الرئيسية / المكتبة الصحفية / سحر الإستثمار العقاري

سحر الإستثمار العقاري

 

 

تاريخ النشر :٢٠١١/٧/٣١
أصبحت خلاصة تاريخ الحياة لأى شاب من الطبقة الوسطى فى مصر تتلخص فى كلمتين «يسافر الخليج ليعمل ويدخر مالا ويعود ليشترى شقة سكنية»..

ومن العجيب أن للقضية طرفا آخر وهو أن تاريخ الحياة الخاصة بكبار رجال الأعمال فى مصر أصبحت تتلخص هى الأخرى فى كلمتين، يجرب حظه فى مشروعات حتى يعرف اسمه فيؤسس شركة عقارية كبيرة تستحوذ بالحق (أو بالباطل) على مدخرات المصريين فى الخارج من أجل طموحهم إلى مسكن.
ولك أن تتأمل كل المآسى التى حدثت فى مصر بعمق لتجدها وقعت فى هذا الإطار، فالذى ادخر ثلاثة أرباع ثمن الشقة التى يتمناها وضع أمواله عند الريان حتى تنمو إلى الحد الذى يجعله ينتهى من موضوع الشقة الخاصة به ليلتفت إلى شقة أخرى لأكبر أبنائه.. وهكذا.
على طرف آخر من القضية فإن حجم المال المنفق فى الاستثمار العقارى فى مصر قد لا يكون ضخما إذا ما قورن بالبلاد العربية البترولية أو الخليجية المجاورة، لكنه فى حقيقة الأمر أكبر مما يتحمله الدخل القومى المصرى الذى انصرف إلى صورة واحدة فقط من صور الادخار (بمعنى الاقتصاد الواسع)، وهى شراء وحدات عقارية وتركها للزمن لأنها تحقق زيادات لا تتحقق بأى طريقة أخرى من طرق الاستثمار فى الأموال»، فالمائة ألف فى العقارتتحول بعد 5 سنوات مثلا إلى مائتى ألف وربما ثلاثمائة ألف وهو ما لا يحدث فى أى مكان آخر فى العالم.
ولأن الحياة فى مصر تمضى فى طرق دائرية، وتقوم على المقارنة بين هذا وذاك فى مأكله وملبسه ومدخولاته ومصروفاته، فقد اكتشف كبار رجال الصناعة أنهم مهما حققوا فى مجال الصناعة فلن يصلوا إلى أعتاب المستثمرين الذين يعملون فى ميدان العقارات، ولهذا فإنهم واحدا بعد الآخر تحولوا إلى دخول سوق الاستثمار العقارى، ثم إلى التوسع فيها، ثم إلى جعلها بمثابة نشاطهم الأكثر حركة ودورانا حتى إن اقتضى الأمر تقليص نشاطهم الأصلى الذى هو فى الأصل مريح جدا، لكنه فى ظل ظروفهم الجديدة أصبح مجرد ذكرى رومانسية تحتاج قدرا من «الصدقة الجارية» بمنطق رجال الأعمال الذين أترفهم الاستثمار العقارى وأطغاهم.
ويذكر التاريخ الاجتماعى لمصر أن الاستثمار العقارى ظل يتمتع بمعدلات ربحية عالية جدا ومقبولا من المشاركين فيه إلى أن ظهر مغامر فى هذه الأسواق وتبنى نظرية أن هذه الربحية العالية ليست بالنسبة له إلا واحدا على عشرين مما يمكن أن يحققه،وقد شرح نظريته الشريرة العبقرية فى شرها بمثل بسيط حيث ضرب المثل بمشروع جيد كانت شركة والده قد أنجزته وحققت فيه ربحا صافيا تجاوز مائة فى المائة على الأقل، فقد باعت الوحدة التى كلفها خمسين ألف جنيه (على أقصى تقديرشاملة كل المصروفات والإنفاقات والرشاوى والمجاملات) باعتها بمائة ألف،وهكذا حقق هذا المشروع رأسمالا صافيا لم يحققه أحد من قبل فى هذا المجال.
جاء صاحبنا المغامر وقال: إنه سينشئ مشروعا مماثلا، لكنه لن يبيع ما تكلف خمسين ألفا بمائة ألف، وإنما بخمسمائة ألف مرة واحدة، وتعجب أركان إدارته وأشقاؤه من هذا التفكير، واستبعدوا له النجاح، فضلا عن المعقولية والإقناع، لكنه فاجأ هؤلاء بأنه سيتبع أسلوبا جديدا يغرق السوق فيه بإعلانات قاتلة فى تأثيرها الالحاحى لأنها سوف تصور لمن لم يحجز فى هذا المشروع أنه سيفقد الجنة، وربما يذهب إلى النار، وأن هذه الإعلانات سوف تملأ أسماع وأعين مشاهدى كل القنوات التليفزيونية، وبخاصة الفضائية التى يشاهدها المصريون فى الخارج، وسوف يهيئ لهؤلاء مكاتب حجز فى البلاد التى يعملون فيها ليستحوذ على الأموال فى منابعها وبأقصى سرعة، وسوف يستحوذ باستمرار على الصفحة الأخيرة من الأعداد الأسبوعية من الصحف للتبشير بهذا المشروع، وسوف يملأ نواصى الشوارع بلافتات ضخمة تصور أرض المشروع وقد استحالت جنة.
قال أحد العقلاء من أركان شركته: لكن يبقى السؤال: ماذا سوف يقدم مشروعنا مما لم يقدم من قبل؟
رد المغامر العظيم: يكفى الاسم.
قال آخر: نعم.. لكن الاسم لابد أن يدل على شىء مميز فى التصميم أو التخطيط.
رد المغامر العظيم: لا شىء على الإطلاق ما عدا «شوية نجيل صناعى محترم شوية»، يعنى من ذلك الذى يبلغ أربعة جنيهات للمتر، لا من الذى يبلغ سعره جنيه ونصف، لكن المهم أن تظهر صورة هذا النجيل بأحلى طريقة فى كل الإعلانات.
أومأ المهندس الاستشارى القديم لزميله الذى يشغل الموقع التنفيذى وقال له: إذا فقد تراجع دورك يا حبيبى إلى المحل الثانى بعد دور الرسام، ورد عليه المهندس التنفيذى العظيم قائلا: ليته يكون رساما، وإنما سيكون واحدا من رجال الجرافيك الجدد الذين يلعبون على الكمبيوتر بالصور التعبيرية!!.
***
ولأن الله قادر على كل شىء فقد سارت الأمور بأسرع مما يتصور الجميع، وحقق المشروع من قبل أن يبدأ ومن قبل أن ينجح نجاحا غير مسبوق، وفى لحظة من لحظات الوصال سألت سيدة من سيدات الجمال رجل الأعمال المغامر عن توقعاته لمستقبل شركته بعد هذا النجاح الساحق، هل يصل السهم إلى مائة ضعف؟ وهل ستقفز أصول الشركة إلى ما يتناسب مع هذا الربح الساحق؟
وإذا بالمغامر يجيب فى بساطة شديدة يقول: بل أنه ربما يأمر المحاسبين بأن تصدر موازنة الشركة محققة خسارة!! دهشت صاحبة الجمال لكنه عالجها بقوله: إن هذا سيزيد من مصداقية الشركة التى اجتهدت فى تحقيق أصول الصناعة على حساب ما كان متاحا لها من ربح!!.
قالت: وماذا تكسب أنت من خسارة شركتك؟ قال: لن أخسر، وإنما سيخسر المال العام والمساهم معنا، وسيخسر المال الخاص بصغار المودعين الطماعين، قالت: وماذا تفعل إذا بهذه الأنهار المتدفقة عليك من المال؟ فأجابها:إنى أقسم هذا المال عشرة أعشار، عشر لعلية القوم حتى لا يبقى أحد من المسئولين يستطيع رفع عينه فى عينى (والعشر كثير وسيجعلهم يحظون بما لم ولن يحظوا به فى حياتهم كلها.. وقد كان)، وعشر للإعلام فى مقابل محيط الإعلانات الزاخر.. والعشر كثير، وعشر للنساء والعشر كثير، وعشر للأولاد كى يعيشوا فى أمريكا بأفضل مما يعيش أحفاد روكفلر وكندى وأمثال هؤلاء، وعشر فى باريس حتى إذا ما وصلتها عشت معيشة البارونات، وعشر آخر فى لندن حتى إذا ما وصلتها عشت معيشة اللوردات، وعشر ثالث فى جنيف، وتتبقى ثلاثة أعشار للزمان وما أدراك ما الزمان.
قالت صاحبة الجمال والأعمال: لو ركب الزمان نفاثة ما لحق بك.
قال المغامر:إلا أن أقابله وقد ركبت نفاثة أخرى فى الاتجاه المقابل.
قالت: إلى هذا الحد تطمئن إلى الزمان.. قال رجل الأعمال المغامر: بل هو (أى الزمان) الذى يطمئن إلى.

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com