أين الخطأ في مسلسل فاروق؟

تاريخ النشر: ٢٠٠٧/١١/١١ 

لايمكن لشعب عريق مثل الشعب المصري أن ينظر الي مسلسل تليفزيوني يتناول فترة من تاريخه القومي إلا في اطار وعي أكبر بالوطنية‏ ، وبالتاريخ علي حد سواء‏,‏ ويتجلي هذا الوعي فيما يثيره المسلسل من ردود فعل فورية ولاحقة‏,‏ علي أن الأهم من ردود الفعل هو الانتباه الي ضرورة الفعل الغائب الذي ينبغي علينا أن نمارسه من أجل تاريخنا وقد آن الأوان لمناقشة موضوعية حول العواصف التي أثارها المسلسل وحول ماتعكسه هذه العواصف من تفاعلات الرأي في نفسيات كثير من المصريين‏,‏ وفي عقلهم الجمعي علي حد سواء‏.

‏ وقد دلتنا التجارب الدرامية الماضية علي أن الجماهير تريد أن تري‏,‏ وأن تشاهد‏,‏ وأن تسمع‏,‏ وأن تتأمل‏,‏ كما أن هذه الجماهير بطول الوطن العربي وعرضه ومهجره‏(‏ وليس في مصر وحدها‏)‏ تتشوق حقيقة الي كل مايشكل وجدانها‏,‏ ويصور تاريخها‏,‏ وهي تنفق علي هذا الاهتمام من وقتها‏,‏ من أعصابها‏,‏ ومن مالها‏,‏ ومن مواردها الأخري بما لايقل عن أي جماهير أخري في مجتمعات متقدمة‏,‏بل ربما تتفوق‏,‏ ومع هذا الترحيب الجماهيري منقطع النظير بالأعمال الدرامية التي تتناول تاريخ الوطن فإن القنوات التليفزيونية‏(‏ فضائية وأرضية ومحلية وقومية‏)‏ لاتزال متأخرة عن طموح الجماهير بمراحل‏.‏ لاتزال الأرض المتاحة للكتابة عن تاريخنا أرضا بكرا تتطلب عناية‏,‏ وتؤتي ثمارا‏,‏ وهي بسبب هذه البكورية قادرة علي أن تؤتي ثمارا مهما تكن العناية ضعيفة‏,‏ وربما كان مسلسل فاروق نفسه دليلا واضحا علي هذا‏,‏ ومع الاعتراف بأن هذا المسلسل عرض ماعرض‏,‏ وقال ماقال‏,‏ وأثار ماأثار الا أننا لانستطيع أن ننكر أن حديث هذا المسلسل عن موضوعه كان حديثا كاريكاتيريا مثله في ذلك مثل ماتدل عليه القصة القديمة التي كان بطلها جنديا طلب منه قائده أن يأتي بصورة شخصية يظهر فيها الوجه كاملا فسأله الي أي حد؟ فقال‏:‏ بحيث تظهر أذناك كلتاهما‏,‏ وحذره من أن يأتي بصورة من صور النجوم البروفيل التي تظهر جانب الوجه فحسب‏,‏ وفي سبيل حرص الجندي الأمي علي تعليمات قائده فانه اختصر القضية الي قضية الأذنين‏,‏ وهكذا حدد طلبه للمصور الذي كان يعاني من ضعف امكانات الكاميرا التي كان يستعملها‏,‏ ومن ثم فانه لم يجد بدا من أن يصور رأسه من مؤخرتها مظهرا الأذنين فحسب‏,‏ ويبدو لي أن هذا ماحدث في أثناء الصياغة الدرامية لمسلسل فاروق الذي يمكن أن يوصف في اختصار بأنه صور‏29‏ حلقة عن احداث كان يمكن دمجها في حلقة واحدة‏,‏ وفي المقابل فان صورة واحدة من أحداثه كان ينبغي الحديث عنها في‏29‏ حلقة‏.‏ ولم يقف الأمر عند هذا الحد‏,‏ لكن المسلسل حرص علي اظهار بعض صفات فاروق الشخصية الجيدة‏,‏ وحرص علي إظهار بعض ملامح الوطنية عنده‏,‏ لكنه في سبيل ذلك أهمل تصوير العصر تصويرا دقيقا‏,‏ كما أهمل المسلسل تصوير الصراع التاريخي الممتد الذي كان فاروق جزءا منه‏,‏لاصانعا له‏,‏ولامتحكما فيه‏,‏ وأهمل المسلسل تصوير الصراع الاجتماعي الذي صاغ التحول التاريخي الذي حدث بنهاية عهد فاروق‏,‏ وأهمل المسلسل تصوير ملامح الصراع الاقتصادي الذي فشل فاروق في لعب دور محدد فيه من ثلاث نواح‏:‏ باعتباره ملكا‏,‏ وباعتباره رئيس دولة كان مفرطا في التدخل في شئون الحكومة وباعتبار هو نفسه واحدا من قوي الرأسمالية‏.‏ وفشل المسلسل أيضا في تصوير النهضة العلمية والحضارية التي عاشها فاروق نتيجة لنجاح ثورة‏1919‏ من قبل‏,‏ وفشل المسلسل أيضا في تصوير الدور الخارجي النشيط الذي قامت به مصروساستها مختلفو الأهواء والمشارب‏,‏ والدور الذي قام به فاروق نفسه في عديد من الأزمات الدولية التي تلاحقت قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها‏.‏ والواقع أن المسلسل كان بمثابة جرس انذار منبه الي خطورة رؤيتنا الي تاريخنا‏,‏ فاذا كان الأمر في التعامل مع تاريخنا علي النحو الذي عبر عنه المسلسل فما أسهل أن يقرأ كل من تسول له نفسه ملايين الصفحات أو عشرات الصفحات‏(‏ وليس هناك فارق كبير بسبب هذا العدد اذا كانت الرؤية التاريخية قاصرة الي هذا الحد‏),‏ مادام الأمر أمر اقتناص وقائع مروية بأي طريقة لتكون سلسلة من وقائع متتالية تصنع مسلسلا‏.‏ أما اذا كان الأمر أمر تصوير شخصية اعتلت العرش في السادسة عشرة‏,‏ ومارست الحكم في السابعة عشرة والنصف‏,‏ واستطاعت تسيير الأمور بقدر كبير من السيطرة طوال هذه المدة متمكنة من اللعب علي تناقضات مصالح الوفد‏,‏ والحركة الوطنية‏,‏والأحزاب المعارضة الصغيرة‏,‏ والمحتل الأجنبي‏,‏ والقوي الخارجية المتعددة الغاربة والصاعدة علي حد سواء‏,‏ فاننا نصبح أمام شخصية جديرة حقا بالدراسة والتقييم الصحيح‏,‏ لابمجرد التعاطف مع وطنيته التي شوهت صورتها من قبل‏,‏ أو مع كراهيته للانجليز‏,‏ أو التعاطف مع عدم شربه للخمر‏,‏ أو التعاطف مع مصيره القاسي‏,‏ ولست من الذين يتبنون وجهة النظر القائلة بأن فاروق قد تحول فجأة أو مر بتحولات فجائية‏,‏ وانما كان تاريخه كله تعبيرا عن نمو طبيعي‏,‏ وكما أنه في بعض الأحيان كان ارتقاء فانه في بعض الأحوال الأخري كان الأمر أمر شيخوخة مبكرة‏.‏ وعن خبرة شخصية فانني أستطيع أن أقول ان كل النتائج التي انتهي اليها المسلسل في تصويره للشخصيات لم تصدر الا عن قصور الرؤية التاريخية لكاتبته‏,‏ والمجال متسع لضرب أمثلة علي هذا القصور‏,‏ وليس هذا المقال مجالا لاستعراض رؤيتي المتواضعة لهذه الأمور وقد قدمتها بتوسع شديد كما قدمتها بتفصيل ودقة‏,‏ واستشهادات في كتابيعلي مشارف الثورة وفي كواليس الملكية وفي هذين الكتابين أوردت ماوصل اليه السابقون من أحكام متزنة قامت علي دراسات مقارنة للنصوص المتاحة عن هذه الفترة التي أجادت تصوير فاروق ملكا يعيش في مصر بوجدانه علي الدوام‏.‏ ومع أني لاأنكر أن في المسلسل ايجابيات اخراجية وتمثيلية كثيرة جدا‏,‏ وأن فيه أداء متميزا‏,‏ وروحا لاتخلو من وطنية وقومية نفخر بهما‏,‏ لكني لاأنكر أيضا أنه كان من الممكن أن يكون العمل أفضل من هذا بكثير لو احتشد له معدوه‏.‏ بيد أن لغة المسلسل مزعجة لي الي أبعد الحدود‏,‏ وقد كنت في وقت من الأوقات في انزعاج شديد من عبارة قرأتها لجان نوبل جانيني مدير المكتبة الوطنية الفرنسية علق فيها علي بعض المشاهد التي أداها الممثل الكوميدي بوب هوب علي مسرح الشانزليزيه لحساب التليفزيون الأمريكي في الاحتفالات بمرور‏200‏ سنة علي الثورة الفرنسية حيث وصفها بقوله‏:‏انطوت سوقيتها البادية علي أكثر العبارات فظاظة وابتذالا ومازلت أذكر أنني صعقت لعبارة كهذه ترد في مقال هكذا‏,‏ لما شاهدت فاروق عرفت كم كان يجب علي أن أصعق لكثير من اللقطات‏,‏ومنها لقطة الملك فاروق وهو في العشرين يخاطب والدته عن شائعة سمعها عنها كما لو كان قوادا محترفا‏,‏ كما لو كانت والدته عاهرة تعمل لحسابه‏,‏ ولاينبغي لها أن تمارس شيئا من وراء ظهره فحسب‏,‏ وكأن الجرم في غياب الاستئذان لا في الفعل نفسه‏,‏ وهو ما لم يكن من الممكن أن يحدث في أي بيت مصري في تلك الحقبة‏,‏ وان كان من السهل الآن ان نتصور أنه يمكن حدوثه الآن بين زوج وزوجة‏,‏ لا بين ابن وأم‏.

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليق واحد

  1. ادعو الله ان يباركم و يبارك لكم و بكم وفيكم وعليكم

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كونشرتو السيدة تهاني

نبدأ هذا الحديث بما تعلمناه من أستاذنا الدكتور حسين فوزي رحمه الله ...

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com