الدكتور ناصر الأنصاري

تاريخ النشر: ٢٠٠٩/١٠/٢٣

كان الدكتور ناصر الأنصاري نموذجا بارزا للاجتهاد والدأب‏,‏ وحب العلم وأهله‏,‏ كما كان محبا للفن‏,‏ حفيا بالأعمال الفنية‏,‏ وبتاريخها‏,‏ ومكانتها في نهر الفنون‏,‏ وكان يحب التوثيق‏,‏ كما كان يحب التنظير‏,‏ وقد آثر لنفسه أن يستكمل دراسته العليا في تاريخ القانون في فرنسا‏

واختار أن يدرس موضوعا يتصل بعمله اليومي في المراسم والبروتوكول‏,‏ ووفق إلي إتمام رسالة قيمة عن نظم مصر البروتوكولية عبر العصور‏,‏ وقد تطلب هذا البحث منه أن يلم إلماما جيدا بتاريخ مصر‏,‏ لكنه لم يقف عند حدود الإلمام‏,‏ وإنما تعمق في دراسة تعاقب الدول والحكام‏,‏ وخرج منها بكتابيه الذي لخص تاريخ مصر في أحدهما‏,‏ وسرد الحكام وأعلامهم وشعاراتهم وشاراتهم في الثاني‏.‏ وقد وقع اختيار الوزير فاروق حسني عليه ليتولي إدارة المركز الثقافي التعليمي‏(‏ دار الأوبرا‏)‏ في فترة صباها المتوثبة‏,‏ فأضفي علي هذه الدار من روحه المنضبطة‏,‏ وشبابه الواثق‏,‏ وأتاح لدار الأوبرا طيفا واسعا من الأنشطة التي تتجاوز حدود فنون السماع إلي فنون البصر والعقل والوجدان‏,‏ والحوارين الثقافي والسياسي‏.‏

ثم انتقل بنشاطه إلي دار الكتب والوثائق القومية فاستعاد لها كثيرا من هيبتها ورونقها ونظمها‏,‏ وساعد في استعادة مكانتها العظيمة في تاريخنا الثقافي والتعليمي‏,‏ وبذل جهدا قاتلا وخارقا للعادة في التغلب علي الإفساد الذي كان نتيجة طبيعية للإهمال الذي تعرضت له الدار دون قصد في عقد من العقود‏,‏ ولم يترك‏.‏

ورشحته إنجازاته وعلاقاته ليكون مديرا لمعهد العالم العربي في باريس‏,‏ فاستكمل في هذا المعهد ما بدأه أسلافه من خطوات جادة في سبيل التقريب القائم علي التعريف والحوار‏,‏ ونجح في أن يضفي قدرا أكبر من الجدية علي مساهمات العرب الموسمية في نشاط هذا المعهد‏,‏ وكان وجوده في باريس محسوسا وملموسا‏,‏ كما كان عطاؤه فيها مخلصا ومنجزا‏.‏

وشاء له قدره أن يختتم حياته في الهيئة المصرية العامة للكتاب‏,‏ ولم تمض أشهر قليلة عليه وهو في موقعه إلا وابتلي بالمرض وإجراء الجراحات واحدة بعد أخري‏,‏ وتلقي العلاجين الكيماوي والإشعاعي‏,‏ ومع أن العلاج نفسه كان كفيلا بأن تنوء به الجبال‏,‏ فقد كان المرض الخبيث يعاود الظهور في موضع آخر بعد أن يقاومه العلاج‏,‏ وبعد أن يقاوم العلاج‏,‏ وكان كل هذا الصراع يجري وقد اتخذ من جسمه الضعيف ميدانا لجولات الكر والفر‏,‏ ولصولات المرض والشفاء‏,‏ وكان ناصر الأنصاري صابرا محتسبا مبتسما للدنيا وللناس‏,‏ راضيا عن نفسه وعما قدم‏,‏ سعيدا بما أنجز‏,‏ شاكرا الله علي ما رزقه من نعيم الدنيا‏,‏ ومن حب الناس‏,‏ ومن الاجتماع علي حبه‏,‏ وهو الرجل الذي كان أسيرا للأخلاق الرفيعة‏,‏ كما كان قادرا علي أسر الآخرين بتواضعه ورقته وتهذيبه‏.‏

كنت أري فيه واحدا من جيل انقرضت أفراده‏,‏ وكادت أخلاقه تنقرض من بعده‏.‏ كان نبيلا في سلوكه تجاه الرؤساء والمرءوسين علي حد سواء‏,‏ وكان قادرا علي اكتشاف الحقيقة من دون ادعاء‏,‏ وعلي الوصول إلي الجوهر من دون إبطاء‏.‏ كان يعرف للناس أقدارهم‏,‏ وكان معظم الناس يعرفون له قدره‏.‏ كان وجدانه سليما نقيا انطبعت فيه صور الأمانة والنزاهة والإخلاص‏,‏ وحب الحقيقة‏,‏ وتحلي بإرادة بارعة عن الوقوع في شرك المظهرية والادعاء والغرور‏,‏ والتفلسف الكاذب‏.‏

وقد نجح في أداء وظيفته في هيئة الكتاب نجاحا ساحقا‏,‏ وقد ساعده في كل خطواته مثقف نبيل هو الدكتور وحيد عبدالمجيد‏,‏ الذي أتيح له أن يتولي رئاسة الهيئة قبله‏,‏ وأن يتولاها معه‏,‏ فكان الرجلان وجهين لعملة واحدة نادرة وثمينة‏,‏ ومصقولة بالفهم والذكاء‏,‏ وحب التفوق‏,‏ وعشق الوطن‏,‏ وقد تمكنا بنجاح منقطع النظير من أن يضعا الهيئة في المكانة اللائقة بها بين دور النشر الكبري في العالم‏,‏ واهتما بالشكل والموضوع في نشر الكتاب‏,‏ وبنشر القيم الثقافية والببليوجرافية‏,‏ وبإتاحة الكتاب في منافذ الهيئة ومعارضها‏,‏ وبتنمية السلاسل‏,‏ ورقي المجلات‏,‏ وكان الدكتور ناصر الأنصاري يراجع بنفسه هجاء الغلاف‏,‏ وسلامة نحوه‏,‏ ودقة صورته وجمالها‏,‏ كما كان يراجع بيانات التوثيق الببليوجرافية‏,‏ وكان حريصا علي أن تكون إصدرات الهيئة صالحة للتعامل الإلكتروني علي جميع المستويات في المعارض والمخازن والواجهات‏.‏

وقد واجه بصبر بالغ‏,‏ وحنو شفيف كل التراث الذي تراكم عبر سنوات طويلة من إيثار السرعة والسهولة‏,‏ والابتعاد عن المنهج الصارم في الإنتاج الجيد الملتزم‏,‏ وكان مؤمنا بأن الإصلاح يتطلب الصبر بقدر ما يتطلب الحماس‏,‏ وهكذا جمع في سبيكة نادرة بين روح الإصلاح المتأني‏,‏ والحسم المتفاني‏,‏ لكن هذا كله لم يتحقق إلا علي حساب صحته أولا‏,‏ ثم علي حساب مقاومته المرض ثانيا‏,‏ ثم علي حساب إقباله علي العلاج والتزامه به ثالثا‏.‏

والحق أنه كلف نفسه ما لا يطيقه بشر‏,‏ لكنه كان يعرف أنه مقدم علي لقاء ربه فكان يحاول أن يستكثر من الحسنات‏,‏ ومما يثقل به ميزانه‏,‏ ولا نزكي علي الله أحدا‏.‏

نفتقد اليوم في ناصر الأنصاري اللفظ العفيف‏,‏ والإحساس الشفيف‏,‏ ونفتقد فيه الإخلاص للفكرة‏,‏ والإخلاص للمؤسسة‏,‏ ونفتقد فيه الولاء للدولة‏,‏ والولاء للشعب‏,‏ ونفتقد بغيابه الصديق الصدوق‏,‏ والناصح المخلص‏,‏ والمحب الوفي‏,‏ والإنسان النقي الذي أحب أسرته ومرءوسيه‏,‏ وضحي من أجل هؤلاء وأولئك بكل ما بذل في حياته‏.‏

وهأنذا أودع اليوم في ناصر الأنصاري ما ودعته بالأمس في محمد السيد سعيد من حب لقطعة من النفس والحياة والوطن والقيم والشيم والقمم‏,‏ وإنا لله وإنا إليه راجعون.‏

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإمام المحبوب أحمد الدردير صاحب الفضل الأكبر على القانون الفرنسي

الشيخ أحمد الدردير نموذج لعالم من علماء القرن الثامن عشر الميلادي (1715 ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com