الرئيسية / المكتبة الصحفية / وزيران.. فاتهما قطار التغيير الوزاري

وزيران.. فاتهما قطار التغيير الوزاري

 

 

المصدر: مركز الوفد للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

في مذكرات عبد الوهاب التي نشرت في مطلع هذا الشهر قص علينا الموسيقار العظيم قصة فنان مبتدئ ارسل سيمفونية ألفها لبيتهوفن ليقول له رأيه فيها وأطلع عليها بتهوفن.

وارسل للفنان المبتدئ يقول له أنها جيدة ولكن يأخذ عليه أنه في مكان ما من السيمفونية حدده بتهوفن قد استعمل نوتة معينة ست مرات متتالية ، الأمر الذي جعل بيتهوفن يشعر بالملل فأرسل له الفنان يقول :كيف تنتقدني على هذا وأنت استعملت في واحدة من سيمفونيتك نوتة واحدة 21 مرة متتالية.

فأرسل له بيتهوفن يقول له : انني استعملت هذا وانت قبلته….وانت استعملت هذا وأنا لم أقبله….

هذه القصة تصور لنا جوهر شعور الرأي العام اتجاه التغيير الوزاري….فعلى حين تقبل الرأي العام بقاء آمال عثمان وسليمان متولي وماهر أباظة وعتب على الدكتور عاطف صدقي تغيير حسبى الله الكفراوي ، فإن الجمهور المصري ظل في حيرة شديدة من إصرار الحكومة على استبقاء مجموعة من الوزراء.

أصبح الناس يصابون بالحساسية المفرطة من وجودهم في مقاعدهم الوزارية .

والمسألة بلا شك لا تخضع لعوامل موضوعية وإنما فيها من العوامل الذاتية قدر كبير ولكننا لا نستطيع أن ننكر أن للعوامل  الذاتية وغير الموضوعية أهمية بالغة في استرضاء الرأي العام….واسترضاء الرأي العام ركن أساسي من مهمة الحكومة –أي حكومة- حتى إذا لم يكن من اهتماماتها….وأحيانا يدور الزمان دورته فيتمنى الوزير نفسه لو كان قد ترك الوزارة في فترة سابقة….ولكن هذا التمني يأتي حين لا تنفع  ليت….وهل تنفع ليت….ليت….شبابا بيع فاشتريت.

وقد اخترت أن أشير هنا إلى نموذجين من وزرائنا الذين فاتهم الحظ في أن يتركوا الوزارة عند تشكيلها اول امس….وسوف تثبت لهما الأيام صحة ما أقول

أولهما الدكتور الرزاز :

وانا شخصيا من المعجبين بإخلاص هذا الرجل وبشجاعته وبقوة تحمله وبداية علي ما يعتقد أنه الصواب….والرزاز يمثل أول وزير “قانوني” أو ” حقوقي” يتولى أمر وزارة المالية منذ زمن طويل….منذ عرفت الثورة طريق الاقتصاديين التجاريين ( عبد المنعم القيسوني وعلي الجريتلي وعبد العزيز حجازي، ونزيه ضيف وحسن عباس زكي وعبد الرزاق عبد المجيد واحمد أبو إسماعيل ومحمد عبد الفتاح إبراهيم وصلاح حامد وعلي لطفي…الخ) وعلى حين كانت السياسة العليا في ضبط أمور المالية تعلي من شأن الحسابات والمحاسبات جاء الرزاز ليعيد فكر العصور الخوالي في الجباية المباشرة وغير المباشرة….ولا شك أن الرزاز رجل ناجح وأنه استغل ” التشريع” مرة وراء أخرى في حل مشكلات وزارته….ولا شك أن فرصة نجاح الرزاز فيما هو آت من الزمان قائمة إذا اتبع نفس الأسلوب ونفذ المرحلة الثانية والثالثة والرابعة من ضريبة المبيعات على سبيل المثال….ثم هناك قبل ذلك الألفة الرائعة بينه وبين رئيس الوزراء وقدد كانا لفترة طويلة يجلسان في مكتب واحد في الجامعة….ولا يزال الرزاز قادرا على العطاء ، هادئ الأعصاب، مستريح البال غير مشغول بمعارك جانبية ولا خصومات ولا أي شيء من هذا القبيل….وإذن فمن العبث أن يفكر رئيس الوزراء خصوصا إذا كان هذا الرئيس هو د. عاطف صدقي هو أستاذ الرزاز في تغيير مثل هذا الوزير الذي يتولى هذه الوزارة الحساسة.

كل هذا سليم من ناحية  واحدة….ولكن الأهم من هذا كله من الناحية الأخرى أن الدكتور الرزاز اصبح ضحية هجوم الإعلام سواء كان هذا الهجوم قائما على الحق أم على الباطل….قد لا يكون  الرزاز هو المخطئ في الصورة التي صور بها أمام الناس ولكنه أصبح في صورة لا تسر عدوا  ولا حبيبا على صفحات الجرائد القومية قبل المعارضة ولن افيض في تلخيص ولا تفصيل هذه الصورة فكفى الرجل ما أصابه على مدى7 سنوات من هجوم متواصل….ولهذا كنت أظن الدكتور عاطف صدقي سوف يكون رؤوفا بالدكتور الرزاز ، فيكفيه شر ذلك الهجوم الذي لن يكف عن التواصل ويستفيد بطاقته وخبرته في رئاسة بنك مصر الدولي خلفا لوزير الاقتصاد  الجديد أو في رئاسة البنك المركزي خلفا للدكتور صلاح حامد كما حدث في هذا المنصب في اغلب الأحوال حين شغله وزراء المالية السابقون حيث يجمعون بذلك بين التوقيع على الأوراق المالية من ذات الخمسة قروش والعشرة قروش وهم وزراء، وما اعلى من ذلك بدءا من كسور الجنيهات وهم محافظون للبنك المركزي….أو على أقل تقدير كان الدكتور الرزاز يعين رئيسا لشركة مصر للتامين التي تبحث لها الحكومة عن رئيس جديد منذ شهور.

النموذج الثاني: فاروق حسني

لم يكن فاروق حسني يحلم بتولي الوزارة ولا كانت الوزارة تصاب به في الكوابيس….إذا جاز ان نستعير للوزارة صفة السيدة التي قد تصاب بالكوابيس….

ولكنه جاء وزيرا….وأشفقت عليه أقلام كثيرة من الهجوم الضاري الذي تعرض له في اليوم الأول ، وليس سرا أن الدولة وقفت إلى جانب فاروق حسني موقفا لم تقفه حكومات الثورة منذ1952 وعلى أربعين عاما مع أي وزير….وعلى الرغم من هذا الدعم اللامحدود  فإن فاروق حسني لا يريد حتى الآن أن يدعم موقفه في الوزارة بشيء من العمل الجاد ولا حتى التفكير المعقول….واعتقد ان فاروق حسني يعرف حقيقة الكتابات المؤيدة له الآن لأنه قادر على ان يفهم ما بين السطور ولكنه غير قادر على أن يتخذ أهم قرار في حياته كلها وهو أن يترك الوزارة بمحض إرادته قبل أن يسيء إلى نفسه بأكثر مما أساء….فوزير الثقافة هو طبقا لتنظيم الدولة واختصاص الوزارات الوزير المسئول عن الوقاية من الإرهاب بنفس الدرجة التي نعتبر وزير الداخلية فيها مسئولا عن علاج مضاعفات الإرهاب….وزير الثقافة هو رئيس المجلس الأعلى للثقافة الذي هو المجلس الأعلى للآداب والفنون والعلوم الاجتماعية التي هي علم النفس والاجتماع….وعلوم أخرى….يتمتع فاروق حسني برئاسة كل نجوم وعلماء مصر في هذا المجلس ولجانه ولكنه لا يؤدي أي جزء من الواجب اتجاه الإرهاب….ودعك من المشكلات الأخرى التي لا تقل عن خطورة وإن كانت أعراضها (بلغة الطب) لم تظهر بعد….وفاروق حسني يختزل دور المجلس في تكوين لجان….وقد ترك الأمين العام للمجلس في الشهر الماضي يعيد تشكيلها بطريقة غير موضوعية حتى ينال هو الآخر حظا من الهجوم فلا يكون مرشحا لخلافة الوزير….ويختزل فاروق حسني دور المجلس الأعلى للثقافة في التصويت (مجرد التصويت) على منح جوائز الدولة التقديرية ويمضي به الشطط في هذا المجال منذ شهور قليلة إلى أن يحرج رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشعب حين يفاجئهم بنوالهم الجوائز التقديرية ولو كنت مكانه لسارعت إليهما بما اعرف عنهما من تواضع لأخبرهما أنهما على وشك التورط في الفوز بشيء لن يضيف إليهما شيئا حتى يسارعا إلى إبداء رأيهما في الاعتذار عن الترشيح ليضربا المثل الذي طالما ضرباه في التواضع الذي لا نزال نلمسه إلى اليوم في الرجلين….وفاروق حسني مشغول دائما وأبدا في تغيير القيادات في وزارته وهو صاحب الرقم القياسي في التعسف في استعمال الحق الوزاري في انتداب شخصيات كبيرة وصغيرة لرئاسة قطاعات الوزارة….وسرعان ما ينقلب على هذه الأسماء الكبيرة.

ومن حسن الحظ أن كل الذين اختارهم ثم استبدل بهم غيرهم كانوا على أعلى مستوى من إنكار الذات بحيث سعدوا بالمضي عن طريقه بأكثر من سعادتهم السابقة بالعمل معه ويستطيع القارئ أن يتذكر أكثر من ثلاثين اسما من هؤلاء بدءا بالمرحوم الدكتور احمد قدري وانتهاء بالأستاذ محمد سلماوي والفنان محمود ياسين والدكتور طارق علي حسن والأستاذ فؤاد العرابي والدكتور محمد إبراهيم بكر…إلخ وهي نماذج متنوعة لطوائف عديدة….وفاروق حسني لم يقدم شيئا جادا على الإطلاق وإنما أفرط في تقديم الأشياء المظهرية جدا التي انكشفت مظهريتها وهو لا يزال في مقعد الوزارة….وهو قليل الحظ إلى حد بعيد لأنه لو كان ترك الوزارة مبكرا لقيل أنه حالم لم يسعفه الوقت بتحقيق احلامه ولكنه للأسف قبع في الوزارة لمدة6سنوات لم يتمتع بها أبدا وزير للثقافة في عهد الثورة بدءا من فتحي رضوان وثروت عكاشة ومحمد عبد القادر حاتم وسليمان حزين ويوسف السباعي وجمال العطيفي وعبد المنعم الصاوي ومنصور حسن ومحمد عبد الحميد رضوان واحمد هيكل وإسماعيل غانم وبدر الدين أبو غازي، ومع هذا فإن لهؤلاء جميعا حتى الذين لم يكملوا السنة في الوزارة( كالعطيفي) أو النصف سنة (كبد الدين أبو غازي) بصمات لاتزال باقية….أما الشاب الذي إستمتع بمقعد الوزارة 6 سنوات كاملة محرجا الدولة والنظام معه فلم يستطيع حتى أن يحتفظ بطاقة الدفع لسلفه العظيم الدكتور هيكل ومن علامات الساعة أن الدكتور هيكل الذي تلقى بدايات تعليمه في الأزهر الشريف( وما أعظم الأزهر الشريف) استطاع ان يستجلب “أوبرا عايدة” لتعرض في الأقصر وفي سفح الأهرام في عهده أما الوزير الفنان الذي تمتع بالعمل في سفارات مصر في عاصمة النور وفي عاصمة الرومان فقد نجح حتى في اضطهاد الفنانين المصريين أن يقدموا شيئا مما تعلموه على مسارح بلادهم دعك عن أن يواصل ما بدأه د. هيكل ، أليست من علامات الساعة أيضا أن يواتيه الحظ بمقابلة رئيس الوزراء أول أمس بعد أن علم أن ممدوح البلتاجي سيترك منصب رئيس هيئة الاستعلامات  فلا يسارع إلى ان يطلب من د. عاطف صدقي بحكم دلاله عليه ان يهيئ له من هذا المنصب مرفأ يحميه  من استمرار الفشل ويحفظ عليه الوجاهة الاجتماعية التي رفعت من قدر الفنان فيه، وإن كانت قد أساءت إلى صورة الفنان عموما عند المواطن البسيط الذي قد يتبنى رأي الزعيم السوفيتي خروشوف في السريالية حين كان سعيدا وهو يقص قصة اللوحة التي رسمها الحمار بذيله، فهلل لها السرياليون ، على نحو ما نفعل أحيانا بما نسميه إنجازات الثقافة في عهد الفنان فاروق حسني الذي لم أكتب ما كتبته إلا عن حب له وإشفاق عليه وأمل في أن يريح نفسه من موقع لا يخدم بلاده فيه.

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com