الرئيسية / المكتبة الصحفية / هكذا فقد مبارك أخلص مؤرخيه

هكذا فقد مبارك أخلص مؤرخيه

تاريخ النشر : ٢٠١١/٨/٢٨


حين وقعت حادثة أديس أبابا التى تعرض فيها مبارك للاغتيال تحدث واحد من زملائى فى لقاء الدفعة عن أهمية وجود النائب وثنى آخر بضرورة أن يفاتح أحدهم الرئيس فى هذا، وقال الثالث إن الذى يفاتح الرئيس فى مثل هذا الموضوع سيكسب عداوته للأبد، وربما يفقد حياته ذلك أنه يذكر الرئيس بما لا يحب أن يتذكره أبدًا، وتحفظ رابع على الثالث قائلًا: إن زخم الاحتفالات لن يسمح للرئيس بالتفكير فى عداء من يقوم بهذا الدور.
وكأنما كنا نقرأ الغيب فى كتاب مفتوح، دُعيت أفواج للقاء الرئيس عقب سلامته، وظلت الوفود تترى طيلة ثلاثة أسابيع وكان أخلص مؤرخى مبارك هو الرجل الشجاع الذى صارح الرئيس بأهمية اختيار نائب بل إنه قال ما معناه: إن هذا الحادث يعلمنا أن نتذكر ضرورة حسم الموضوع الحيوى المتعلق بمستقبل أمة.. ومرت الاحتفالية بسلام.. لكن واحدا من كاردينالات القصور.. كان لا يرتاح إلى المكانة التى احتلها «المؤرخ» عند مبارك.. فوجىء فى حفل إحدى السفارات بفرصة ذهبية يقدمها إليه كاهن كبير كان عدوًا طبيعيًا لمبارك، وقد رمى هذا الكاهن بفكرة الشريرة فى حجر الكاردينال (وهما فى حفل السفارة البريطانية) بلا مبالاة كان يجيد التظاهر بها، وهى أن «المؤرخ» رجل يفتقد اللباقة لأنه أعلن مثل هذه الفكرة على الملأ بهذا الأسلوب!! وكان الأولى به أن يدخرها إلى لقاء ثنائى مع الرئيس من خلال استغلال هذا الموقف الذى يجعل «المؤرخ» غير أهل لمحبة الرئيس وانفراده به، لكن الكاردينال كان يعرف بالطبع أن طبيعة مبارك تسمح بالتجاوز عن الموقف الواحد إذا جاء فى سياقه، وإذا صدر عمن عرف عنهم الإخلاص، وهكذا كان لابد من تصوير الأمر فى صورة أبشع من قبيل أن «المؤرخ» يفاخر بموقفه هذا وبشجاعته فيه.
والواقع أن «المؤرخ» لم يكن وهو الإنسان النبيل يلجأ إلى مثل هذه الثرثرة، بل كان يقول دائمًا إنه يكفيه أنه عرض فكرته فى وضوح وصراحة، كما كان يقول بصدق حقيقى إنه ممتن للعصر الذى مكنه من أن يعرض أفكاره بشجاعة دون أن يصيبه أذى.
وهكذا لجأ الكاردينال إلى حيلة أخرى كانت سهلة التنفيذ
إلى أبعد حد، فقد كانت إحدى القريبات من «المؤرخ» حريصة على التعرف على أكبر عدد من أهل الثقافة والفكر لتعرفهم ويعرفونها وكانت فى حرصها تلجأ إلى عرض رؤيتها هى لمواقف «المؤرخ» وبالطبع فإن هذا العرض لم يكن هو نفسه رؤية «المؤرخ» لكنه كان كفيلا بأن يحسب عليه.
وبسهولة شديدة تم استدراج السيدة القريبة من «المؤرخ» فى مقابل جبن الآخرين وعن جرأته فى مقابل حرصهم على التوازن، وهكذا تم استدراجها بسهولة وتلقائية إلى الحديث عن أن «المؤرخ» وقف من الرئيس مبارك موقف الأسد الشجاع على الرغم من تنبيه الآخرين ممن يكبرونه، وعلى الرغم من نصيحتهم له بأن هذا الذى ينوى فعله لا يتفق مع الذوق واللياقة!
ومن سوء الحظ أن السيدة لم تقف عند أى حد فى هذا الدفاع عن وجهة نظرها.. ولم يكن أعداء «المؤرخ» والحاقدوين عليه فى حاجة إلى أكثر من شريط تسجيل واحد.. ولم يكن حسنى مبارك هو الآخر بحاجة إلى دليل آخر كى يشير بيده إشارة دالة على ضيقه بالرجل، وكان الكاردينال الذى يترجم الإشارت إلى قرارات قادرًا على أن يبدأ دوره على الفور.
هكذا صدرت الأوامر الشفوية لأحد مسئولى جريدة «الأهرام» بالتوقف عن نشر مقالات «المؤرخ»، وكانت مقالاته فى ذلك الوقت بالذات مصدر إعجاب زملائه من كبار أعضاء هيئات التدريس به، لأنه وقف موقفا معارضًا لوزير التعليم العالى عندما أراد وضع حد لتواجد الأساتذة فى كلياتهم عند بلوغهم سن السبعين.
وفهم الأساتذة من منع مقالات المؤرخ فى «الأهرام» أنها رسالة ثقيلة من الدولة ضد الأساتذة الجامعة، ووقوف صريح من الدولة و»الأهرام» ضد الأساتذة وضد محاميهم الذى هو «المؤرخ»، بينما لم يكن الأمر فى حقيقته إلا مصادفة، أو على أكثر تقدير تقاطع مصالح.
ومن الإنصاف أن نقول إن «المؤرخ» كان حتى ذلك الوقت لا يزال بوجوده وثقله قادرًا على أن يجعل «الأهرام» يعيد النظر فى قرار منع نشر مقالاته بالتزامن مع مجلة «أكتوبر»، لكن الله هداه لأن يتوقف عن مثل هذه الخطوة التى كانت ستنقص من مجده فى الدفاع عن حقوق زملائه، وإنى لأذكر فى هذا الصدد أن أحد منافسى «المؤرخ» من زملائه كان دائم التعبير بكل الوسائل عن ضجره من مجد الرجل، فإذا به يقول فى تلك الأيام: «إن موقف «المؤرخ» فى هذه المعركة يغفر له كل ما تقدم من ذنبه وما تأخر» ولايزال هذا العالم الجليل على موقفه هذا حتى الآن.
وكنت فى ذلك الوقت أعتقد أن الدولة خسرت كثيرًا من حجب مقال «المؤرخ» وأنها ستنتبه إلى هذه الخسارة لكن راعنى أن بعض رجال «الأهرام» كانوا يأخذون الأمر على أنه انتصار أهرامى ضد هذا العبقرى غير الاهرامى المفتون بنفسه، والمخلص لرئيسه إخلاصا لا حدود له دون أن يأخذ الثمن المناسب أو المتناسب مع ما أخذه رجل الأهرام القديم الذى كان لا يزال يتعطش إلى مكانة «المؤرخ»، هكذا تكونت دراما إنسانية من نوع فريد لعب فيها ضد المؤرخ فريق غير متجانس ضم أقرب المقربات وأعدى الأعداء، فضلًا عن الكاردينال وأعوانه.
هكذا نجحت خطة جهنمية بسهولة، وفقد مبارك أخلص مؤرخيه، ومضت الأحداث التاريخية فى سنوات مبارك الأخيرة وكأنها بلا روح لسبب واحد فقط هو أن «المؤرخ» غاب بدون قصد عن مبارك.
ومن الحق أن نقرر ونكرر إن مبارك لم يكن هو المستفيد من إبعاد «المؤرخ» عن «الأهرام»، كذلك لم يكن الكاردينال الذى كان يعمل معه مستفيدًا بأى صورة إلا فى حدود نجاح لعبة عابرة فى مباراة من المباريات.
لكن أسعد الناس كان بما حدث هو عدو مبارك الذى طالما تمنى أن يعود إلى مكانة الكاهن فى عصر مبارك أو حتى بعد عصر مبارك!! وكانت أمنيته هذه تدفعه بالفعل وتقوده بالمؤامرة إلى تحطيم كل من يتصور أنهم قد يصلون إلى ما كان له من مكانة.
وممايؤسف له أن الإيحاء بخروج مبارك من عباءة «المؤرخ» وخروج «المؤرخ» من عباءة مبارك استمر ينمو فى أوساط الدولة حتى وصل إلى عدم التجديد للرجل فى عضوية الشورى، بينما كان مشرفا على الموت، وكان هو أولى أعضاء الشورى بالتجديد أدبيا وإنسانيا، لكن الشيطان الكاهن كان قد لعب دوره المحسوب بدقة بالغة عن طريق آخر.
وقال الشيطان لأصفيائه ذات مرة: هل رأيتم نهاية الرجل الذى دافع عن مبارك ربع قرن مجانًا؟ قال أحد الأصفياء: لقد نال كذا وكذا.
وقال الشيطان الأكبر: كل هذا فى رأيى لا يكفى ثمنا لمقال واحد من مقالات الكهف.
وفى طريق العودة من صحبة الشيطان قال الصفى لزميله الأكثر خبرة منه بالعقد الإنسانية: هل يجد «المؤرخ» من ينصفه؟ رد عليه صاحبه: ربما يجد من ينصفه لكن المؤكد أنه لن يجد من يتحمس لهذا الإنصاف!

للعودة إلى بداية المقال إضغط  هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com