنيا غيرهم من الأفاقين والعملاء وقصار النظر.

بدأ محمودعبد المنعم مراد حياته الصحفية من مكانة متقدمة أتاحتها له دراساته وتجاربه الثقافية, وقد كان “1950” من طلائع خريجي قسم اللغة العربية في كلية الأدب جامعة القاهرة حين كان التخرج في هذا القسم يدفع أبنائه الى إقتحام مجالات الترجمة والكتابة والتأليف موظفين ما نما فيهم من فهم جدي للغة والكلمة والحضارة وقدرات عالية على التحرير والتعبير, ويذكر تاريخنا الأدبي أن محمود عبد المنعم مراد ترجم عن الانجليزية “الحب الاول” للكاتب الروسي تورجنيف, وقد نشرت دار الكاتب المصري التي كان طه حسين يتولى امورها هذه الترجمة لمحمود عبد المنعم مراد في طبعة فاخرة , ومن العجيب أن هذا الرجل في ظل ظروف الإعتقال والشتام لم يكن يملك نسخة من عمله هذا مع أنه ناشر وصاحب مكتبة, وقد كان لي الشرف أن أهديه منذ سنوات نسختي من عمله هذا الرائع الذي كان ينطق بالقدرة على التجويد كنتيجة حتمية للاخلاص للفكرة والعمل.

كان محمود عبد المنعم مراد أهل تقدير, وكان قادرا على ان يمد يده بل روحه لكل من يستحقون التقدير والتشجيع وقد جمع بين روح الشيوخ في حكمه على الأمور وروح الشباب في إنفعاله بها, ولم تكن حكمته بقادرة على ان توقف اندفاعه المتوثب نحو اليسار بكل ما يعنيه, ولا كانت اندفاعاته تحول بينه وبين ادراك الجانب الآخر من الحقيقة حيث تزوده ثقافته و تجاربه بالقدرة على فهم الحاضروالتنبأ بالمستقبل.                                                 

كان من حظي أن اجلس إليه وأستمتع بصحبته حيث اكتشفت من تجربته الثرية ان الحكم ابسط من كل منطق, وحيث الحب أنقى من كل عاطفة, وحيث الحديث ألذ من كل متعة , ولم أكن أخرج من لقائي به إلا بشئ جديد,

ومن عجب اني ما رأيت صفاء الحقيقة وايمانها عند أحد كما وجدتها عنده ويبدو لي ان الله سبحانه وتعالى قد من عليه من هذه النعمة بالقدر الذي جعله ينتصر على كل ما ابتلته به الحياة مرة بعد اخرى ,سواء في ذلك فقد الابناء أو غدر الأدعياء, لكنه في ما يبدو لي الآن كان اقوى من كل صروف الزمان.

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com