الرئيسية / المكتبة الصحفية / الجنزوري.. مفاجأة غير كاملة

الجنزوري.. مفاجأة غير كاملة

 

 

 

تاريخ النشر : 5يناير 1996

جريدة : الوفد

 

جاء تكليف الرئيس حسني مبارك للدكتور كمال الجنزوري بتشكيل الوزارة كمفاجأة ولكنها لم تكن مفاجأة كاملة وقد جاءت المفاجأة هذه المرة من أن التوقعات القديمة التي طال انتظار حدوثها قد حدثت فجأة

من جهة التوقيت فإن الرئيس مبارك كان قد ألمح وصرح  أكثر من مرة أن التغيير سيأتي في الوقت المناسب….ومعنى هذا بوضوح أن تأجيل التغيير كان مسألة توقيت ولم تكن مسألة مبدأ كما ردد الكثيرون ومن جهة التوقيت أيضا كان الرئيس حسني مبارك بحكم طبيعته العسكرية شديدة الانتظام يتمم التغيير في أوقات لا تكاد تخطئها عين المراقب الملم بالمواسم في حياة العسكريين.

ومن الطريف أن الوزارة التي اختير فيها الدكتور الجنزوري نفسه وزيرا شكلت في مطلع عام1982 أيضا وهو اول تغيير في عهد الرئيس مبارك وكأنه كان يقول لنفسه كما يقول العسكريون مع أول العام “أو مع النشرة”….لأن لمثل هذا التوقيت فائدة كبرى في انتظام العمل  في دولابه المعهود….ومما يذكر في هذا الشأن أن الرئيس مبارك يلتزم بموعد النشرة في التغييرات التي يحدثها في قيادات الجيوش باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وحين عهد الرئيس مبارك إلى كمال علي بتشكيل وزارته في يوليو1984 كان هذا بعد مضي أربعين يوما على وفاة سلفه د. فؤاد محيي الدين مع أن الرئيس نفسه كان قد صرح للرجلين محيي الدين وحسن علي بنيته في إسناد رئاسة مجلس الشعب إلى الأول ورئاسة الوزراء إلى الثاني قبيل وفاة محيي الدين مباشرة….ولكن التقاليد المصرية الراسخة في احترام المتوفين  دفعت الرئيس مبارك إلى تأجيل تكليف كمال حسن علي بتشكيل الوزارة حتى ذكرى الأربعين لوفاة أفضل رئيس وزراء على حد ما عبر هو لبعض الرواة.

وبدون تعسف فإننا يمكن أن نستنتج أن الرئيس مبارك كان حريصا على احترام التوقيت أيضا عندما كلف كلا من الدكتور علي لطفي والدكتور عاطف صدقي بتشكيل وزارتيهما في 1985 و1986 فقد كان حريصا على أن يتم هذا التشكيل قبل بدء دورة مجلس الشعب أو قبل أن تمضي هذه الدورة في مناقشة بيان الحكومة…

أما شخص رئيس الوزراء فلم يكن سرا أن الجنزوري كان المفضل عند الرئيس حسني مبارك كخلف لعاطف صدقي وكانت هناك عدة ظواهر متتالية على هذه الثقة يمكن لنا أن نعددها على النحو التالي:

1-منذ شهرين كان الرئيس يتحدث في لقاء عام وقال بصراحة إن شخص رئيس الوزراء لا يهم لأن ما يهمه هو الخطة والبرنامج سواء كان رئيس الوزراء هو عاطف صدقي أو الجنزوري أو غيرهما….وهكذا يمكن القول إن الرئيس مبارك بتلقائيته الشديدة كان يفكر بصوت عال.

2-دخل الجنزوري الحكومة في يناير 1982 ولكن في أكتوبر 1986 أي بعد أربع سنوات ونصف اختير الجنزوري ليكون واحدا من أربعة نواب لرئيس الوزراء الجديد الدكتور علي لطفي على الرغم من أنه كان هناك في الحكومة التي شكلت برئاسة علي لطفي عشرة وزراء أقدم من الجنزوري في تولي المنصب الوزاري وكانوا على سبيل الترتيب في الأقدمية: صلاح حامد وآمال عثمان وحسبى الله الكفراوي وبطرس غالي وسعد محمد أحمد واحمد ممدوح عطية وسليمان متولي وماهر أباظة وجمال السيد إبراهيم وعبد الحميد رضوان وبالإضافة إلى هؤلاء السيد صفوت الشريف الذي دخل الوزارة في نفس اليوم الذي دخلها فيه الجنزوري ولكن اسمه كان يسبق اسم الجنزوري في قائمة الوزراء….

يمكن لنا أن نتأمل كيف كان الرئيس مبارك حريصا على إعطاء الجنزوري هذه الأسبقية التي لم تعط في الحكومات المصرية إلا لوزراء الحربية والخارجية المتميزين….وعلى الرغم من أن الدكتور يوسف والي حاز هو الآخر منصب نائب رئيس الوزراء في نفس اليوم ،وكان قد دخل الوزارة في نفس اليوم إلا أن المبرر في حالته كان واضحا جدا وهو توليه منصب الأمين العام للحزب الوطني على حين كان المبرر في حالة الجنزوري هو المستقبل نفسه الذي تحقق بالأمس.

3-لم يكن الجنزوري يجد أي نوع من الحرج في تقليص سلطاته على نحو ما حدث حينما عين وزيرا للتعاون الدولي في حكومة عاطف صدقي الثانية ليبقى الجنزوري بوزارة واحدة هي التخطيط بعدما كان يتولى الوزارتين من قبل ، وعادة ما يكون مثل هذا التقليص دالا على تقلص النفوذ، ولكنه في حالة الجنزوري كان يدل بوضوح على أنه “رجل قوي” سواء ظل بحقيبة واحدة أو بحقيبتين.

4-على الرغم من تمتع الدكتور الجنزوري بلياقة بدنية عالية وبقدرة على خوض المعركة الانتخابية للبرلمان فإنه ابتعد عن خوض المعركة الانتخابية في 1990 و1995 مع أنه كان قد خاض الانتخابات في1987….ولم يكن هذا يعني في نظر كثير من المراقبين إلا أنه يتمتع بحرية واسعة في اختيار الفعاليات السياسية التي يفضل أن يؤديها….

5-في عهد الرئيس السادات كان أول عهد الجنزوري بالعمل السياسي أن اختير محافظا للوادي الجديد في نوفمبر1976، ومن الطريف أنه خلف في هذا المنصب المهندس إبراهيم شكري رئيس حزب العمل “الآن” الذي استقال يومها ليخوض الانتخابات البرلمانية في1976 ولكن الجنزوري لم يلبث في الوادي الجديد إلا لأقل من سبعة شهور اختير بعدها محافظا لبني سويف ليخلف المهندس سليمان متولي الذي نقل إلى المنوفية قبل أن يصبح وزيرا ولكن الجنزوري لم يبق في هذه المحافظة أيضا إلا لسبعة شهور عاد بعدها إلى مجاله الأصلي في التخطيط وعين مديرا لمعهد التخطيط القومي خلفا للدكتور إسماعيل صبري عبد الله الذي كان يشغل من قبل منصب وزير التخطيط، وقد واكب هذه الحركة تعيين الدكتور إسماعيل صبري نفسه مستشارا بوزارة الحكم المحلي….وهكذا يمكن القول بأن أسهم الجنزوري كانت في ارتفاع مستمر في عهد حكومات ممدوح سالم وربما كان ممدوح سالم يخطط للاستعانة به كوزير للتخطيط لو طال بحكوماته الزمن….وعلى كل حال فإن الجنزوري بعد عودته ظل الرجل الأقرب إلى منصب وزير التخطيط وهو ما حدث فعلا بعد خروج عبد الرزاق عبد المجيد الذي كان يشغل هذا المنصب منذ1977 وحتى تولاها الجنزوري ولم يكن الدكتور فؤاد محيي الدين يرتاح للدكتور عبد الرزاق عبد المجيد عليهما رحمة الله.

وثمة سمات شخصية تميز كمال الجنزوري:

1-القدرة الفائقة على حفظ واستعراض الأرقام المعبرة من المؤشرات التخطيطية ، وهذه القدرة كانت محل إعجاب متكرر عند عرضه  لبيان الخطة في مجلس الشعب كل عام.

2-البعد المتعقل عن الأضواء ،وهو النموذج المفضل لرؤساء الوزراء عند مبارك وعند السادات وعبد الناصر من قبل، فالجنزوري ليس حريصا على حضور العروض الأولى في الحفلات الخاصة لأفلام عادل إمام الجديدة التي تواجه الإرهاب….وهو في النادر ما يحضر مناسبات الزواج والخطوبة وأعياد رأس السنة والكرنفالات….

3-على الرغم من بعد الجنزوري عن الأضواء فإنه يظل في الصورة دائما، فهو مواظب على حضور كل المناسبات مع الرئيس، وحضوره ملموس ومشرف ، وحين عهد إليه برئاسة لجنة لبحث أحوال كرة القدم وحل مشكلاتها ظهرت قدراته التوفيقية من غير توريط للدولة بموازنات وارتباطات ، وبدون انحياز واضح إلى أي من الأطراف، وفي هذا الصدد أذكر أن صالح سليم رغم اعتداده الشديد بنفسه وشخصيته لم يكن يتأخر عن لقاء الجنزوري وكان يحرص في هذا اللقاء على ارتداء رابطة العنق رغم نفوره الشديد منها….ولا بد أن مثل هذا التصرف كان انعكاسا لروح الجنزوري الملتزم وبخاصة أن صالح سليم كان يجاهر بانتقاداته  العنيفة جدا لمسئول كبير عن قطاع الشباب والرياضة.

4-لم يجد طوال تولي الجنزوري  لوزارة التخطيط أن اشتبك في معارك صحفية من التي لا تجدي ، وكان بالطبع يتنازل عن حقه في الرد في كثير من الأحيان، ويعمد إلى تفويت الفرصة على الصائدين في الماء العكر لتكبير  الموضوع.

5-إتسمت علاقة الجنزوري بزملائه بالاعتدال ، ولم يكن ميالا إلى فرض آرائه على أي منهم ولهذا ظل يحظى بعلاقات متوازنة مع الجميع.

6-إلتزم الجنزوري بالخطة إلى أبعد الحدود وحين كانت الضغوط تمارس عليه من أجل أي استثناء لأي مشروع فإنه كان يقاوم للنهاية.

7-حين تولى الجنزوري منصب المحافظ لم يكن هذا المنصب قد نال درجة الوزير بعد، وهو ما حدث في نوفمبر 1978 ، وبهذا كان الجنزوري محافظا بدرجة نائب وزير، ثم مديرا لمعهد التخطيط القومي ولهذا جاء ترتيبه في كشف الوزراء الجدد في يناير1982 بعد الذين كانوا يتمتعون بدرجة الوزير كالشيخ جاد الحق الذي كان مفتيا للجمهورية والدكتور صبري زكي الذي كان محافظا لأسوان والمستشار عادل عبد الباقي الذي كان أمينا عاما لمجلس الوزراء وصفوت الشريف الذي كان رئيسا لاتحاد الإذاعة والتليفزيون ، وقد جاء الجنزوري قبل أبو زغلة الذي كان رئيس مجلس إدارة شركة الحديد والصلب وعادل طاهر الذي كان رئيس هيئة سياحية واللواء حسن أبو باشا مساعد وزير الداخلية والدكتورين فؤاد هاشم ويوسف والي اللذين كانا من أساتذة الجامعات ” وهي الدرجة المعادلة لوكيل وزارة “.    

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com