الرئيسية / المكتبة الصحفية / توفيق الحكيم والكتابات السياسية

توفيق الحكيم والكتابات السياسية

تاريخ النشر : يوليو 1988

المصدر : عالم الكتاب

 

كانت لتوفيق الحكيم أفكار سياسية نافذة منذ رحلة مبكرة من حياته ولم يكن توفيق الحكيم عليه رحمة الله من أنصار الآراء السائدة بل كان بما حباه الله من عقل صاحب قدرة على النفاذية إلى الحقائق ، وثقافة واسعة تعطيه القدرة على البحث عن الوجوه الأخرى للحقيقة.

ربما سبب هذا للحكيم بعض المتاعب أو معظم المتاعب ولا ننسى أنه كان في السنين الأخيرة من حياته يحظى بأوصاف يصعب على الناس تقبل إضفائها على رجل له ماضيه مثل توفيق الحكيم….ولم يكن ذنبه في هذا إلا أنه حاول إبداء بعض الآراء مهما يكن تقبل الناس لها.

ويمكننا أن نتعرف في كتابات توفيق الحكيم على أفكار سياسية مبثوثة في كل فقرة من الفقرات التي تتكون منها أعمال الرجل….ولهذا فإنه يصعب على الكاتب أنن يشير إلى طائفة محددة من الأعمال على أنها الأعمال  السياسية لتوفيق الحكيم.

ومع هذا فإن من السهل على القارئ أن يكتشف في مجموعة توفيق الحكيم أكثر من عمل لا يمكن تصنيفها إلا تحت عنوان الأعمال السياسية الصريحة مثل كتابيه ” شجرة الحكم” في الثلاثينات، و “عودة الوعي” في السبعينات….وتسهل المقارنة بين العملين عند كثير من النقاد الذين يمكنهم القول بمدى شجاعة توفيق الحكيم في الثمانينات حين هاجم نظام ديمقراطية قائم، على حين أنه في السبعينات بدأ يهاجم ” عبد الناصر ” بعد رحيله فقط….وربما كان هذا القول من الأقوال “الظالمة” إذا ما أخذنا في الاعتبار مدى قوة التيار الذي هاجمه الحكيم أو وقف ضده في كلتا الحالين….

فعلى حين كان الحكيم ينتقد نظاما ” يبيح الانتقاد” ويقوم على تبادل الآراء مهما تكن قسوتها….فإنه في السبعينات كأن يقف موقفا أصعب بكثير….فقد كان في هذا شأنه شأن طبيب الأمراض العصبية في مستشفى متوسط الإمكانات في بيئة نامية ، وهو يحاول أن يستدرج أهل المريض إلى الإيمان بالحقيقة العلمية القائلة بأن مريضهم رجل ” غائب عن الوعي” لفترة قصيرة فقط ، ولكن من السهولة أن يعود هذا الوعي بينما أهل المريض لا يريدون أن يصدقوا ولا حتى أن يتصوروا هذا التشخيص….فبعضهم يرى المريض قد مات بالفعل….والآخرون يرون أن الطبيب هو الذي غاب عن الوعي لأنه لم يستطيع أن يتكيف مع الحالة أو مع الحياة….تشبيه غريب ومعقد ولكن هذا كان حال الحكيم يومها.

ولعل هذا يفسر لنا ما ترسب في اللاوعي عند توفيق الحكيم حتى جعله بعدها ينشر دراما بالغة السخرية ، وواضحة الرمز إلى حد بعيد ، هي “الحمير” وهو عمل فني من الدرجة الأولى فوق أنه عمل سياسي على أرفع مستوى من الفكر النفاذ إلى التشخيص والتجريد….تجربة لم يكن لأحد أن ينشئها في أدبنا العربي المعاصر غير توفيق الحكيم بعدها اكتوى بنار ” عدم الثقة بتشخيصه الطبي، فيما وجد من أصداء لما نشره في –عودة الوعي- “.

ولما كانت المساحة المتاحة الآن كفيلة بالإشارة فحسب إلى الجانب السياسي في الإنتاج الفكري لتوفيق الحكيم فسوف ننهج منهجا قريبا إلى أسلوب اللقطات التي نرجو أن تكون موحية بجوانب مختلفة من الصورة التي يريد القارئ أن يستكمل بها فهمه وتقديره ووعيه البيلوجرافي للفكر العام لهذا الرجل العظيم.

غير أنه لا بد لنا أن ننتبه إلى حقيقة هامة في كل كتابات الحكيم السياسية ( المباشرة وغير المباشرة ) وهي أنه كان دائما محبذا للقيام بدور صاحب الرأي الأخير ( الذي يوازن به عند الجمهور واهل الفكر) الرأي الطاغي….أو الرأي الأكثر قبولا عند الجماهير….فهو يهاجم الليبيرالية في عز قوتها والشمولية بعد تمكنها التام….والحلفاء بعد انتصارهم….وهكذا….وهكذا….لسبب أعمق وهو انه يريد أن يعيد التوازن بين الآراء ” الغائبة” في تكوين رأي قارئه….وهنا يتضح مدى الإخلاص الحقيقي عند توفيق الحكيم لدور وفكرة المفكر السياسي أو الكاتب السياسي على أقل تقدير.

الليبرالية تتعرض لنقد الحكيم:

ومن ألطف ما يكون استعراض بعض الآراء السياسية المبكرة لتوفيق الحكيم وهي تلك التي كتبها في فترة الليبرالية التي أعقبت الحرب العالمية….في كتابه ” عصا الحكيم”….فهذه العصا تضغط على زر جهاز يوصلها بأناس من العالم الآخر أو العالم الحاضر….وهي تتصل الآن بهتلر وتسأله هل أنت مت حقا ؟ أم أنك حي مختبئ في مكان ما….ويجيب هتلر إنه مختبئ في قلب كل ألماني على وجه الأرض….

ولكن توفيق الحكيم يعود إلى الواقع ويسأل هتلر : -جثة من تلك التي  وجدت في قبو دار المستشارية في برلين ، ويجيب هتلر إنها جثته….

وهكذا تتضح لنا انعكاسات فلسفة الحكيم في مثل هذه الحوارات المسرحية الممتازة فهو لا يبتعد عن الواقع إلا ليقرر الحقائق العميقة فقط.

ثم إن هتلر يسترسل : كل ما أردت هو أن أترك لأعدائي جثتي….أما الروح فهي التي لن يأخذوها أبدا ، وهي على الرغم  منهم باقية أبدا….وهي عندما خرجت من جثماني دخلت فكرة في نفس كل ألماني.

الحكيم وهتلر :

يستمر الحكيم في الحوار بعد ذلك ليسأل هتلر إن كان مجرما ، ويجيب هتلر ، نعم إني مجرم فقد أخلصت لبلادي حتى الموت وهذه في نظر الإنجليز أكبر جريمة يقترفها رجل غير إنجليزي (لاحظ هنا الروح المصرية عند توفيق الحكيم وإن كنت عن نفسها بالروح الألمانية ….أو بما هو غير إنجليزي).

ويستأنف الحكيم حواره….ألم يبلغك ما قاله عنك تشرشل أنك كنت تحب شخصك أكثر من حبك لبلادك ، وأنك جمعت أنت وأعيانك في المصارف أموالا تقدر بالملايين.

هنا يأبى الحكيم إلا أن يبرئ هتلر ( من ظواهر تعاطفه في هذا الحوار مع هتلر وفكرة هتلر ) : لقد عثروا على جثثي وكان أيسر من ذلك أن يعثروا على شلن واحد من هذه الملايين المكدسة في المصارف ولكنك لا تعرف تشرشل.

هتلر وزعماء الحلفاء :

يستفز الحكيم هتلر فيقول أعرف أنه هو الذي قادك إلى الهزيمة فيجيب الزعيم الألماني : هل تظن كذلك….إن الذي أعرفه هو أن “ستالين” قاد الجيوش و “روزفلت” قام بالتموين….أما “تشرشل” فكان البهلواني الذي يصيح ويثرثر.

ويعتمد الحكيم على لسان نفسه أن :تشرشل كان يلعب دور النبي الديمقراطي بطل ميثاق الأطلنطي.

ويردف هتلر في حواره بعد سطور أن تشرشل ليس إلا مصنع أكاذيب متحرك وهذا الذي في فمه ” أي السيء” هو مدخنة المصنع.

ايفا :

لا ينسى الحكيم في هذا الحوار أن يتحدث عن “ايفا ” وهي عند الحكيم –على لسان هتلر- زوجة مخلصة حتى الممات ، رفضت المجد وفضلت الانزواء….لم تستغل صلتها بهتلر لمصلحتها الشخصية….فقد كانت أنبل نفسا وأرفع شعورا وأصدق عاطفة وأعمق إخلاصا….وقد فهمت أن رسالتها هي أن تكون بحواره في ساعات الضعف والوحدة والوحشة المظلمة….لا أن تتألق للناس في ساعات المرح وساحات النصر وحلبات الرقص.

….وعلى لسان هتلر يدافع الحكيم عن إثارة هتلر للحرب ” فعندما تكون المسألة بالنسبة لأمة مسألة حياة أو موت فلابد مما ليس بد منه”.

….ويدور جدل طويل بين هتلر والحكيم حول أصول المغامرة السياسية بين الإنجليزي والألمان  فيها إلى أن يقول  الحكيم : لا ننكر أن الإنجليز في هذه الحرب الأخيرة قامروا هم أيضا بكل مالهم وحباتهم….ويرد هتلر….لا يا سيدي إنهم قامروا بكل حياة الفرنسيين وبكل ما في جيوب الأمريكان.

مستقبل العالم بعد الحرب الثانية:

وفي النهاية يبلغ الحكيم الذروة حين يدور على لسان هتلر رأيه في المستقبل : “لقد خسرت ألمانيا الحرب لأنها كانت وحيدة ، سوف يخسر الحلفاء السلام….لأنهم عديدون”.

هل حقا حدث هذا؟ هذا هو السؤال الذي ينبئ عن عبقرية الحكيم الفنان.

سياسي إلى النهاية:

على هذا النحو يمكن لنا أن نقرأ “الحكيم” في أعماله الأدبية جميعا فهو ” سياسي” من البداية إلى النهاية ، لأن السياسة عنده أعظم من ان تكون هذه الممارسات التي يشاهدها يوما بعد يوم ولكنه عنده فن بناء الحضارة.

كان الحكيم يقرأ الصحف الفرنسية كل يوم ، وكان ملما بكل ما يجري في هذه البلاد التي عاش فيها حياته مرتين في العشرينات وفي الخمسينات والتي كان يسافر إليها كلما أمكنه ذلك في الصيف وكان الحكيم عندما ينتابه اليأس من الممارسة السياسية في مصر يحاول أن يجد السعادة في متابعة الممارسة السياسية في فرنسا….وأذكر أنه كان مشغولا جدا بمعركة “ميتران” مع خصومه عشية انتخابه رئيسا لفرنسا.

وبالإضافة إلى هذا كله كان الحكيم صاحب رؤية تقدمية في عالم السياسة تتعدى الديمقراطية الشائعة الآن إلى ديمقراطية أخرى أصدق جوهرا وأكثر تعبيرا عن حقائق الحياة والعلم والمستقبل.

الحزبية :

لم يعمل توفيق الحكيم  بالحزبية أبدا ، وفي اللحظات التي وصلت الحزبية فيها إلى امجد لحظاتها….كان توفيق الحكيم يسخر من الديمقراطية المريضة ، وكان في هذا يتجاوز كل سعادات المراقبين إلى استشرافات  المفكرين الصادقين مع انفسهم ، وذلك حين كان ينبغي لنا أن تجد في هذه الحقبة المبكرة من حياة الليبيرالية المصرية من ينبه إلى خطورة سيطرة  الوسيلة على الجوهر ، وضياع الفائدة تماما بين ثنايا الفرحة بالمظهر الديمقراطي للعبة السياسية ولهذا كان توفيق الحكيم يكتب هذه المقالات الممتازة التي ضمنها فيما بعد كتابه ” شجرة الحكم” والتي صور فيها كل المراهنات ( إشارة إلى مراهنات أحمد ماهر) والمقتنيات الثمينة ( إشارة إلى حرص محمد محمود خليل رئيس مجلس الشورى على اقتناء التحف) ….إلخ).

في حوارات مسرحية ممتازة….ثم كان المقال الأشهر الذي أوذي بسببه كثيرا….ولكنه كان المقال الذي صنع بدايات كل مجده السياسي كرجل عام وكمفكر وطني اخترق بعقله الناضج حجب الواقعية من أجل مستقبل بلاده.

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com