الرئيسية / المكتبة الصحفية / مأزق الجامعة المصرية.. 2- تدني المستوى التعليمي وعدم مواكبة التحول التكنولوجي

مأزق الجامعة المصرية.. 2- تدني المستوى التعليمي وعدم مواكبة التحول التكنولوجي

 

 

تاريخ النشر : 20/05/1992

المصدر : مركز الوفد للدراسات السياسية والإستراتيجية.

 

تناولنا في المقال الماضي مأزق انقلاب الهرم الجامعي ونتناول اليوم المأزق الثاني وهو “إهمال الوظيفة ” وليس المقصود بإهمال الوظيفة تقصير الجامعة فيما نص عليه التشريع من وظائف محددة لها في ثلاثة مجالات هي : التعليم والبحث العلمي وخدمة البيئة فحسب. ولكن المقصود الحقيقي من هذا الوصف هو غياب الجامعة حين كان ينبغي لها أن توجد إبتداءا وأن يكون لها الحضور اللائق ثانيا، وأن يكون حضورها بعيدا عن المكانة التي يطمح الجمهور لها أن تحتلها ثالثا….

وبناءا على هذا التعريف يمكن للمواطن العادي فضلا عن رجل الجامعة أن يرصد أكثر من غياب للجامعة  في الفترة الماضية :

الفشل في الحفاظ على الريادة في المنطقة :

كانت الجامعة  المصرية بمثابة النموذج الذي تحتذيه الجامعات الجديدة في المنطقة حتى لتكاد بعض الجامعات العربية القديمة تكون صورة من جامعة القاهرة مثلا ، ولكن هذا الوضع القديم لم يستمر فعلى سبيل المثال ازدهرت منذ حرب أكتوبر الحياة الجامعية في كثير من البلدان العربية وبخاصة بلدان الخليج ، وكان للدراسات العربية والإسلامية النصيب الأكبر في هذا الازدهار من حيث الكم، حيث التفتت بلاد كثيرة في مقدمتها السعودية بالطبع إلى إنشاء عدد ضخم جدا من الكليات الجامعية والمعاهد العلمية والمعنية بهذه الدراسات.

وتطلعت هذه البلاد بالطبع إلى مصر واستعانت بلا شك بكل ما أمكنها أن تستعين بهم من أساتذتها في كافة هذه العلوم ولكن الجامعة المصرية للأسف وحتى هذه اللحظة لم تطور نفسها في هذا المجال حتى من حيث الكم لكي تظل محتفظة بمستوى الريادة الذي كان لها….

ويؤسفني أن أذكر أن الدراسات الإسلامية لا تزال  حتى اليوم محصورة فيما تجود بها أقسام  اللغة العربية من اهتمام متناثر،وفيما يوجد في دار العلوم من بقايا تراث، وحتى الكلية الوحيدة التي سعت ” جامعة المنيا ” إلى إنشائها تحت مسمى ” دار العلوم ”  أوثر لها  عند نشأتها أن تسمى بالدراسات العربية والإسلامية لتبقى دار العلوم واحدة فقط كشيء تاريخي في جامعة القاهرة في الوقت الذي تكررت من تربية عين شمس أكثر من 20 كلية على امتداد الوطن كله أنقذت مصر من أزمة المعلمين التي أمسكت برقبتها في منتصف السبعينات ، وحتى هذه اللحظة لا يوجد على الإطلاق في بلد الأزهر قسم منفصل للدراسات الإسلامية في أي جامعة من الجامعات ال 11.

وتقوم أقسام التاريخ بالطبع بدراسة التاريخ الإسلامي ولكن التاريخ الإسلامي يبقى بمثابة فرع من فروع التاريخ المتعددة كالفرعوني القديم واليوناني واللاتيني والمعاصر والحديث…..الخ.

ولا يكاد يتميز أبدا عن هذه الفروع الأخرى من التاريخ، وعلى مستوى الكم لا يزال عدد المشتغلين به من بين أعضاء هيئات التدريس أدنى عددا من المشتغلين بالتاريخ الحديث والمعاصر مثلا وعلى حين يلقى هؤلاء تحديدا واضحا في تخصصهم الدقيق ما بين حديث ومعاصر ومابين قومي وأجنبي يؤخذ التاريخ الإسلامي جملة لعوامل بحثية هامة منها غياب المكتبات الكفيلة بازدهار التخصصات الدقيقة أو نبوغ أو تفرغ بعض الموهوبين في دراسات محددة تكون كفيلة بإظهار أعمال علمية موسوعية تحسب للجامعة  في هذا الوقت الذي تتفرغ  جامعات كثيرة في العالم لدراسة الصحوة الإسلامية وإخراج أإصدارات  ممتازة عن التاريخ الإسلامي،بينما نحن لا نستطيع  على أكثر تقدير إخراج ندوة عامة من دون أن تكون حافلة  بالانتقادات المشروعة وغير المشروعة .

وعلى حين يوجد معهد للدراسات الإسلامية في لندن وباريس وفي كل حاضرة أوروبية فإن جامعاتنا ال 11 تخلو من مثل هذا المعهد.

الفشل في مواكبة الحياة الاجتماعية ومشكلاتها :

نموذج آخر لغياب الجامعة عن الحياة الاجتماعية يتمثل في تقصيرها الشديد في دراسة الإرهاب ومن السهل أن يقال أن فلانا كتب بحثا عن الظاهرة كان من مسوغات ترقيته إلى درجة أستاذ في فسم الاجتماع من كلية الآداب من جامعة كذا ، ولكن المقصود بالطبع دراسة علمية جماعية متكاملة فيها التأصيل الدقيق والإحصاء العلمي ، وفيها مع ذلك توصيات محددة لحلول طويلة الأجل، وقصيرة  الأجل ،ومتوسطة المدى على نحو ما تعالج كل الدول المتقدمة من خلال جامعاتها مثل هذه المشكلة.

الفشل في مواكبة التحول التكنولوجي للمجتمع :

نموذج ثالث لغياب الجامعة تمثل في تقصيرها الشديد في دراسة السياسة التكنولوجية لمصر مع التحولات المتتالية في الداخل والخارج ، ومن حق  كل شركة قابضة أن تنتهج ما شاءت من سياسات تكفل لها النجاح العاجل والآجل ،ومن حق الحكومة  أن تنتهج ما شاءت من سياسات تكفل لها النجاح في خطة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وضبط الموازنة العامة، وميزان المدفوعات….ولكن يبقى للشعب حق في أن يمارس ضبط تطلعاته مع الواقع من خلال جهد علمائه في دراسة مدى التواؤم بين الآمال والظروف،دراسة مجردة عن الغرض والمصلحة الخاصة…..ولكن الجامعة للأسف لم تبذل أي جهد في هذا المجال.

ضعف الإسهام في تقديم حلول لمشكلات المجتمع المزمنة :

وتمثل مشكلة  الإسكان أيضا النموذج الصارخ لموقف الجامعة من المجتمع  حين انصرفت الجامعة عن الإسهام في حل هذه المشكلة ولو بتقديم نموذج المسكن الأنسب والأرخص على نحو ما فعل حسن فتحي منذ سنوات ليست ببعيدة، وانصرفت كل الجامعات  بلا استثناء إلى إقامة مساكن لأعضاء هيئات التدريس بها معتدية جهارا ونهارا على الرقعات الزراعية،ضاربة المثل الواضح لأقصر السياسات البراغماتية نظرا ، وكانت النتيجة على كل حال كما يقول البعض ” مشروعات لا تليق باسم الجامعة لأن الله لا يصلح عمل المفسدين “.

الفشل في توظيف العلملخدمة الصناعة والتنمية :

على صعيد أكثر تخصصا لم تجاهد الجامعة ولا بأدنى درجات الجهاد كالكتابة على صفحات الجرائد مثلا من أجل ” توظيف العلم في خدمة الصناعة ويكفي أن تتأمل ما ندفعه من عملات صعبة في شراء ” حق المعرفة ” في الأجهزة المنزلية والسيارات حتى هذه اللحظة وما سنظل ندفعه مما لا تدفعه بلاد  كالهند مثلا ، ولا أقول النمور الآسيوية.

والكلام في هذه النقطة بالذات يطول ويؤذي المشاعر.

وليس هناك عالم في مصر سواء في الجامعة أو المركز القومي للبحوث إلا ويستطيع أن يحدثك  عن إجراء ما لو تركت له حرية التصرف لاتخذه فتكون النتيجة توفير مليون جنيه على الأقل كل عام على الاقتصاد القومي، وتخيل عدد هذه الملايين بعدد علمائنا ،وعدد تخصصاتهم بالتالي….وتثور في بعض الآحايين أقوال من هذا النوع لعل آخرها ما رواه الأستاذ يوسف جوهر يوم السبت الماضي عن تحضير  عقار مضاد للسرطان وما عاناه صاحبه ،ولكن المجاهدين قليلون ،وما يحكى عن جهادهم يجعل الباقين يفضلون عدم الدخول إلى حلقة الجهاد من البداية ….ولكن” حجما حرجا ” كما يقول علماء الطبيعة من الجهاد سوف يكون كفيلا بتغيير الصورة عن قريب.

دعك من هذه المجالات إلى المجالات الأساسية المنصوص عليها في قانون الجامعة نفسه وتأمل معي ما وصلت إليه الجامعة من فشل ذريع في أدائها لوظيفتها:

أولا في مجال التعليم :

يكاد يكون هناك إجماع على تدني مستوى التعليم في الجامعة ،وكان يظن أن كثرة أعداد الطلبة بالنسبة لأعضاء هيئات التدريس هو السبب،فإذا المرض يستمر حتى بعد أن وصلت النسبة بين الطرفين إلى مستوى أفضل من المعدلات العالمية،ولكن يبدو أن التفاحة المريضة لم تصب التفاح بالعطب فحسب ولكنها تركت الجرثومة في الصندوق نفسه كذلك .

ومن المؤسف أن بدائل التعليم الجامعي الموجودة الآن أصبحت في الأغلب الأعم أعظم مستوى من التعليم الجامعي نفسه، وخذ على ذلك مثلا بالجامعة الأمريكية، والأكاديمية العربية للنقل البحري ،وأكاديمية السادات للعلوم الإدارية، ومعاهد اللغات الأجنبية ،ومعهد كيما بأسوان،والمعهد التكنولوجي في العاشر من رمضان….وربما التعليم المفتوح في المستقبل إذا تحرر من سيطرة الجامعة.

وتتعدد الأسباب بالطبع وراء هذا التدهور ،ولكن السبب الجوهري الذي يمكن الوصول إليه من دراسة الأسباب المتعددة التي سنتناولها في موضع آخر هو غياب روح الجامعة الكفيلة بالسيطرة على مستوى من التعليم يكون لائقا باسم الجامعة،ولا يمكن العمل على إصلاح هذا العيب الخطير بمجموعة من الإجراءات المتعجلة،ولكن الأمر يقتضي فهما دقيقا لطبيعة تكوين الطالب الجامعي قبل اتخاذ أية إجراءات ،بل وقبل ترك أساتذة الجامعة يتخذون أو يطبقون هذه الإجراءات.

ثانيا في مجال البحث العلمي :

ونقصد بالطبع البحث العلمي سواء البحث العلمي في العلوم الإنسانية أو في العلوم الطبيعية ومن الواضح أن مستوى ما تقدمه الجامعة  المصرية يقل كثيرا عن مستوى ما كانت تقدمه في الثلاثينات على مستوى القمة مثلا سواء فيما قدمه علي مصطفى مشرفة من إسهامات علمية أو ما قدمه أحمد أمين من إسهامات فكرية، ولا يستطيع منصف أن ينكر أن هذين الرجلين مثلا مع هذا شاركا بفعالية شديدة في تيسير الأمور الإدارية في كليتيهما حيث توليا العمادة، وفي الحياة  العامة بعد ذلك، وقبل ذلك أيضا مما ليس هنا مجالا لسرده.

ومع هذا فلا يستطيع أحد أن يتجاهل العمل الدءوب الذي يتفانى به نفر من علمائنا الأفذاذ اليوم لا يقلون فيما يبذلونه من جهد عن مشرفة  وأحمد أمين ،ولكن نتائجهم لا تصل إلى ما وصلت إليه نتائج السابقين ،والسبب واضح وهو غياب دور الجامعة….التي تهيئ أدوات البحث بدءا من المكتبة التي لا يكاد يضاف  إليها شيء لعشرات من السنين.،ولك أن تقارن مكتبة جامعة القاهرة على مشارف عام2000 بمكتبتها منذ ستين عاما، وأنت تعرف الفارق….فما بالك بجامعة آثرت أن تجعل من مكتبتها المركزية مقر لإدارة الجامعة المركزية،وقل مثل هذا عن الدوريات والمعامل والنشر….الخ.

وسوف تجد من ينبهك إلى أن لضآلة مرتب عضو هيئة التدريس  ….ولكن ضآلة نصيب بند  البحث العلمي ككل إذا قيس ببند المرتبات ككل التي تضخمت ميزانيتها هو السبب الأول بلا شك ،كأني أريد أن أقول إن المرتبات التي تصرف اليوم على من يقومون اليوم بوظيفة أحمد أمين مثلا تفوق أضعاف ما كان يصرف له،حتى وإن كان مرتب نظيره يقل في القيمة عن راتبه، وحتى وهذا هو العنصر الثالث في المعادلة إن كان العمل كله لا يستحق بعض ما يؤدي في مقابله.

ثالثا في مجال خدمة المجتمع :

كانت المستشفيات الجامعية في كثير من الأحيان المثل البارز على قيام الجامعة  بخدمة المجتمع.

ويبدو أن المستشفيات الجامعية ستصبح عن قريب بمثابة المثل البارز أيضا على فشل الجامعة المصرية في القيام بخدمة المجتمع،فمع زيادة عدد البحوث المطلوب إجراؤها على مرضى هذه المستشفيات بسبب زيادة عدد الباحثين من أعضاء هيئات التدريس وبسبب ارتباط  مستقبلهم بإجراء البحوث أصبح المريض المفضل هو ذلك المريض الذي يمكن له أن يلعب دور مريض التجارب المعملية وبالتالي انحسر هدف العلاج إلى الدرجة الثانية وربما الثالثة .

وعلى حين كانت المستشفيات الجامعية مكانا لتقديم المساعدة إلى الفقراء وغير  القادرين في تلقي خدمة ممتازة أصبحت في المقام الأول مكانا لتقديم الخدمة إلى العاملين فيها بتهيئة مرضى البحوث وكذلك مرضى الامتحانات ( التي زادت زيادة فائقة على الحد بسبب كثرة الشهادات وتكرار الشهادات وتكرار الامتحانات لها ).

وبالإضافة إلى هذا انتشرت رغبة محمومة في زيادة عدد أسرة العلاج بأجر، والوحدات الخاصة،وليت هذا الدخل يعود بالفائدة على المرضى،ولكنه في الغالب يعود للآسف الشديد  ليتخم جيوب القادرين من الأطباء من ذوي السلطة في توزيع هذه الدخول….ومع هذا لا يزال هناك من لا يستحي وهو يجاهر بأن العلاج بأجر كفيل  بالصرف على العلاج المجاني مع أن العلاج بأجر لم يستطيع مرة واحدة أن يتكفل بالإنفاق على نفسه….ولكنها للآسف موجات تجد موجات أخرى تحملها فلا بأس من موجة تجري فوق موجة.

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإمام المحبوب أحمد الدردير صاحب الفضل الأكبر على القانون الفرنسي

الشيخ أحمد الدردير نموذج لعالم من علماء القرن الثامن عشر الميلادي (1715 ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com