الرئيسية / المكتبة الصحفية / المنظور السياسي لثلاثية النية والموالاة والترتيب

المنظور السياسي لثلاثية النية والموالاة والترتيب

 

أصبح من المألوف في حياتنا السياسية أن نجد أسئلة تتخيلها صعبة محرجة للمسئول فإذا بك تجدها مصدر رزق له ومجد ، ونجد عظمة أجوبتها في إقحامها للسائل وإقناعها للمستمع أكبر من كل وصف، وتجد العجب في نفسك ،هل دار بخلد السائل أن الرد سوف يكون على هذا النحو؟ أم أنها مسرحية متقنة الصنع؟

هذا الشهوم اقد ينتابنا جميعا مع حملات صحف المعارضة ومع استجوابات النواب في البرلمان ،وفي النوادي السياسية ،ومع تلك المناقشات التي تواجه كبار المسئولين في ندواتهم العامة .

هل نحن بعد هذا كله في خير حال ؟هل نحن على أحسن ما يكون فعلا ؟أم أن الردود فقط هي التي كذلك؟

أغلب الظن أن الردود أكثر امتيازا بكثير جدا من الواقع ، ولكننا حتى اليوم تفوقنا في قدرة عجيبة على توظيف الوقائع لخدمة قضايانا بطريقة سحرية عجزت عنها شعوب العالم.

فنحن اليوم لا نجد غضاضة أبدا في أن نعيد ترتيب الأحداث على النحو الذي  يفيدنا  في عرض قضيتنا ، ونحن نجعل النتيجة سببا ، والسبب نتيجة، ونقلب الحق باطلا والباطل حقا، ونجعل من الاستثناءات قاعدة ومن القاعدة استثناء ،ونزعم أن القانون حالة عامة بينما هو في الحقيقة حالة خاصة….ونرفع الشعار لنبرر به تصرفا من التصرفات ثم نرفع ذات الشعار لنبرر به التصرف المناقض تماما.

ولست في حاجة إلى أن أذكر الأمثلة على هذه المسالك جميعا ،فالأمثلة واضحة ولست أريد أن أذهب في تحليل  هذه الأخلاق إلى إلقاء اللوم على زعامتنا التي مضت إلى رحمة الله….مع أنه من اليسير أن أشير إلى قول مصطفى النحاس باشا “من أجل مصر وقعت المعاهدة….ومن أجل مصر ألغي المعاهدة” أو الى قدرة الرئيس السادات البالغة على إخراج العمل الفني الواحد مرات عديدة في كل منها فن وفكرة جديدة.

إنما ينبغي لنا أن نتأمل في شيء من التعميم في محراب الحقيقة ،حقيقة  رجل يقف طوال اليوم في الماء الجاري سابحا مثلا أو يصطاد السمك أو…أو…إلخ، ثم يأتي على هذا الرجل ليصلي من غير وضوء ،فإذا احتج عليه ناصحه ،قال له على نحو ما نفعل على جميع مستوياتنا –في ثقة زائدة إنه عرض جسمه بنسبة 90 بالمئة للماء الطاهر على حين يكتفي الإسلام بما يقل عن 20 بالمئة وإنه أدام هذا التعرض لأربع ساعات على حين يكتفي الإسلام بأربع دقائق أو نحوها….وعلى هذا فإن وضوئه قد حقق ما يناظر 24 بالمئة ضعف المطلوب ….يا لظلمك أيها المعترض 

ويصاغ هذا الرد على نحو مؤثر فعلا، ولكن أصحاب الحكمة والعقول الداعية يعرفون تماما أن هذا الكلام هراء….فالوضوء وغيره من العبادات لابد له من نية قبل كل شيء.

وحتى لو صادف أن هذا الرجل قد غسل يديه حتى المرفقين ورجليه حتى الكعبين وغسل وجهه ومسح بجميع( لو مقدم) رأسه فإن هذه  الأركان جميعا لن تجعله في حكم المتوضئ.

وهكذا يصدق القول على ذلك الذي تصادف أنه لم يذق طعاما ولا شرابا من قبل الفجر وحتى بعد المغرب ….فليس له ان يقول إنه صام….لأنه لم ينو الصيام….

والنية كما تعرف عمل قلبي لا يحتاج كتابة ولا استئذان ولا حتى التلفظ به.

هل نحن في إصلاحاتنا نصدر فعلا عن نية ؟ أغلب الحال أن لا….وإنما نحن في إعدادنا لحدودنا وبياناتنا نجمع السوانح وننظمها في بيان يزعم أن كل هذه الإنجازات كانت في سبيل تحقيق تلك الأهداف ….ولو كانت كذلك لتحقق الكثير من أهدافنا العامة منذ زمن طويل.

بقى لنا بعد هذا أن ننتهز الفرصة لنتأمل في مبدأين هامين جدا يتضمنهما التشريع الإسلامي في حديثه عن أركان العبادات….وهما الموالاة  والترتيب.

قد لا يكون لهذين  الركنين تلك الأهمية المطلقة جدا التي للنية ، ولكنهما في كثير من المذاهب شرطان هامان لاكتمال العبادة.

فليس بوضوء عند بعض الفقهاء ذلك الذي تبدأ فيه بمسح الرجلين ثم اليدين ثم الرأس ثم الوجه….وليس بوضوء أيضا – عند بعضهم- أن تغسل وجهك ويديك وتمسح برأسك ثم تذهب لأداء حاجة وتعود بعد ساعة أو ساعتين لتغسل رجليك.

فما بالنا ونحن اليوم في حياتنا التي لا تمضي الا بالترتيب لكثرة تعقيداتها لا نحترم  الترتيب أبدا….وما بالنا ونحن في حياتنا  التي لن تحل مشكلاتها إلا بالموالاة  لا نتابع ولا نوال أبدا….هل يصح لنا بعد هذا كله أن نزعم أننا نؤدي الغرض؟ أغلب الظن أنه لا يصح ….ومع هذا فنحن لا نتورع عن رفع عقيدتنا بارتفاع نسبة الإنجاز والإعجاز.

والله يهدينا سواء السبيل.

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإمام المحبوب أحمد الدردير صاحب الفضل الأكبر على القانون الفرنسي

الشيخ أحمد الدردير نموذج لعالم من علماء القرن الثامن عشر الميلادي (1715 ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com