Notice: Undefined index: HTTP_USER_AGENT in /home/gwadynet/public_html/wp-content/plugins/adsplacer/adsplacer.php on line 130

Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/gwadynet/public_html/wp-content/plugins/adsplacer/adsplacer.php:130) in /home/gwadynet/public_html/wp-includes/feed-rss2.php on line 8
موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ http://www.gwady.net Wed, 24 Apr 2019 09:35:40 +0000 ar hourly 1 http://www.gwady.net/wp-content/uploads/2015/10/cropped-icon3-32x32.jpg موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ http://www.gwady.net 32 32 محاولة لفهم الفرق بين الجماعات الإسلامية المعاصرة http://www.gwady.net/2019/04/%d9%85%d8%ad%d8%a7%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%84%d9%81%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d9%82-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7/ Wed, 24 Apr 2019 09:35:40 +0000 http://www.gwady.net/?p=39024 هذه فروق تقريبية بين الجماعات الأكثر وجودا أو الأكثر حضورا في ساحة العمل الإسلامي سواء في ذلك العمل السياسي الإسلامي أو العمل الإسلامي الخيري المُتجنّب للسياسة بكل ما يُمكن له التجنب من تصريح وأداء. نبدأ بالفرق بين جماعة الإخوان المسلمين (التي هي أكبر الجماعات الإسلامية) والجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالقرآن الكريم والسنّة المُحمّدية التي هي […]

التدوينة محاولة لفهم الفرق بين الجماعات الإسلامية المعاصرة ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>

هذه فروق تقريبية بين الجماعات الأكثر وجودا أو الأكثر حضورا في ساحة العمل الإسلامي سواء في ذلك العمل السياسي الإسلامي أو العمل الإسلامي الخيري المُتجنّب للسياسة بكل ما يُمكن له التجنب من تصريح وأداء.

نبدأ بالفرق بين جماعة الإخوان المسلمين (التي هي أكبر الجماعات الإسلامية) والجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالقرآن الكريم والسنّة المُحمّدية التي هي أكبر الجماعات غير العاملة بالسياسة، وأكبر الجماعات العاملة بالعمل الخيري ونقول إن هذا الفرق هو نفسه الفرق بين الرؤية والرسالة، فالجمعية الشرعية هي الرؤية الواسعة المُتّسعة أما الإخوان فهي الرؤية بعد أن تحوّلت إلى رسالة أو بلفظ أدّق إرسالية أو مهمة.

أما الفارق بين الجمعية الشرعية وجماعة أنصار السنّة المُحمّدية التي واكبتها في النشأة وفي الاستحواذ على بدايات الشارع السَلفي فهو الفارق في العلاقة بالسُنّة المُحمّدية فعلى حين تعتبر جماعة أنصار السُنة أن السنّة هي الغاية والنِهاية وأنها مَعنية بتطبيق السنّة واتّباع السنّة في المظهر وفي السلوك فإن الجمعية الشرعية تَعتبرُ هذه النقطة بمثابة نقطة البداية في نشاطها الذي يقوم على تعاون منْ يلتزمون بالسُنّة المُحمّدية، وهكذا فإنها تَعمدُ إلى السنّة لتكون نقطةَ بداية تجمع أعضائها في سبيلهم إلى التعاون.

وربما نتوقف هنا لنفخر بالنيابة عن الجمعية الشرعية بأنها حققت نجاحا عالميا مبكرا وليس مصريا فحسب في الأخذ بفكرة التعاون كفكرة مُثلى بديلة للنظامين الرأسمالي والشيوعي معاً، وقد بدأ العالم ينتبه إلى فكرة التعاون والجمعيات التعاونية نظريا وعمليا منذ أوائل القرن العشرين، ثم كانت الجمعية الشرعية على غير توقُعٍ من أحد هي أنجحُ نموذج لاقتصاد التعاون في المنطقة الإسلامية كلها مُنطلقة من أساس روحي مثّلته تعاليم القرآن الكريم والسُنّة المُحمدية ومع هذا فإنها في ظل حرصها المعهود لا ولن تتحدث عن هذا النجاح الساحق.

أنتقل إلى الفارق بين الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية المعروفة الآن بحزب البناء والتنمية، ومع أن نشأة الجماعة الإسلامية في السبعينات كانت متواكبة مع أولئك الذين يُعرفون الآن بأنهم الجيل الجديد من الإخوان المسلمين فإن الفارق الجغرافي الذي صوّره هؤلاء وهؤلاء هو أن الجماعات الإسلامية في جامعات الصعيد (الوجه القبلي) احتفظت لنفسها باسم الجماعة الإسلامية على حين أن الجماعة الإسلامية في العاصمة والوجه البحري القريب من القاهرة عُرفت على أنها أصبحت تجديدا للإخوان المسلمين وعلى حين مالت الجماعة الإسلامية في الإسكندرية وما يُجاورها من البحيرة ومرسي مطروح وبعض مناطق كفر الشيخ إلى أن تتحد مع بعض الجماعات السلفية أو تجددها، وهنا نسأل عن الفارق الواضح بين الجماعة الإسلامية (حزب البناء والتنمية) والإخوان المسلمين و(حزب العدالة والتنمية) فنُلاحظ بمنتهى السهولة أن الجماعة الإسلامية اضطرتها الظروف إلى الاندفاعات والمُراجعات على حين ظلّت الإخوان بتجربتها التاريخية في نطاق المشروع الذي هو مُحدّد المعالم لأصحابه بعيدا عن الاندفاعات وبعيداً عن المُراجعات.

على صعيد آخر نبحثُ عن الفارق بين الإخوان المسلمين وحزب الوسط فنجدُ الفارق بارزاً في تقنيات الري والغذاء التي اختلفت ما بين الحالتين فعلى حين نشأت الإخوان في مجتمع مرحب بها يستمتع بتيار النيل المُندفّق بكل ما في تدفُقه من عُنفوان وخير وماء وطمي وترسيب فإن حزب الوسط اعتمد على التنقيط أو على ما يتمثل به الحال في الصوبات الزراعية فقد نشأ في بيئة مُعادية للمشروع الإسلامي بل والمشروع السياسي من الأساس، وكانت هذه البيئة الزمنية التي نشأ فيها حزب الوسط حريصة على المُجاهرة بهذه العداوة حتى في نصوص القوانين التي تمنع الأحزاب ذات الطبيعة الإسلامية (أو بالهروب من هذا النص الواضح إلى تعبيرات من قبيل الصبغة الدينية) وعلى حين استطاعت جماعة الإخوان في بدايتها إشهار نفسها في نفس اليوم الذي بدأت فيه فإن حزب الوسط أمضى سنوات مُمتدة دون أن يحصُل على الإشهار حتى حدثت ثورة يناير 2011 فأشهر نفسه، وهكذا كان هذا الإشهار أو الوجود القانوني عزيزاً على قيادات الحزب إلى درجة تجعل من رأي بعضهم أن القبول بالأمر الواقع ضرورة جوهرية كي لا يخرج كيانهم من الأمر الواقع.

ومع هذا فإن الإخوان والجماعة الإسلامية وحزب الوسط يبقون في ناحية من الشاطئ بينما جماعات الإسلام السياسي السعودية في شاطئ آخر، وقد لجأنا إلى هذه التسمية لسبب واحد هو أن السعوديين أصبحوا يستغرّقون أكثر من تسعين في المائة من وقت المناقشة في نفي الوهابية عن الوهابية وفي نفي الماضي عن الماضي، ولهم العذر في هذا، وهم يضطرون أنفسهم للقول بأنهم لا يقبلون أصلا بقيمة علمية أو عملية لفكرة المُصطلح ولا بفكرة التسمية، ولهذا السبب فإننا سنلجأ إلى هذا الاسم العمومي أو الرمزي الذي ربما يتقبلونه على مضض بينما هم يرفضون مُسمّى الوهابية بصورة جازمة.

ونعود إلى موضوعنا وهو الفارق بين هذا التعامل الإسلامي مع المجتمع في السعودية وفي مصر، والفارق بسيط جدا يتمثّلُ في الفارق بين الكوبري السطحي الذي يعبر النهر والكوبري العلوي الذي يعبر نفس النهر فالكوبري السطحي يعوق حركة السفن كما أنه يعوق الحركة أمامه وخلفه حتى يتمّ سريان المركبات العابرة له أما الكوبري العلوي فيكفل في تطويراته المُختلفة أن يتمّ عبور السفن من تحته وأن يتم عبور السيارات والمركبات في طريق الكورنيش على يمينه وعلى يساره وهكذا يُصبح الكوبري العلوي وسيلة لا تعوق حركة أصلية من حركات المجتمع على نحو ما يفعله الكوبري السطحي الذي هو أصدق تصوير لما هو حادث في بعض تجليات تطبيق قواعد الإسلام السياسي السعودي (الموجودة خارج السعودية) سواء في الماضي أو في الحاضر بل وفي المستقبل.

ومن العجب العُجاب أن هذا التوجّه السعودي في معالجة قضايا المجتمع كان على النقيض تماماً من توجّيههم الشرعي لقضايا الاقتصاد، والتي أتاح لها الفقه السعودي المعاصر قدراً من الحرية لا يتوافر حتى في الرأسمالية المتوحشة ولا في الليبيرالية الجديدة، وكان لهذا الفهم الأثر الأكبر في النمو الاقتصادي السعودي، وهو أثر فاق في تأثيره كل ما هو مكرر ومقرر ومكرور من الحديث عن ضخامة وجسامة الثروة البترولية والاحتياطي البترولي للسعودية. ومن المدهش أن التحليل الاقتصادي البسيط قادر على أن يثبت لأي دارس أن الآليات الإسلامية الحرة التي عمل بها الاقتصاد الإسلامي السعودي هي السبب الأول لارتقاء الثروة وأن البترول وغيره قد يكون هو السبب الثاني رغم أسبقيته، وأن السبب الأول الذي نتحدث عنه كان بمثابة العدد الذي احتل خانة الآلاف بينما كانت الثروة المُتاحة في خانة العشرات أو المئات فحسب.

 

تم النشر نقلا عن موقع مدونات الجزيرة

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

التدوينة محاولة لفهم الفرق بين الجماعات الإسلامية المعاصرة ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>
الملك الإنجليزي الذي تأثر بالعثمانيين فتزوج 6 مرات وانشق عن الكاثوليكية http://www.gwady.net/2019/04/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%ac%d9%84%d9%8a%d8%b2%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d8%b1-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ab%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d9%8a/ Tue, 23 Apr 2019 02:09:40 +0000 http://www.gwady.net/?p=39020 كان صعود الدولة العثمانية في عصر السلطان سليم الأول 1512- 1520 وابنه سليمان القانوني 1520- 1566بمثابة أكبر تحد فكري وثقافي فرض نفسه على ملوك أوربا المثقفين أو المولعين بالثقافة وذلك على نحو ما كان أكبر تحد استراتيجي فرض نفسه على ملوكها المتعصبين والاستعماريين. والقارئ لقصة حياة هنري الثامن (1491 ـ 1547) الذي حكم بلاده ما […]

التدوينة الملك الإنجليزي الذي تأثر بالعثمانيين فتزوج 6 مرات وانشق عن الكاثوليكية ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>

كان صعود الدولة العثمانية في عصر السلطان سليم الأول 1512- 1520 وابنه سليمان القانوني 1520- 1566بمثابة أكبر تحد فكري وثقافي فرض نفسه على ملوك أوربا المثقفين أو المولعين بالثقافة وذلك على نحو ما كان أكبر تحد استراتيجي فرض نفسه على ملوكها المتعصبين والاستعماريين. والقارئ لقصة حياة هنري الثامن (1491 ـ 1547) الذي حكم بلاده ما بين 1509 و1547 (ولتعاقب حياة ذريته من بعده) يدرك هذا المعنى بكل وضوح وإن كان الغربيون لا يتناولون تاريخه من هذه الزاوية أبدا، والسبب مفهوم بالطبع.

وقد بلغ تأثر هنري الثامن بما كانت المقارنات مع المجتمع العثماني تتيحه له من التفكير أنه وجد ضرورة قصوى في أن يتحرر من الكاثوليكية وأن يستقل بالكنيسة الإنجليزية، ويبدو بوضوح أنه لو كان قد وجد من يصوغ له إطارا فكريا لمذهب مسيحي جديد لجعل الكنيسة الإنجليزية منبعا لهذا المذهب لكنه على كل حال حول كنيسته الوطنية لتكون كنيسة إنجليزية بروتستانتية وذلك بأن فصل كنيسة إنجلترا عن سُلطة الباباوية، ولم يقف عند هذا الحد وإنما حلّ الأديرة وعيٌن نفسه رئيسا لكنيسة إنجلترا، وإن ظل مع هذا كله في نظر بعض المؤرخين مُرتبطا بالتعاليم الكاثوليكية، ومن ثم فإنه يمكن اعتباره بمثابة المسئول الحقيقي عن تمذهب أمريكا نفسها (ومن تبعها) بالبروتستانتية وذلك على الرغم من أن ابنته الكبرى الملكة ماري حاولت العودة ببريطانيا إلى الكاثوليكية.

وعلى الصعيد السياسي فإنه هو الذي أتمٌ اتحاد إنجلترا وويلز، ومن الطريف أيضا أنه حارب الملك جيمس الرابع (1473 ـ 1513) ملك إسكتلندا الذي كان ملكا لإسكتلندا منذ 1488 مع أنه كان زوج أخته هو، وقد انتصر جيشه على زوج أخته في معركة 1513 التي قُتل فيها زوج أخته عن أربعين عاما، وقد قادت جيشه في هذه المعركة زوجته الأولى كاثرين الإسبانية ابنة الملكين إيزابيلا وفيرناندو.

بالإضافة لهذا كله خاض الملك هنري الثامن معارك فكرية وشخصية متعددة وصل فيها إلى معضلات وإشكاليات حرجة دفعته إلى أن يعدم فيها (من دون أي قدر من الرحمة) كثيرا من أقربائه وأنسبائه ووزرائه ومستشاريه ومفكريه وشعبه، ولو أنه كان قد درس الدين الإسلامي دراسة منهجية لكان قد انتفع بكثير من مقارباته الفقهية والفلسفية وعبر بسلام كثيرا من هذه المشكلات الضخمة التي قابلته وليس كلها بالطبع، ويكفي لتصوير حجم بعض هذه المشكلات أن نشير على القارئ بقراءة مسرحية شكسبير التي تحمل اسم هنري الثامن كما يكفي لتصوير حجم بعض هذه المشكلات أن نذكر أنه أعدم زوجتيه الثانية والخامسة رغم ما كان بينه وبينهما من حب، كما يكفي لتصوير حجم بعض هذه المشكلات أن نذكر أنه استن قانونا جعل فيه ابنتيه من زوجتيه الأولى والثانية بمثابة ابنتين غير شرعيتين ثم عاد قبيل وفاته فاعتبرهما شرعيتين، وقد قدر لابنته من زوجته الأولى أن تكون بمثابة ثاني خلفائه بعد ابنه من زوجته الثالثة.

كان هنري الثامن هو ملك إنجلترا وإيرلندا المُعاصر لثلاثة أقطاب مؤثرين في تاريخ الإنسانية : سليمان القانوني وفرنسوا الأول الذين كانا يصغرانه بثلاثة أعوام وكارلوس الخامس الذي كان يصغره بتسعة أعوام ، وكان هو نفسه زوجا لكاثرين 1485- 1535 خالة كارلوس الصغرى (هو زوجها الثاني بعد أخيه إدوار الذي توفي وهو ولي للعهد)، لكنه على سبيل الإجمال ورغم معاركه لم يكن له انغماس كبير في شرور الحروب والتعصٌب مثل كارلوس، وإن كان قد طالب بحقه في مُلك فرنسا، وقد انضوى منذ 1511 في التحالف المُقدٌس ضد فرنسا الذي لم ينقذ فرنسا فيه إلا تحالفها مع العثمانيين.

ومن الطريف أن هنري الثامن كان معنيا بالفنون والثقافة مثل سليمان القانوني ومثل فرنسوا الأول كما كان شغوفا بالتأليف الموسيقي وبتأليف الشعر، وبعلوم العقيدة مثل كارلوس وذلك رغم عنايته بالميسر وحبه للقمار. ربما نعرف أيضا أن هنري الثامن هو الذي أعدم المُفكر البريطاني العبقري توماس مور المعروف بلقب رجل لكل العصور وقد أعدمه لأنه لم يوافق على طلاق الملك نفسه من الملكة كاثرين بل إنه استقال من منصبه كوزير للعدل (1532) لهذا السبب بعدما كان قد عُيٌن فيه (1529). ونعرف أيضا أن زوجته كاثرين ماتت 1536 عن 51 عاما. بعدما شهدت زواج الملك رسميا من خمس زوجات تاليات لها، وقد كان هنري الثامن أول ملك بريطاني يتزوج 6 مرات وذلك لأنه ظل يتمنى أن يخلفه ذكر من أبنائه هو نفسه فلما رزق بالذكر من زوجته الثالثة اشتاق إلى أكثر من ذكر.

وقد بدأ زيجاته بمشكلة كهنوتية كبيرة اقترنت بزواجه من أولى زوجاته الأميرة كاثرين (ابنة الملكين المتعصبين إيزابيلا وفيرناندو وإليزابيث)، وكان مشروع هذه الزيجة بمثابة مُشكلة دينية وكنسية كبيرة لأنها كانت أرملة أخيه، وذلك لوجود نص ديني صريح يُحرٌم هذا الزواج، ولهذا فقد كان الحل الذي استغرق الوصول إليه أكثر من سنة أن أقسمت كاثرين ابنة إيزابيلا أن زواجها من الأمير آرثر شقيق هنري الثامن لم يكتمل!! وجاء هذا الحل استجابة لإلحاح أمها الملكة إيزابيلا الشديد على البابا بيوليوس الثاني لإتمام الزواج حتى إن هذا البابا في النهاية أصدر مرسوما بابويا يتضمٌنُ ما سمي بالإعفاء البابوي.

ومع هذا فإن هنري الثامن نفسه فيما بعد (وهذه هي المفارقة) أعلن أن هذه الزيجة تم ترتيبها بدون موافقته، كما أن أباه هنري السابع تراجع عن فكرته في الحلف مع إسبانيا، لكن الملكة إيزابيلا بتعصٌبها وطموحاتها التوسعية ظلٌت تدفع الجميع إلى إتمام الزواج فلٌما أتمٌ هنري السابعة عشرة من عمره عقب وفاة أبيه تم الزواج في يونيو 1509 وتم تتويج الملك وزوجته بعد أسبوعين، وهكذا ظنت إيزابيلا أن عرش بريطانيا سيكون بيد ابنتها إلى أن انقلبت الأمور على أعقابها على نحو ما نعرف.

 

تم النشر نقلا عن موقع مدونات الجزيرة

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

التدوينة الملك الإنجليزي الذي تأثر بالعثمانيين فتزوج 6 مرات وانشق عن الكاثوليكية ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>
محمد الأسمر شاعر زهر الربيع العربي http://www.gwady.net/2019/04/%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%85%d8%b1-%d8%b4%d8%a7%d8%b9%d8%b1-%d8%b2%d9%87%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a/ Mon, 22 Apr 2019 14:16:43 +0000 http://www.gwady.net/?p=39014 قصائده وهي قصيدته عن الجامعة العربية التي غنتها السيدة أم كلثوم والتي تُنسب في أذهان كثيرين إلى الشاعر علي الجارم، عليهما رحمة الله وفي هذه القصيدة يقول: زهر الربيع يرى أم سادة نجب / وروضة أينعت أم حفلة عجبتجمّع الشرق فيها فهو مؤتلف / كالعقد يلمع فيه الدرّ والذهبكفاه أن يد الفاروق تنظمه / وأنه […]

التدوينة محمد الأسمر شاعر زهر الربيع العربي ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>

قصائده وهي قصيدته عن الجامعة العربية التي غنتها السيدة أم كلثوم والتي تُنسب في أذهان كثيرين إلى الشاعر علي الجارم، عليهما رحمة الله وفي هذه القصيدة يقول:

زهر الربيع يرى أم سادة نجب / وروضة أينعت أم حفلة عجب
تجمّع الشرق فيها فهو مؤتلف / كالعقد يلمع فيه الدرّ والذهب
كفاه أن يد الفاروق تنظمه / وأنه أمل للشرق مرتقب
بني العروبة هذا القصر كعبتنا / وليس فيه من الحجاج مغترب
عجبت للنيل يطفي كل ذي لهب / يكاد من لفحات الشوق يلتهب
حياكم وهو جذلان وقال لكم / إنّ العروبة فيما بيننا نسب
هذي يدي عن بني مصر تصافحكم / فصافحوها تصافح نفسها العرب

محمد الأسمر واحد من الشعراء الكبار الذين لم يمتد بهم العُمر إذ توفى إثر عملية جراحية وهو في السادسة والخمسين من عمره، من الجدير بالذكر أن الشاعر محمود أبو الوفا ولد مثله 1900 لكنه عاش حتى 1979 وكذلك ولد الشاعر العراقي الكبير الجواهري 1900 لكنه عاش حتى 1997. ولد الشاعر محمد الأسمر في مدينة دمياط في 6 نوفمبر سنة 1900، أما لقبه الأسمر فيرجع إلى أحد المتصوفة الصالحين الذين قدموا من مراكش إلى دمياط وكان اسمه فاتح بن عثمان الأسمر التكرورى، وقد أطنب المؤرخ المقريزى في ذكر شمائله. وهو نفسه المعروف عند أهل دمياط باسم “أبى المعاطى ” لكثرة عطاياه وبركاته.

عمل في مطلع حياته الباكرة ( 1914 ) مُدرسا في مدرسة الحمزاوي الأهلية التي كان قد تعلم فيها لكنه آثر أن يترك التدريس وأن يعمل كاتبا في متجر في رأس البر لمدة ثلاثة شهور، ثم التحق بمعهد دمياط الديني وهو في الخامسة عشرة من عمره، واجتاز سنوات الدراسة فيه والتحق بمدرسة القضاء الشرعي، وفيها زامل الشاعر الكبير محمود غنيم (المولود في 1902) فلما ألغت الدولة مدرسة القضاء الشرعي وخيٌرت تلامذتها بين البقاء فيها حتى يتخرجوا أو الانتقال إلى دار العلوم أو الأزهر آثر هو أن يلتحق بالأزهر على حين انتقل زملاء له إلى دار العلوم. وفي أثناء دراسته عمل مصححا بجريدة السياسة التي كان يصدرها حزب الأحرار واستمر ثلاث سنوات يجمع بين الدراسة في الأزهر والعمل بالجريدة.

تخرج الشاعر الأسمر في الأزهر 1930 حاملا شهادة العالمية النظامية، في دفعة من أخريات دفعات النظام القديم، وعين كاتبا بالأزهر ثم أمينا لمحفوظات الإدارة العامة للمعاهد الدينية، ثم ترقى معاونا بمكتبة الأزهر فأمينا لمكتبة المعهد الديني بالإسكندرية مع بقائه بالقاهرة منتدبا للعمل بمكتبة الأزهر ثم أمينا لمكتبة الأزهر وبقي مُحتفظا بعمله فيها حتى توفي في 1956. وانتدب مرتين للعمل بوزارة الداخلية في قسم مراجعة الكتب، لإبداء رأيه فيها من الناحية الدينية والاجتماعية، كما كان رأيه يستطلع في الأفلام السينمائية. وقد هيٌأت له وظيفته هذه الفرصة ليكتب للصحف القاهرية وليشترك في المُجتمعات الأدبية، والمُساجلات الشعرية، وعُرف على أنه واحد من ظُرفاء عصره.

أشرف الأستاذ محمد الأسمر على الصفحة الأدبية في صحيفة الزمان المسائية، وكانت باسم ركن الأدب وقد شهدت هذه الصفحة نشاطا وتنافسا بين الشُعراء العموديين على جوائز مادية قدمتها الصحيفة. ظل الأسمر يكتب لجريدة الأهرام ولغيرها من الصحف، وحين تأسس المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية كان من الشعراء الذين اختيروا لعضوية لجنة الشعر في هذا المجلس. وكان قد اختير مرتين عضوا في لجنة النصوص بالإذاعة، توفي في 7 / 11/ 1956. وأطلقت دمياط اسمه على إحدى مدارسها.

عاش الأسمر عصر التنوير الحقيقي الذي كان الأثرياء فيه يفخرون برعاية الأدب فقد تكفل عيسوي باشا زايد (وهو صهر الدكتور علي مصطفى مشرفه) بأن يُنفق على طبع ديوانه الكبير الذي صدر لحُسن الحظ قبل قيام ثورة 1952، وكان قد أصدر ديوانه تغريدات الصباح 1946 قبل هذا الديوان. وفيما بعد وفاته صدر للأسمر ديوان “بين الأعاصير” وقد كتب مُقدمته صديقه الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، وقد كان الشيخ مصطفى عبد الرازق أول رعاة الشاعر الأسمر، وقد صدّر ديوانه الكبير برأي للشيخ ورد ضمن رسالة بعث بها إليه:

“صديقي الأستاذ الأسمر: لشعرك تأثير في نفسي أحسبه يفوق ما يفعل الشعر، ذلك أنه فيض نفس أحبها، وقد يكون سحرا ذلك الذي ترسله نغما موسيقيا بسيطا في أسلوب سهل فيسرى في الأرواح ويفجر العواطف خلالها تفجيرا.” وقد أفرد الأسمر بابا مستقلا بديوان الأسمر بعنوان ” الرازقيات” ضمنه تحياته للأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق. كذلك فقد انعقدت بينه وبين أنطون الجميل رئيس تحرير جريدة الأهرام الشاعر عرى الصداقة، فقد أعجب بشعره، وأفسح له صدر جريدة الأهرام لنشر شعره، وقد أفرد الأسمر أيضا من ديوانه بابا مستقلا عنوانه “الجميليات” ضم ثلاث عشرة قصيدة. وقد كتب أنطون باشا الجميل في مقدمة ديوان “تغريدات الصباح”:

“وشعر الأسمر في معظمه مزيج من الحقيقة والخيال، يرتفع الشاعر حينا في جو التصوير فيصور ما يجلوه له الخيال، ويغوص في أعماق النفس حينا فيروى ما يشعر به حسه، ويدرج حينا في عالم الحقائق المجردة فيصف شؤون الحياة كما هي، جميلة أو شوهاء، سعيدة أو مبتئسه، مفترة الثغر أو مقطبة الجبين”، أما السيدة هدى شعراوي فقد أهدى إليها الشاعر الأسمر ديوان “تغريدات الصباح”

عاش الشاعر الأسمر يترقب منيته منذ ما قبل وفاته المبكرة بعامين فأنشد يقول:
بعد الرابعة والخمسين:
هيهات هيهات لستُ اليوم مُتَّبِعاً شيطانَ نفسي، ولا ألقى الشياطينا
أبعدَ خمسين عاماً ثم أربـعـة ألهـو كـمـا كنتُ أيامَ الثلاثينا؟!
هَبْنَا المجانين في ماضِى شيبتنا فـهـل نظلُّ وقـد شبنا مجانينا؟!

وقال لما تخطى الخامسة والخمسين:
خمسون مَرَّتْ ثم خمسٌ لقد ضاق على ما ابتغى وقتى
وليت شعري ما الذي أبتغِى وقد دنت مَرْحلة الموت؟!

وقبيل وفاته قال تحت عنوان “صوت من القبور”:
نهايتنا نحـو هـذا المكـانْ فـراقـب إلهـك في كـل آنْ
ومُـرَّ بدنياك مَـرَّ الكـرام عفيفَ اليدين، عفيفَ اللسان
هو العمرُ في لحظةٍ ينتهـى وما العمر إلا سراب الزمـان
تَزَوَّدْ من الخير قبل الرحيلِ إلينـا وقـبـل فـوات الأوان

في مقطوعة قصيرة بعنوان “الله” يقول الأسمر
قلتُ للسائل عن مَبْــ ـلِغ إيمانى بربّـى
لا أرى التفصيلَ فاسمع للذى يأتِى، وحَسْبِى
أعـرف الله بعـقـلى وأرى الله بقـلبى!!

أعماله المنشورة
ديوان “تغريدات الصباح”، دار المعارف بالقاهرة.
“ديوان الأسمر”، دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة.
“مع المجتمع” كتاب خواطر عن أحوال المجتمع، دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة.
ديوان “بين الأعاصير”، شركة فن الطباعة

 

تم النشر نقلا عن موقع مدونات الجزيرة

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

التدوينة محمد الأسمر شاعر زهر الربيع العربي ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>
مشكلة ليبيا في طفيل اسمه حفتر ..والبرهان حيَّر المملكة http://www.gwady.net/2019/04/%d9%85%d8%b4%d9%83%d9%84%d8%a9-%d9%84%d9%8a%d8%a8%d9%8a%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d8%b7%d9%81%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d8%b3%d9%85%d9%87-%d8%ad%d9%81%d8%aa%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b1%d9%87%d8%a7%d9%86/ Sun, 21 Apr 2019 09:05:15 +0000 http://www.gwady.net/?p=38996 هاتفني أستاذي السعودي وسألني عن أفضل طريقة تعبر بها المملكة عن وفائها للبشير و صنعها للبرهان فأشرت عليه بأن تعين المملكة سفيرة لها في السودان لتكون ثاني دولة مؤتثة السفارة بعد أمريكا

التدوينة مشكلة ليبيا في طفيل اسمه حفتر ..والبرهان حيَّر المملكة ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>

هاتفني أستاذي السعودي وسألني عن أفضل طريقة تعبر بها المملكة عن وفائها للبشير و صنعها للبرهان فأشرت عليه بأن تعين المملكة سفيرة لها في السودان لتكون ثاني دولة مؤتثة السفارة بعد أمريكا

التدوينة مشكلة ليبيا في طفيل اسمه حفتر ..والبرهان حيَّر المملكة ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>
محمود فهمي النقراشي باشا (1888 ـ 1948) http://www.gwady.net/2019/04/%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d9%81%d9%87%d9%85%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%b4%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d8%b4%d8%a7-1888-%d9%80-1948/ Sat, 20 Apr 2019 18:46:06 +0000 http://www.gwady.net/?p=38987 أبدأ حديثي عن محمود فهمي النقراشي باشا بأن أذكر رأيي القائل بأنّ مكانته الحقيقية في مسار التاريخ المصري الحديث والمُعاصر تفوق أهميته المشهورة و شُهرته المتداولة ، ذلك أن اسمه دائماً ما يأتي مُقترناً باغتياله على يد جماعة الإخوان المسلمين بعدما أصدر قراره بحلّ هذه الجماعة، وهي نهاية مروعة بالطبع وكفيلة بأن تخلُق لصاحبها مكانة […]

التدوينة محمود فهمي النقراشي باشا (1888 ـ 1948) ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>

صداقته للأستاذ عباس محمود العقاد (المولود بعده بعام) كانت مُمتدة وعميقة بل إن حُزن العقاد على فقدان حياة محمود فهمي النقراشي باشا كان هو سبب كل العداء والكراهية

أبدأ حديثي عن محمود فهمي النقراشي باشا بأن أذكر رأيي القائل بأنّ مكانته الحقيقية في مسار التاريخ المصري الحديث والمُعاصر تفوق أهميته المشهورة و شُهرته المتداولة ، ذلك أن اسمه دائماً ما يأتي مُقترناً باغتياله على يد جماعة الإخوان المسلمين بعدما أصدر قراره بحلّ هذه الجماعة، وهي نهاية مروعة بالطبع وكفيلة بأن تخلُق لصاحبها مكانة تاريخية مُلحّة، لكن الحقيقة أن تاريخ محمود فهمي النقراشي باشا ينتظم كثيرا مما هو أهم من هذا بكثير، ولو أن محمود فهمي النقراشي باشا توفي وفاة طبيعية في أكتوبر أو نوفمبر 1948 أي قبل وفاته بشهرين أو ثلاثة وقبل قراره حل الجماعة بشهر أو اثنين لكان له من تاريخه ما يحفظ له مكانة بين أقرانه قبل أن يصدر قرار الحل ويدفع حياته ثمناً لهذا القرار.
ربما يظن القارئ أنّني مُنحاز إلى قيمة محمود فهمي النقراشي باشا في العمل السري في ثورة 1919 وهي القيمة الخطرة التي جعلتْه في النهاية وبعد أن وصل إلى منصب وكيل وزارة الداخلية هدفاً عزيز المنال استهدفته المُخابرات البريطانية لتُقدّم عنقه إلى حبل المشنقة في غضون أو في ثنايا أو في أعطاف قضية اغتيال السير لي ستاك ومع أن قرار إعدامه توقّف بسبب عدم الحصول على إجماع القُضاة، فإن هذا كله على أهمّيته ليس هو أهم ما في تاريخ محمود فهمي النقراشي باشا.
وربما يظن القارئ أن دور محمود فهمي النقراشي باشا في أكبر الانشقاقات التي تعرّض لها الوفد وهو انشقاقه مع أحمد ماهر في 1937 هو ما يجعلُ للنقراشي مكانة تاريخية مُتميّزة بين رجال الحركة الوطنية، والحقيقة أن هذا الانشقاق رغم أهمّيته وخطورته ومعقباته وما ترتب عليه لا يعدو أن يكون انشقاقاً حزبياً عليه ما عليه، وله ما له، وله ما يُبرّرُه، وله ما يُدينه.
وربما يرى القارئ رابعاً أن أداء محمود فهمي النقراشي باشا في حرب فلسطين سواء كان هذا الأداء جيداً أو رديئاً أو مُندفعاً أو مُتواطئاً هو ما يجعلُ لهذا الزعيم مكانة ذات طبيعة خاصة في تاريخنا المُعاصر، والحقيقة أن أداء محمود فهمي النقراشي باشا في هذه الحرب التي خاضتها مصر وهو رئيس وزرائها كان محكوماً بالمقدّمات، إحكاماً متينا ومحيطا وهو إحكام لم يفلت منه محمود فهمي النقراشي باشا ولم يُغيّره، كما أن ما احتواه هذا الأداء الحربي والاستراتيجي من أخطاء و ما احتواه في أخطائه من توجهات أو تعبير عن توجهات كان يعطي أصحابه العُذر الحقيقي بحيث لا يُمكن لنا أن نتّهم محمود فهمي النقراشي باشا بالتقصير المُجرّم فضلا عن أن نتّهمه بالخيانة أو التواطؤ.

قبل هذه الميادين الأربعة تأتي أهمية محمود فهمي النقراشي باشا في حقيقة الأمر من فشله المُعلن (ونجاحه غير المُعلن) حين آثر أن يعرض قضية استقلال مصر على مجلس الأمن (1947)، وأن يعرضها بنفسه، وهكذا قُدّر لمصر الرسمية أن تتواجد مُبكّراً في هذا المحيط الدولي ، وعلى هذه المنصة، وأن تُمارس التجربة المُبكّرة التي أفادت السياسة الخارجية المصرية وأفادت المدرسة الدبلوماسية المصرية فضلاً عن أثرها غير المباشر في تسريع خطوات الجلاء البريطاني بمفاوضات 1954 الذي يعود الفضل الأكبر في إتمامه إلى حركة المقاومة الشعبية التي قادها الوفد في 1951 بعد إلغاء المعاهدة على يد مصطفى النحاس باشا زعيم الأمة الذي وقّعها في 1936
سوف نُلخّصُ للقارئ في موضع آخر كثيراً من التفصيلات المهمة من واقع ما ترجمه أساتذتنا من الوثائق البريطانية حول تلك الفترة لكنّنا سنُركّز في هذه المقدّمة على مجموعة من الحقائق التي لا بدّ منها لفهم مسار قضية الاستقلال الوطني في مسيرة التاريخ المصري المعاصر، وفهم طبيعة الدور الذي أتيح للنقراشي أن يُؤديه حتى لو أنه توفي قبل أن يدرك أبعاده.
الحقيقة الأولى: أن ذهاب الحكومة المصرية أو رئيسها محمود فهمي النقراشي باشا إلى مجلس الأمن كان في حقيقة الأمر اهتداء مُباشراً بالتجربة السورية واللبنانية التي أثمرت إعلان استقلال سوريا ولبنان في 1946 و إلزام فرنسا بالجلاء النهائي بقرار من مجلس الأمن كان الفضل في استصداره لمجموعة المفاوضين السوريين المُتميزين ومنهم الزعماء هاشم الأتاسي وسعد الله الجابري ومن بينهم رئيس الوزراء السوري اللاحق فارس الخوري الذي تولى بنفسه في ذلك الوقت منصب مندوب سوريا في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، و صحيح أن الشوفونية المصرية لم تُعلن هذه الحقيقة للجماهير بأيّ صورة لكن القارئ الجيد للتاريخ العربي يستطيع أن يصل إلى هذه الحقيقة بكل بساطة ، ومن الجدير بالذكر أن السوريين كالعهد بهم و بحبهم لمصر والمصريين ساعدوا محمود فهمي النقراشي باشا مساعدات قيّمة في عرض القضية المصرية وتجهيز ملفها كما ساعدوه في معرفة كثير من الحقائق عن المجتمع الدولي ورجاله.
ومن الحق أن نقول إن محمود فهمي النقراشي باشا (حتى وإن كان مُخطئاً) دفعه الطموح الوطني إلى أن يتصوّر أن مصر قادرة على أن تحصل من مجلس الأمن على إنصاف يتناسب مع ما حصلت عليه سوريا ولبنان مع الاختلاف المبدئي بين وضع مصر و وضع سوريا ولبنان ومع الاختلاف المفهوم في المطالب ، كذلك فإن محمود فهمي النقراشي باشا رأى أن من واجبه الوطني (لا السياسي) أن يذهب إلى هذا الطريق مهما كان الوضع مختلفا ، وفي الحقيقة فقد كانت مصر قد حصّلت منذ 1922و1936 من حقوقها على ما هو أفضل مما حصلت عليه سوريا في ذلك الوقت لكن محمود فهمي النقراشي باشا أُعجب بفكرة هذا التحكيم الأممي العلني .
الحقيقة الثانية : أن هذه التجربة على الرغم من ورودها العارض في سياق الآليات التفاوضية الوطنية المتصلة سرعان ما أثمرت معرفة بآليات جديدة في المناقشات لم يكن للمصريين عهد بها في تعاملهم مع البريطانيين من قبل، وعلى سبيل المثال فقد عرف المصريون درساً ثميناً حين اكتشفوا عن قُرب بعض العوامل الحاكمة لما يُمكنُ أن نُسميه مسار الأمريكيين المُتماوج في التعبير عن رغبتهم في عرض القضية في الجمعية العامة بدلاً من مجلس الأمن حتى لا يُحرجوا أنفسهم مع العرب بإظهار عدم تأييدهم لمصر في مطلبها ، ومن المثير أن هذه السياسة الأمريكية ظلّت سائدة حتى انكشفت بالانقلاب العسكري المصري في 2013 ثم تأكد الانكشاف وتعمق بمجيء الرئيس ترمب بأطروحاته غير المبالية بالرصيد الأمريكي في الخداع الاستراتيجي المعتمد على إظهار وجه ناعم وغير حقيقي ولا بالتراث الأمريكي في الالتفاف التعبيري الخبيث. كذلك فقد بدأ المصريون يعرفون لأول مرة طبيعة بعض الخلافات بين بريطانيا وأمريكا، كما بدأوا يعرفون لأول مرة أيضاً أن الأمريكيين يتمتعون بأطماع كبيرة في مصر وفي ليبيا ويتحدثون عن قاعدة في برقة ويتحدثون بصراحة عمّا يُمكن لمصر أن تُقدمه لهم بالإجبار قبل التراضي في نطاق ما يروجون له من قيامهم بما صوروه على أنه مهمتهم التاريخية والكونية في محاربة انتشار الشيوعية. كما صارحوهم في لحظة عابرة بأنهم لن يُقدّموا لمصر عوناً مالياً لأن القانون الأمريكي لا يتضمّنُ ما يُمكّنُهم من تقديم هذا الدعم بل إنهم رفضوا أن يكفوا عن محاربتهم الخفية وربما الحاقدة للقطن المصري طويل التيلة.
الحقيقة الثالثة: أن نشاط محمود فهمي النقراشي باشا الدائب و الواسع وحرص مرافقيه على ترتيب المقابلات الرفيعة المستوى له فضلا عن مكانة مصر يومها كل أولئك قد مكّنه من أن يلتقي بالرئيس الأمريكي نفسه، ومن أن يتباحث مع وزير الخارجية الأمريكي الأشهر مارشال ،وأن يلتقي بزعماء ووزراء من هذا المستوى ، ومع أن هذه المقابلات لم تُسفر عن انحياز فوري أو إنجاز حقيقي لكنها رمت بذورا جيدة ، وأستطيع أن أقول إن محمود فهمي النقراشي باشا الذي عاد بقدر كبير من خيبة الأمل اكتسب بفضل هذه الجُرعة المعتبرة من خيبة الأمل مناعة جزئية ضد توقّعاته للموقف الدولي في الحرب التي كان العرب مُقدمين عليها من أجل الحفاظ على أراضي فلسطين، ولولا أن العرب الرسميين وعلى رأسهم محمود فهمي النقراشي باشا وأنداده الذين حضروا اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وما بعدها قد عرفوا مُبكّراً هذه الحقائق عن التواطؤ الدولي لكانت الخسارة العربية في فلسطين أكثر تبكيراً وأضخم حجماً ممّا حدث بالفعل بسبب ما كان من هذا التغييب المُتعمّد لوجهات نظر العرب عن المُجتمع الدولي وهو ما تواطأت عليه فرنسا وبريطانيا وأمريكا و الاتحاد السوفييتي.
الحقيقة الرابعة أن أسلوب التصلّب الظاهري التقليدي الذي تمسّك به الوفد المصري برئاسة النقراشي في عدم التفاوض مع البريطانيين قد نجح في أن يضغط على أعصاب البريطانيين (الباردة) من حيث لم يتصور المصريون، ذلك أنه حتى من قبل ذهاب محمود فهمي النقراشي باشا للأمم المتحدة فإن جولة مُفاوضات محمود فهمي النقراشي باشا مع البريطانيين كانت هي الأقصرُ زمناً على الإطلاق في جولات المفاوضات البريطانية المصرية، ومع هذا فإن البريطانيين حاولوا بكلّ وسيلة أن يبدأوا مفاوضات جديدة مع محمود فهمي النقراشي باشا في الأمم المتحدة وطلبوا من الأمريكيين الضغط على مصر في هذا الاتجاه، بيد أن محمود فهمي النقراشي باشا كان طموحاُ بالطبع إلى أن يحصُل على ما لم يحصُل عليه من سبقوه ، ولهذا فإنه كان يُريد أن يبني على ما حقّقته مفاوضات سلفه المباشر إسماعيل صدقي باشا مع بيفن (مفاوضات صدقي بيفن 1946 المشهورة) ، وكما هو معروف عن محمود فهمي النقراشي باشا فإن تصلّبه الصريح دفع البريطانيين في رسمهم لخُططهم القادمة إلى أن يكونوا أميل إلى فهم الموقف المصري الشعبي والحزبي الذي لم يعُد يُلقي بالاً للمعاهدة التي لم تكن بريطانيا نفسها حريصة في نظرهم على أن تلتزم بروحها.. وهكذا يُمكن لنا القول بأن فشل مفاوضات محمود فهمي النقراشي باشا ثم فشل مهمته في الأمم المتحدة كان ذا نتيجة مباشرة في موقف الوفد الحاسم والنحاس باشا بعد سنتين حيث انتقل هذا الموقف بتدرج متوقع من إعادة التفاوض إلى إلغاء المعاهدة إلى الكفاح المُسلّح من دون أن تكون بريطانيا سباقة في تحديد البدائل أو المسارات ، وهو ما جعل البريطانيين جاهزين للجلاء على يد الأمريكيين الذين استطاعوا الدخول كطرف ثالث للقضية المصرية منذ ذهب محمود فهمي النقراشي باشا إلى الأمم المتحدة، وهنا أحبّ أن أكرر وجهة نظري حين أصف الأمم المتحدة نفسها بأنها تقع في نطاق الولايات المتحدة الأمريكية من باب النفوذ بأكثر مما تقع في هذا النطاق من باب الجغرافيا.
و إذا قيل إن الدور الأمريكي في المفاوضات البريطانية المصرية كان هو الدور الفاعل الحقيقي الذي أوصل هذه المفاوضات إلى ما عُرف باتفاقية الجلاء في 1954 التي جرت مع ضباط يؤمنون بالولايات المتحدة الأمريكية ويثقون بها كما تثق بهم، فإننا نستطيع أن نقول بأن هذا الدور لم يبدأ إلا موازياً لزيارة محمود فهمي النقراشي باشا للولايات المتحدة الأمريكية ليعرض القضية في الأمم المتحدة ، بينما أثبتت مُجريات الأحداث اللاحقة أنه عرضها في الولايات المتحدة الأمريكية بأكثر مما عرضها في مجلس الأمن ، وأن الولايات المتحدة أجرت له ولمرافقيه عدداً من التقييمات الموضوعية و الشخصية لقياس تجاوب كل منهم مع مصالحها، وربما أدّت هذه التقييمات فيما بعد إلى دفعه هو نفسه (بتكثيف متوالٍ من دهاء الأمريكيين المؤسسين في إدارة وتحوير الصراعات الوطنية ) إلى اتخاذ القرار الذي أدى إلى مصرعه هو نفسه .
بيد أن التاريخ يحدثنا بوضوح عن أن هذه التقييمات الميدانية قد انتهت بالولايات المتحدة إلى قرارها النهائي الذي كشفه مسار التاريخ فيما بعد، وهو أن من الأيسر عليها أن تأتي ببعض الضباط المصريين إلى الحكم من خلال انقلاب أو ثورة تبدو إسلامية أو يسارية، وتستريح من أمثال محمود فهمي النقراشي باشا وممن هم أقوى منه موقفاً وشعبية وحزبية كالنحاس باشا أو قوة الإخوان الصاعدة.

نبدأ المعالجة التحليلية لشخصية محمود فهمي النقراشي باشا بذكر حقيقة مهمة وهي أنه كان بمثابة المعلم الوحيد وخرّيج مدرسة المعلمين العليا الوحيد بين رجال القانون والإدارة الذين تزعّموا الحركة الوطنية في الحقبة الليبيرالية، ولم يجد محمود فهمي النقراشي باشا نفسه مُضطراً إلى أن يدرُس القانون ولا إلى أن يحصُل على ليسانس الحقوق ليتماشى أو ليتبارز مع أنداده فقد كان اندماجه في العمل الوطني قد حدث مُبكراً ولم يترُك له وقتاً لمثل هذا الترف الفكري الذي مارسه على سبيل المثال التربوي الكبير الأستاذ محمد فريد أبو حديد (المولود 1893 أي بعد محمود فهمي النقراشي باشا بخمس سنوات) والذي هو واحد من أبرز خرّيجي المعلمين العليا إنجازا في الأدب والتاريخ والوظائف التربوية العليا ، مع هذا فإنه آثر أن يدرس الحقوق وأن يحصُل على درجة الليسانس في القانون في أثناء عمله التربوي .
ومن المثير أن محمود فهمي النقراشي باشا لم يبدا حياته الوزارية بوزارة المعارف بل إنه تولاها بعد أن وصل إلى تولي وزارة الداخلية بأهميتها وخطرها. وقد أتاح عمل محمود فهمي النقراشي باشا بالتعليم و وزارة المعارف أن يكون زميلاً و صديقا لعدد كبير من العلماء و الأدباء ورجال التربية فقد كان صديقا لمشرفة باشا (المولود بعده بعشر سنوات) ولأمثال مشرفة من مُؤسسي كُلّيتي العلوم والآداب ، ولطائفة من رجال العلم والتعليم من الدرعميين والأزهريين، كما أتاح له اتصالاً وثيقاً برجال الثقافة والفكر، ومن الجدير بالذكر أن صداقته للأستاذ عباس محمود العقاد (المولود بعده بعام) كانت مُمتدة وعميقة بل إن حُزن العقاد على فقدان حياة محمود فهمي النقراشي باشا كان هو سبب كل العداء والكراهية الذي ينفعل به الأستاذ العقاد ضد جماعة الإخوان المسلمين..

نعرف أن الشائع و المستقر والثابت في المنتج التاريخي هو أن أحمد ماهر باشا هو زعيم الانشقاق على النحاس وأن محمود فهمي النقراشي باشا كان معه في هذا الانشقاق رديفا وعونا وشريكا لكن الحقيقة المتعلقة بالتاريخ في طور صناعته تقول بأن محمود فهمي النقراشي باشا هو الذي بدأ وأن أحمد ماهر انضم إليه، ومن الطريف أن الانشقاق بدأ بسبب مداولات في مجلس الوزراء على مناقصة تعلية خزائن أسوان، وكان محمود غالب باشا مُعترضاً على ما طلب عثمان محرم الموافقة عليه، وانضم محمود فهمي النقراشي باشا إلى رأي محمود غالب باشا كما انضم مكرم عبيد باشا إلى رأي عثمان محرم باشا ، ولمّا تنامى الخلاف وتحوّل إلى مناقشة حول نزاهة الحكم انتقل إلى الشارع السياسي، ولم يكن أحمد ماهر في ذلك الوقت عضواً في مجلس الوزراء وإنما كان هو رئيس مجلس النواب الوفدي وهكذا أصبح أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي باشا زعيمين للانشقاق بينما كان محمود غالب معهما لكن اسمه اختفى مع أنه تولى الوزارة معهما بعد ذلك بعيداً عن الوفد ، وبهذا الانشقاق نشأ حزب الهيئة السعدية بزعامة أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي باشا ، وأشترك هذا الحزب في الوزارات الائتلافية والانتخابات البرلمانية بهذه الصفة ، وكانت أولى الوزارات التي شارك فيها السعديون بصفتهم سعديين هي وزارة محمد محمود باشا الرابعة في يونيو 1938، وكان الحزب السعدي يشترك بوزراء كانوا قبل هذا وفديين من قبيل أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي باشا ومحمود غالب ثم جاء الوقت الذي وصل فيه أعضاء الهيئة السعدية أنفُسهم إلى الوزارة بسبب انتمائهم للهيئة السعدية فكان من هؤلاء إبراهيم عبد الهادي باشا ، وحامد محمود ، ونجيب إسكندر ، وعبد الرزاق السنهوري، ، وعلي أيوب ، وأحمد مرسي بدر.
و من الطريف أن التاريخ يذكُر ثنائي ماهر ومحمود فهمي النقراشي باشا دائماً بتقديم أحمد ماهر حتى ليتصوّرُ القارئ أو المتابع أن أحمد ماهر كان يكبُر محمود فهمي النقراشي باشا بسنوات كثيرة تسمح له بهذه الأسبقية المُطلقة في كل ذكر بينما الحقيقة انهما كانا من مواليد نفس العام 1888، وأن محمود فهمي النقراشي باشا ولد في 26 إبريل أي قبل أحمد ماهر الذي ولد في 30 مايو، بينما ولد معاصرهما ورئيس الحزب المؤتلف مع حزبهما الدكتور محمد حسين هيكل باشا في 30 أغسطس من السنة نفسها ، ونحن نعرف أن احمد ماهر توفي في فبراير 1945 بينما عاش محمود فهمي النقراشي باشا حتى تعدّى الستين وتوفي في ديسمبر 1948.. لكن الطريف أيضا أن أحمد ماهر باشا سبق النقراشي باشا إلى تولي الوزارة منذ 1924 وإلى تولى رياسة الوزارة منذ 1944، وعلى طريقة الدفعات المتوازية بين المدارس العليا المختلفة فقد تخرّج محمود فهمي النقراشي باشا في المعلمين العليا في عام من عامين متواليين تخرج فيه من رجال القانون كل من أحمد ماهر ومحمد حسين هيكل وعبد الحميد بدوي وبهي الدين بركات ومكرم عبيد وعبد الرحمن الرافعي وحسن نشأت الذين ولدوا في الفترة نفسها.
وليس من قبيل المصادفة أن ينظر إلى محمود فهمي النقراشي باشا وهؤلاء الحقوقيين على أنهم أبناء سعد زغلول ذلك أنهم تخرجوا في الفترة التي كان سعد زغلول نفسه وزيراً للمعارف ومُتحمّساً لإرسال البعثات والتوسّع فيها، ولهذا كانت بعثاتهم بصورة أو أخرى على يدي سعد زغلول الذي كان وزيراً للمعارف (1906 ـ 1910)
ومن المهم في هذا المقام أن نُشير إلى أن محمود فهمي النقراشي باشا كان سابقاً في السن على الأبطال الميدانيين الحقيقيين في ثورة 1919 من أمثال إبراهيم عبد الهادي وسيد باشا وعريان يوسف سعد وهم الذين نشرنا مذكراتهم وتواريخ حياتهم في كتابنا عن العمل السري في ثورة 1919: مذكرات الشبان الوفديين، كان محمود فهمي النقراشي باشا حسبما تواتر في هذه المذكرات بمثابة قائد من قادة هذا العمل السري يُشارك فيه بنفسه لكنه يُوجّه ويُنسّقُ بأكثر مما يُشارك، وكان مع صديق عمره أحمد ماهر قريبين جدا من القائد الأكبر للعمل السري وهو عبد الرحمن فهمي بك (عم أحمد ماهر باشا ) الذي عُرف على أنّه ديدبان الثورة، وصاحب المذكرات المشهورة التي نُشرت فيها رسائله إلى سعد زغلول في المنفى ورسائل سعد زغلول إليه.

بعد كل هذه الزوايا الكاشفة يمكن لنا القول بأن محمود فهمي النقراشي باشا كان هو النموذج البارز للسياسي الذي يبدو للوهلة الأولى أنه امتلك كل مقومات النجاح، ومع ذلك لا ينال ذروة النجاح، وهو النموذج البارز لرجل الدولة الذي يحظى بأكبر قدر من الأخلاق الفاضلة والفضائل البارزة، والسجايا الحميدة، ومع هذا لا تكون محصلة إنجازاته وجهوده إلا في صورة تبدو وكأنها متناقضة مع الفضائل المطلقة. ولو أن الفكر السياسي علي مستوي الرأي العام كان ناضجا بما فيه الكفاية لكانت تجربة محمود فهمي النقراشي باشا في الحكم قد أصبحت بمثابة صمام أمان وتجربة حية كفيلة بأن تحمي مصر من خطايا العهد التالي الذي عرف على أنه عهد ثورة 1952، ولكن لسوء الحظ الوطني فإنه لا عبد الناصر استوعب تجربة محمود فهمي النقراشي باشا ، ولا الصحافة عرضت تجربة محمود فهمي النقراشي باشا عليه وعلى غيره من أجل العبرة والخبرة، وهكذا تكررت خطايا عهد محمود فهمي النقراشي باشا بصورة مضاعفة على مدى عهد عبد الناصر دون أن ينتبه أحد، أو بالأدق دون أن ينبه أحد إلى أن التاريخ الوطني حلقات متصلة لابد لها أن تفيد من بعضها على نحو ما هو مفترض.. ولكن مستشاري السوء كانوا كما نعرف (ونتوقع) يفضلون تصوير الأمور للحاكم، وكأنها تبتدئ من الصفر المطلق. وكذلك كانوا يفعلون مع الشعب أيضا حين يصورون البدايات المطلقة ويحرضون على توقع الانتصارات المطلقة.
كان محمود فهمي النقراشي باشا نموذجا مبكرا لنزاهة الحكم غير المرتبطة بسعة الأفق على نحو من كانوا قبله الذين جمعوا بين الخاصتين في ذكاء أما النقراشي فقد كان يبدو حريصا على أن يوصف بأنه حنبلي على نحو ما كان بالفعل ، ومع أن مصر أوذيت بسبب بعض مواقفه ، فإن المؤرخين يحرصون على إثبات هذه الحقيقة في مطلع أحاديثهم عنه ، وعلى سبيل المثال فإن المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعي (1889 – 1966) وجد نفسه ( وهو ينقل نبض الشارع ) ملزما بأن يذكر أن النقراشي باشا كان وطنيا شريفا نزيها نظيف الذمة المالية ومن القلائل الذين لم يتربحوا من وراء مناصبهم .
كان محمود فهمي النقراشي باشا للأسف الشديد هو ذلك الزعيم الذي قاد صراع الدولة بأجهزتها مع جماعة الإخوان المسلمين إلى سكة الندامة التي لاتزال لها آثارها بعدما اندفع النقراشي إلى هذا الصراع متسلحا بما لم يكن الصراع في حاجة إليه ، فقد كان الأمر يتطلب سعة الأفق وتوظيف البدائل والاتفاق على النهايات لكن النقراشي اندفع الى اعتبار نفسه صاحب الصواب والحق وقد اقنع نفسه بهذا متسلحا بإخلاصه و وطنيته وثقته فيما يظنه أو يعتقد فيه ، و مدفوعا بما كان يتراكم أمامه من تقارير أمنية كانت تغذيها المخابرات الغربية بخبث ودهاء ، وكان هو يندفع بإخلاص إلى ما يراه واجبا عليه مفرطا في الوقت ذاته فيما كان متاحا له من مزايا نسبية ، فلا هو استغل علاقاته الطبيعية ولا هو استغل علاقاته السياسية والحزبية الواسعة الممتدة، وهو استثمر معرفة أصدقائه ولا كفاءة محبيه من أهل الفكر والقلم ‘ ولا هو استغل دلاله بشخصه المحبوب، ولا استغل المحاور، ولا لجأ إلي ديناميات الصراع، ، وإنما نراه وقد أدخل الأمور بسرعة بالغة في دائرة لا تنتهي من المعالجات الأمنية المتناقضة مهما كان المسئولون عنها أكفاء.
ولأن محمود فهمي النقراشي باشا رجل شجاع ومسؤول ويتمتع بالثقة في أخلاقه وتدينه فقد أورثته الطاعة ذلك الغرور الإبليسي الذي لا يعرف صاحبه أنه يمارسه من دون أن يدري، ولو أن محمود فهمي النقراشي باشا كان ذا خطيئة مشينة أو نقيصة خلقية بارزة لكان هذا أفيد لبلاده، أقول هذا وأنا أستلهم قول العارفين: رب زلة أورثت ذلا وانكسارا، ورب طاعة أورثت كبرا.

ربما كان محمود فهمي النقراشي باشا محظوظا بوفاته المفاجئة فلا أظن أن حياته السياسية المقبلة كانت تحمل له أي فرصة أخري لأمجاد جديدة يضيفها إلى رصيده أمام التاريخ والوطن، ولو أنه لم يقتل في نهاية 1948 لكان عليه أن يتعرض للمهانة الشديدة حين يفوز الوفد عليه في انتخابات 1950 فينفض عنه بعض أقطاب الحزب السعدي ليعودوا إلى الوفد.
ولسنا نعرف هل كان التوجه إلى معارضة الملك فاروق في 1951كفيلا بأن يجتذب محمود فهمي النقراشي باشا لو كان لا يزال على قيد الحياة وهو المعروف بحماسه الصادق واندفاعه السريع ووطنيته المخلصة؟ وهل كان من الممكن له على سبيل المثال أن يكون (لو امتد به العمر) علي رأس قائمة الموقعين للعريضة التي قدمت للملك في 1951 التي كان على رأس موقعيها خليفته إبراهيم عبد الهادي باشا والدكتور هيكل باشا الذي نال جزاءه بتنحيته عن رئاسة الشيوخ بسبب هذه العريضة التي كان الملك يحتفظ بأسماء موقعيها في محفظته حتى لا ينساهم أبدا.
ولو استمر محمود فهمي النقراشي باشا حيا ومسئولا حتي ما قبل قيام ثورة 1952 بقليل لكان من المحتمل أن يقود مواجهة صريحة مع تنظيم من قبيل تنظيم الضباط الأحرار، ولم يكن هذا ليفضي إلا إلي تنامي احتمالات تدخل الجيش في السياسة على نحو شبيه بما حدث في سوريا بعيدا عن التعقل والتدرج الذي بدأ به الرئيس محمد نجيب واستمر ينتهجه ، ولكن النتيجة كانت ستمضي في طريق آخر، وهو أن يكون هذا التنظيم نفسه (أو غيره إذا ما قدر تصفيته) أعنف في معاملته للحكومة وللنقراشي منه في عنفه مع أي رئيس وزراء آخر، ذلك أن جماعات الراديكاليين يكرهون السياسيين الأطهار بأضعاف ما يكرهون الساسة ذوي السمعة المختلف في شأنها ، ويرون أن وجود الأطهار يمثل العقبة في طريقهم، وأن قتلهم هو الأجدى. وربما يسألني القارئ: هل هناك ما هو أعنف مما لقيه النقراشي باشا من القتل وأجيبه بأن العسكر لم يكونوا ليقبلوا بقتل النقراشي باشا وإنما كانوا سينسفونه بموكبه على النحو الذي نسف به الرئيس رفيق الحريري. وربما نسأل أنفسنا بطريقة مماثلة عما نتوقعه لو أن الثورة قامت ومحمود فهمي النقراشي باشا على قيد الحياة وظني أن ذلك لو حدث لقدم النقراشي باشا إلى المحاكمة على نحو ما قدم إبراهيم عبد الهادي، ولنال حكما بالإعدام على نحو ما نال إبراهيم عبد الهادي، وربما كان أسوأ حظا ولم ينل تخفيف الحكم علي نحو ما خفف الحكم عن إبراهيم عبد الهادي. ولو تأملنا هذا كله على نحو ما صورت لاسترجعنا إشارة الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع.

كان محمود فهمي النقراشي باشا بالمصادفة أو بغيرها صاحب أطول الوزارات عمراً في حكم الملك فاروق بعد الزعيم مصطفى النحاس باشا، ذلك أن وزارته الثانية استمرت لأكثر من عامين، كما أن وزارته الأولى استمرت قرابة عام ولم يترك الحكم إلا باغتياله في 28 ديسمبر 1948. وقد كانت علاقة النقراشي باشا بالملك فاروق نموذجًا للقصة الإنسانية المكتملة، فقد بدأت العلاقة وكأنها مفاجئة (بينما لم تكن في الغالب كذلك) حين قتل أحمد ماهر وتولى النقراشي باشا رئاسة الوزارة خلفا له كما تولى رئاسة الهيئة السعدية، لكن النقراشي باشا استطاع أن يبقى في موقعه طيلة ما يقرب من عام كامل (بدءا من فبراير 1945) في ظروف معقدة، وقد بدا أن الملك فاروق وجد فيه ضالته أخيرًا، فقد كان النقراشي باشا فيما يبدو يشرح للملك البدائل ثم يقول له إن الأمر له، ثم لا يباهي بآرائه هو. وهكذا وجد الملك الراحة مع النقراشي باشا، وإن كان مجتمع السياسة الحي لم يجد نفس القدر من الراحة مع النقراشي باشا. وهكذا أصبح النقراشي باشا من حيث لم يرد نموذجًا لرئيس الوزراء الملكي تمامًا، وهكذا أيضا واجه النقراشي باشا حركات الطلاب والشباب والراديكاليين بغير ما كان يتوقعه الناس من زعيم كان في شبابه ثائرًا إلى الحد الذي جعل رقبته تقترب من المفصلة.
وهكذا فإن النقراشي باشا رغم كل شيء اضطر للاستقالة في فبراير 1946، ولجأ الملك إلى تكليف خلف له هو صدقي باشا الذي بقي حتى ديسمبر 1946 حين أصبح النقراشي باشا نفسه متهيئا للعودة بنمط جديد من الخبرة القادرة على إرضاء الساسة وإرضاء الملكية في الوقت نفسه، وهكذا قضى النقراشي باشا مع الملك سنتين في أطول وزارة لزعيم أقلية (ديسمبر 1946 – ديسمبر 1948)، وقد بات الملك مستريحًا إلى النقراشي باشا كرجل تنفيذي من طراز رؤساء الوزراء التنفيذيين الذين عرفناهم فيما بعد في عهود العسكر لكن الملك فاروق كان يدرك بالحاسة الملكية أن النقراشي باشا يفتقد الزعامة الحقيقية و الكبرى التي يمثلها النحاس باشا، ولهذا فإن الملك في ظل نضجه بدأ يحسب حسابات فطرية ذكية تتمثل في أن يكمل بنفسه هو وبطريقته الجسورة بعض ما كانت تفتقده شخصية النقراشي باشا من مقومات سعة الاطلاع ومن إجادة وزن الأمور .
وبهذا المنطق كان الملك مشاركًا بصفة أو أخرى في إدخال عبد الحميد بدوي إلى وزارة النقراشي باشا، كما أنه هو الذي قرر من دون أن يشاور النقراشي باشا أن يختار إبراهيم عبد الهادي باشا (الذي هو نائب النقراشي باشا في رئاسة الهيئة السعدية) ليكون رئيسًا للديوان الملكي.
وفي هذه الفترة كان الملك يمارس كثيرًا من صلاحيات رئيس الوزراء بنفسه، ومن ذلك ما نعرفه عن تدخله في أمور جوائز الدولة والجامعة والتعليم … إلخ)
لكن الملك ترك النقراشي باشا من دون الحماية الكافية في مواجهاته مع جماعة الإخوان المسلمين التي تمت بناء على طلب الغرب (الأمريكان من وراء ستار البريطانيين) وذلك على الرغم من أن الملك كان أدرى بخباثات الأمريكان من دراية النقراشي باشا نفسه، وهكذا ترك الملك النقراشي باشا يدفع ثمن اندفاعه في معاملة الإخوان على نحو ما ترك أحمد ماهر باشا يدفع ثمن اندفاعه في إعلان الحرب والموقف منها. وكان الثمن في حياة الرجلين هو حياتهما نفسيهما. ولم يتعطف الملك فاروق على أي من الرجلين باللقب الذي يرفع اسميهما إلى صاحب المقام الرفيع ليكونا مثل علي ماهر باشا أو محمد محمود باشا. ومع هذا فإن مقتل النقراشي باشا (من بعد مقتل أحمد ماهر) طبع نفسية الملك فاروق بقدر من الحزن الحقيقي الذي أسهم مع الزمن في حمله على التخلي عن العرش مع ما اقترن به هذا التنازل من حكمة ورضا وذكاء.

نعرف أنه في عهد محمود فهمي النقراشي باشا دخلت مصر حرب فلسطين (مايو 1948). وفي عهده أيضاً انضمت مصر إلى هيئة الأمم المتحدة، وعرضت قضايا مصر على مجلس الأمن، أعلن على الملأ في مجلس الأمن يوم 5 أغسطس 1947 أن على بريطانيا الجلاء التام ودون أية شروط وينسب أنصاره إلى النحاس باشا التقليل من فرص نجاحه حين أطلق تصريحه بأن محمود فهمي النقراشي باشا لا يمثل مصر».
أما إنجازاته التنفيذية كثيرة، ومنها إنشاء الكلية البحرية، وكانت عند إنشائها تسمى بكلية الضباط البحرية بالإسكندرية، وإنشاء البنك الصناعي، و إنشاء مصلحة الأرصاد الجوية، وقناطر أدفينا ، وتأميم شركة الكهرباء بالقاهرة وتمصير كثير من الشركات ، و في عهده تم اعتماد عشرة ملايين جنيه للبدء في تنفيذ مشروع كهربة خزان أسوان كما تم تعويض أهالي النوبة عن تلف محاصيلهم بسبب حجز المياه خلف خزان أسوان، كما تم إنشاء المدينة الجامعية لجامعة فؤاد الأول. وإليه يعود الفضل في إصدار بعض التشريعات الوطنية الجديدة بعد انتهاء الامتيازات الأجنبية ومنها قانون الشركات، والقانون المدني الجديد.
في مجال التعليم يُذكر للنقراشي باشا أنه أنشأ مدارس ليلية لخريجي المدارس الصناعية والتجارية الثانوية، وأنه هو الذي ألغى تدريس اللغة الإنجليزية في السنة الأولى من المدارس الابتدائية، كما أنه هو الذي وحّد المناهج في مدارس رياض الأطفال وفي عهده أنشئت أقسام اللغات الشرقية ومعهد الصحافة في كلية الآداب جامعة القاهرة.
مع ذلك فإن بعض الأخطاء التي تنسب إليه كبيرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإنه في نهاية عهد وزارته الأولى وقعت الحادثة المشهورة بفتح كوبري عباس على الطلبة المتظاهرين فوقه.

ولد محمود فهمي النقراشي باشا في الإسكندرية، وفيها تلقى بدايات تعليمه والتحق بمدرسة المعلمين الخديوية وتخرج فيها، كما تخرج في جامعة نوتنجهام ببريطانيا (1909)، وعمل مدرسا في مدرسة التجارة العليا حيث التقى بزميل عمره الدكتور احمد ماهر. شارك مبكرا في العمل السياسي من خلال ثورة 1919 ولمع اسمه، وتنقل في مناصب التعليم وعمل ناظرا لمدرسة رأس التين الثانوية التي ارتبط اسمه بها، ومديرا للتعليم في أسيوط كما عمل سكرتيرا عاما لوزارة المعارف
وفي عهد وزارة الشعب اختاره الزعيم سعد زغلول باشا وكيلا لمحافظة القاهرة ثم عين وكيلا لوزارة الداخلية وعقب مقتل السردار الإنجليزي السير لي ستاك سنة 1924 لكنه أحيل للمعاش واعتقل واتهم مع أحمد ماهر في أعقاب مقتل السردار وقدم للمحاكمة ثم أفرج عنه.
بدأ محمود فهمي النقراشي باشا مناصبه الوزارية وزيراً للمواصلات طيلة وزارة النحاس باشا الثانية (يناير 1930 ـ يونيو 1930)، ثم عاد إلى نفس المنصب في وزارة النحاس باشا الثالثة (مايو 1936 ـ 31 يوليو 1937)، وكان خروجه من الوزارة مع إعادة تشكيلها عند تولي الملك فاروق سلطاته الدستورية في نهاية يوليو 1937، وكان هو أبرز الوزراء الذين تركوا الوزارة يومها، لأن زميله أحمد ماهر لم يكن عضواً في الوزارة وإنما كان خارج الوزارة كرئيس لمجلس النواب.
هكذا لم يشترك محمود فهمي النقراشي باشا في وزارة النحاس الرابعة (أغسطس 1937) ولا في الوزارتين الأوليين من وزارات محمد محمود الثلاث التي أعقبتها، ولكنه قبل العمل كوزير للداخلية في وزارة محمد محمود باشا الرابعة (24 يونيو 1938 ـ 18 أغسطس 1939)، وذلك بعد أن حدث الاتفاق على اشتراك السعديين مع محمد محمود باشا في هذه الوزارة (بهذا الائتلاف أصبح أحمد ماهر وزيراً للمالية ومحمود فهمي النقراشي باشا وزيراً للداخلية)، وهي على كل الأحوال أطول وزارات محمد محمود الثلاث المتصلة عمراً.
وفي الوزارة التالية وهي وزارة علي ماهر باشا، خرج الدستوريون من الحكم مع خروج محمد محمود باشا منه، وبقي السعديون يساندون علي ماهر وكان من العجيب أن يتنازل محمود فهمي النقراشي باشا عن وزارة الداخلية التي تولاها في وزارة محمد محمود السابقة ليتولى وزارة المعارف مع علي ماهر باشا. والأكثر مدعاة للتأمل والتقدير و الإعجاب ما يرويه الدكتور هيكل باشا سلفه في وزارة المعارف من أنه ـ أي محمود فهمي النقراشي باشا ـ كان سعيداً جداً بتولي هذه الوزارة خلفاً له (!!) ومن الطريف أن أحمد ماهر باشا قطب السعديين الذين كانوا هم الحزب الرئيسي في هذه الوزارة لم يشترك في هذه الوزارة.
ثم خرج علي ماهر باشا من الحكم وخلفه حسن صبري باشا كرئيس للوزارة لكن محمود فهمي النقراشي باشا استمر، وها هو مع تشكيل وزارة حسن صبري (28 يونيو) يعود ليتولى وزارة الداخلية حتى 2 سبتمبر فقط، حيث يتولى المالية لأول مرة في حياته، لكنه لا يمضي فيها أكثر من عشرين يوماً يخرج بعدها ومعه السعديون من وزارة حسن صبري باشا في 21 سبتمبر 1940وذلك بسبب الخلاف الحاد على موقف مصر من دخول الحرب العالمية الثانية.
وتتشكل وزارتا حسين سري باشا الأولى على نحو ما انتهت وزارة حسن صبري بلا مشاركة من السعديين فلا يشارك فيها محمود فهمي النقراشي باشا ثم تتشكل وزارته الثانية فلا يشارك محمود فهمي النقراشي باشا فيهما حتى مع عودة السعديين إلى الاشتراك في الوزارة!
وفي فبراير 1942 يعود الوفد للحكم ويبقى حتى أكتوبر 1944 حيث يتولى أحمد ماهر باشا رئاسة الوزارة، وعندئذ يتولى محمود فهمي النقراشي باشا وزارة الخارجية في وزارتي ماهر باشا الأولى والثانية، وكان هذا أول عهده بوزارة الخارجية، وللقارئ أن يعجب من أن يقبل تولي الخارجية فقط بعد أن تولى الداخلية والمالية في وزارات مَنْ لا تصل صلته بهم إلى صلته برئيس الوزراء الجديد أحمد ماهر باشا!! ولكن الذي رأى محمود فهمي النقراشي باشا يقبل وزارة المعارف في وزارة علي ماهر بعدما كان قد تولى الداخلية في وزارة محمد محمود لن يتعجب من هذه الثقة بالنفس!
على أي الأحوال فإنه الآن يكون حتى الآن (أكتوبر 1944) قد شارك في سبع وزارات مع خمسة رؤساء وزراء هم: النحاس باشا (وزارتان)، ومحمد محمود، وحسن صبري، وعلي ماهر، وأحمد ماهر (وزارتان)، وقد تولى خمس وزارات هي: المواصلات، والداخلية، والمعارف، والمالية، والخارجية.
وفي 24 فبراير 1945 تولى هو نفسه رئاسة الوزارة عقب اغتيال أحمد ماهر ويجمع معها الداخلية طيلة وزارته الأولى، كما يستبقي الخارجية في حوزته في الأيام العشرة الأولى من رئاسته للوزارة.
أما في وزارته الثانية فإنه يحتفظ بالداخلية طيلة عهد الوزارة (ديسمبر 1946 ـ ديسمبر 1948)، كما يستبقي الخارجية معه من بدء الوزارة وحتى 19 نوفمبر 1947، حيث يتركها ليتولى المالية إلى نهاية عهده في الوزارة، وحين يتعرض للاغتيال فإنه يكون (شأن صدقي باشا في معظم أوقات وزارته) محتفظاً بالرئاسة والداخلية والمالية.
هكذا تعددت مناصب محمود فهمي النقراشي باشا الوزارية على مدى 19 عاماً كاملة إلا يومين (1 يناير 1930 ـ 28 ديسمبر 1948)، تولى فيها 5 وزارات في تسع وزارات (رأس وزارتين منها)، وعمل مع خمسة رؤساء وزارة بالإضافة إليه هو نفسه.
•••
ونأتي إلى واقعة اغتياله وقد نقلت الصحف والأدبيات التاريخية وصف الحادث عن صحيفة مسائية كانت تصدر في ذلك الوقت وهي الزمان التي كان الأستاذ الحمامصي مسؤولا عنها كانت تربطه بالنقراشي باشا صلة قرابة:
” في العاشرة إلا الثلث من صباح اليوم دخل ضابط بوليس برتبة ملازم أول صالة وزارة الداخلية في الطابق الأول فأدى له حراس الوزارة التحية العسكرية وأخذ يقطع الوقت بالسير البطيء في صالة الوزارة كأنه ينتظر شيئا وعندما أحس بقرب وصولة دولة النقراشي باشا اتجه نحو الأسانسير ووقف بجانبه الأيمن وفي تمام العاشرة وخمس دقائق حضر النقراشي باشا ونزل من سيارته محاطا بحرسة الخاص واتجه للأسانسير فأدى له هذا الضابط التحية العسكرية فرد عليه مبتسما وعندما أوشك النقراشي علي دخول الأسانسير اطلق عليه هذا الضابط ثلاث رصاصات في ظهره فسقط قتيلا ونقل جثمانه إلى داره بمصر الجديدة “
” وأعلنت محطة الإذاعة الحداد لمدة يومين تقتصر فيهما البرامج على القران الكريم والأخبار والأحاديث بمعرفة المذيعين وحدهم مع إعفاء المذيعات كنوع من الحداد “
دفن النقراشي باشا بجوار صديقه ورفيق عمره أحمد ماهر باشا في المدفن المقام بشارع الملكة نازلي (رمسيس حاليا) بالقرب من مستشفى دار الشفا بالعباسية.

وكان الأستاذ مصطفي أمين الذي يتمتع بصداقة النقراشي باشا وثقته كما كان أقوى مؤيديه وأنصاره بقلمه وصحيفته ، رثاه عقب وفاته بمقال جعل عنوانه:” النقراشي كان يعرف انه سيموت'” مشيرا إلى أنه كان قد تنبأ له باغتياله راويا أنه ذهب لزيارته في منزله قبل اغتياله بأسبوعين تقريبا ودار الحوار بينهما حول القرار الذي ينوي إصداره بحل جماعة الإخوان المسلمين فتمسك النقراشي برأيه في ثبات عجيب يعرف عنه منذ شبابه الباكر أيام اشتراكه في ثورة 1919 وقال بالنص: “سوف أصدر القرار وأنفذه وبعد الاطمئنان على الحالة سأستقيل وأعود معلما كما بدأت وأعلم ابني هاني وصفية بنفسي’! ولما رآه مصطفي أمين مصرا على تنفيذ رأيه قال له: ‘قد تكسب رأيك ولكننا سنخسرك.. وتحققت النبوءة واغتيل النقراشي.. وختم مصطفي أمين مقاله قائلا: تلقيت نبأ مقتل النقراشي فلم ابك ولم انتحب لأني بكيته بالدمع السخين قبل أن يموت بأسبوعين.
وقد توالت حفلات تأبين النقراشي باشا وتباري الشعراء والأدباء في رثائه، وكان في مقدمة الشعراء الراثين له المفكر الكبير عباس محمود العقاد (1889 – 1964) وقد رثا صديقه النقراشي باشا بقصيدة عنوانها “الشهيد الأمين” مطلعها :
أسفي أن يكون جهد رثائي/ كلم عابر ورجع بكاء
وقد عجز الأستاذ العقاد عن حضور الحفل بسبب المرض فعهد بإلقاء هذه القصيدة إلى الأستاذ محمد شوقي أمين (عضو مجمع اللغة العربية فيما بعد).
وفي هذه القصيدة الحافلة بالجزع والألم يظهر الأستاذ عباس محمود العقاد على غير طبيعته ملتاعا عدميا سوداوي المزاج وهو يعبر عن ألمه من أنه لا جدوى للرثاء فقد ذهب الفقيد ولا رجعة له ، وليس يغنيه الدمع ولا يفي له بشيء وهو يرى أن فناء النقراشي بالنسبة له أصعب من فنائه هو :
أسفي أن يكون جهد رثائي/ كلمٌ عابرٌ ورجع بكاء
ما رثاء الحزين غير تعلَّا/تٍ وما النوح غير نفث هواء
ليتني أخرس الفناء لساني/ قبل يومٍ أشقى له من فنائي
ما وفاء بذل الدموع من الحز/ ن على من وفّى ببذل الدماء
•••
ويعبر الأستاذ العقاد عن أساه لضلال النفوس التي ارتكبت هذه الجريمة بغدرها وظلمه وظلماتها وعشوائيتها وهو يتساءل عن هذه الحواس التي تعطلت وصدقت المفتريات واندفعت إلى هذا الإثم في ظل عجز المتعقلين عن الهداية :
إنَّ حزني على هذه الأنفـ/ ـس ضلَّت فينا سبيل السواء
نُكِسَتْ بينها الموازينُ نكسًا/ واستحالت معالم الأشياء
كم رأينا غدرًا ولا من عُداةٍ/ وشهدنا حربًا ولا من عداء
ظلماتٌ تقودها خبطَ عشوا/ ءَ وويلٌ لخابط العشواء
أتصمُّ الآذانُ عن صادق النصـ/ ـحِ وتصغي طوعًا لكلِّ افتراء؟
أمةٌ في الشقاء من معتدٍ فيـ/ ـها عليها ومن صريع اعتداء
أعجز العاجزين يقوى على إيذا/ ئها غايةً من الإيذاء
والقديرون يشتكون من العجـ/ـز إذا مهَّدوا لها بالدواء
كيف كيف النجاءُ من هذه المحنـ/ ـة بل أَيْنَ أَيْنَ حقُّ النجاء؟
ثم يؤكد الأستاذ العقاد حزنه على ما انتاب الأمة من تزييف الحقائق وسيطرة السفهاء وتحكم الجهل الذي هو أوخم عاقبة من حكم البهائم .. ، وهو يختم هذا الجزء من قصيدته بتساؤله الشهير: إذا كنا نحكم على النقراشي بالقتل فمن هو الذي يستحق البقاء ؟
إن حزني حزنٌ على هذه الأمـ/ـة رفقًا بها إلهَ السماءِ
قُلبت آيةُ الحقائق فيها/ وقضى سفلها على العظماء
غيلة الموت للغيور عليها/ وقضاء الحياة للجهلاء
وقضاء الجهول أوخمُ عقبى/ من قضاء البهيمة العجماء
فتنةٌ تَعْمَهُ البصائرُ فيها/ وتضلُّ العقولُ في تيهاء
إن أبينا البقاء حقًّا لمحمو/ د، فمن ذا يرجى لطول البقاء؟
•••
ويفيض الأستاذ العقاد في تجلية معنى بيته الأخير متخذا من هذه الفكرة مدخلا للحديث عن شمائل الإنسانية الرفيعة في شخص النقراشي باشا وهو الذي بلغ أقصى الحنان ، وأشم الحفاظ ، وأخفى العفاف ، وأعدل الإنصاف ، وأهدى الذكاء ، و أبلغ الزهد ، وأنصع الخلق ، و أجمل الصبر ، وأصرح الجهاد وهو يتساءل بكل ثقة فيقول :
فنبئوني فإنني أنا واللـ/ ـه عراني عيٌّ عن الإنباء
أي سهمٍ ترمي به يدُ مصر/ يٍّ فيه موقعًا لرماء
أي تلك الخصال مرمى اغتيالٍ/ لبني مصر بل بني حواء
أَيُغَالُ الحنانُ فيه حنانًا/ كاد يحصى به مع الضعفاء؟
أَمْ يُغَالُ الحفاظ فيه حفاظًا/ يتحدى جحافل الأقوياء؟
أَمْ يُغَالُ العفاف أصدق ما كا/ ن عفافًا في مستسر الخفاء؟
أَمْ يُغَالُ الإنصاف يحمى عُداه/ حين يقضي من صفوة الأصفياء؟
أَمْ يُغَالُ الذكاء يخترق الحجـ/ ـب، بنورٍ يهدي كنوز ذكاء؟
أَمْ يُغَالُ الزهد الذي حار فيه/ كل مغر من سطوةٍ وثراء؟
أَمْ تُغَالُ الخلائق الزُّهرُ كادت/ تترقَّى إلى ذرى الأنبياء؟
أَمْ يُغَالُ الصبر الطويل على الجهـ/ ـد بلا مِنَّةٍ ولا إعياء؟
أَمْ يُغَالُ الجهاد في حب مصر/ ويح مصر من تلكم النكراء؟
ويختم الأستاذ العقاد قصيدته ببيت بسيط صادق معبر بقوة عن حجم مصيبته في صديقه الذي لا يتحدث عنه طيلة القصيدة إلا باسمه المحمود دون ألقاب أو كنى :
إن محمودًا الذي فقدته/ واحدٌ لا يقاس بالنظراء
يرحم الله مصر إنك يا /محمود في رحمة مع الشهداء
ومن الجدير بالذكر أن صديقا آخر للنقراشي باشا وهو الشاعر الكبير علي بك الجارم (1881 – 1949) رثاه في الحفل ذاته بقصيدته الشهيرة التي تربو على ستين بيتا . وقد توفي الشاعر الجارم العظيم أثناء إلقاء ابنه لهذه القصيدة في حفل التأبين. وقد وصفت مجلة الرسالة وفاة الشاعر الجارم بعبارات دقيقة و معبرة عن تقديرها له فقالت : توفي الشاعر المغفور له الأستاذ علي الجارم بك يوم الثلاثاء الماضي، وهو يستمع إلى قصيدته في رثاء المغفور له محمود فهمي النقراشي باشا، وكان يلقيها ابنه الأستاذ بدر الدين الجارم في حفلة التأبين بقاعة الجمعية الجغرافية الملكية،: ” كان يتلو الأبيات مع ولده بصوت منخفض، وفجأة توقفت شفتاه ومال إلى الجالس بجواره، بينما كانت قصيدته (وداع) تلقى في وداع النقراشي، حمل إلى غرفة مجاورة لقاعة الاحتفال، ثم فاضت روحه” .
استفتح الشاعر علي الجارم قصيدته بالإشارة إلى أن المناسبة تستدعي الدمع فيلبيها القلب بدمعه بصدق و غزارة وهو يتعمق هذا المعنى الحزين بحكمة الصديق المكلوم مع حرص ظاهر على التجلد والرضا بالقضاء والقدر .
ماءُ العيونِ على الشهيدِ ذَارفِ/ لو أنّ فيضًا من مَعينك كافِي
إنْ لم يَفِ الدمعُ الهتونُ بسيبهِ/ فلمن يَفي بعدَ الخليل الوافي؟
شيئان مَا عِيبَ البكاءُ عليهما/ فقدُ الشباب، وفُرقَةُ الأُلّافِ
أغْرَقْتُ همي بالدموعِ فخانني/ وطفَا، فويلي من غريقٍ طَافِي!
وإذا بكَى القلبُ الحزين فما له/ راقٍ ولا لبكائِه من شافِي
والدمعُ تهمي في الشدائِدِ سُحبُه/ ومن الدموع مُماطلٌ وموافِي
حَارتْ به كفي تُحاولُ مَسحهُ/ فكأنَّها تُغْريه بالإيكاف
وأجلُّ ما يَلقى الشريفُ ثوابَه/ إنْ غَسَّلَتْه مَدامعُ الأشرافِ

و قد صور الشاعر علي الجارم في قصيدته ما اعترى مشاعره المضطربة حين سمع نبأ رحيل صديقه وهو يحاول التأسي بوصف جلال موكب الفقيد الذي فاق موكب واحد من كبار الهنود في التاريخ وهو الملك سابور ، وبالحرص على إظهار الإيمان بالقدر الذي لا يرد مهما كان المفتدون راغبين في حياة الفقيد ومع كل هذا التجلد الذي يظهره الشاعر فإنه يلجأ إلى تصوير يصعب علىيّ أن أتقبله وهو وصفه الموت بأنه أعمى يصوب سهامه :
طيرُ المنيةِ صِحْتَ أشأمَ صيحةٍ/ وهززتَ شرَّ قوادِمٍ وخوافِي
وَعَلَقَت بالأملِ العزيز مُحصّنًا/ بظوامِئ الأرماحِ والأسيافِ
والجندُ والأعوانُ ترعى موكِبًا/ ما حازه سابُورُ ذو الأكتَافِ
يَفْدونَ بالمهجاتِ مهجَةَ قَائدٍ/ في كلِّ منعرجٍ وكلِّ مطَافِ
رانَ الذهولُ، فكلُّ عقلٍ حائر/ وجرى القضاءُ، فكل طرفٍ غافِي
والموتُ أعمى في يديه سهامُه/ يرمي البريةَ من وراء سِجَاِف
والموتُ قد يُخفي حمَاهُ بنسمةٍ/ هفّافةٍ، أو في رحيقِ سُلافِ
يغشَى الفتى ولو اطمأنّ لموئِلٍ/ في الجو أو في غمرةِ الرجّافِ
ويحَ الكنانةِ بعد نزعِ شَغافِها/ أتعيشُ فِي الدنيا بِغير شَغَافِ
•••
ويجيد الشاعر علي الجارم الحديث الحماسي عن بطولة النقراشي في مواجهة الحياة و مشكلاتها وفي مواجهة حكم الإعدام بالشنق الذي كان يتهدده في مطلع حياته حين رنا لاستقلال وطنه بمشاعر المحب الوله فعانى الزجر والحبس والأسر و التخويف من الاغتيال وكان أكبر من كل ما تعرض له حتى خافه الموت فكان حظه أن يستشهد فوق جواده كالكرام ، على النحو الذي تمناه خالد بن الوليد لنفسه ، وهي صورة كلاسيكية كان في وسع الشاعر أن يجد صورة أخرى غيرها أدنى مناسبة لما يصفه من كفاح سياسي طويل لم يقع في ساحات المعارك :
قد عاشَ يحمل رُوحَه في كفِّهِ/ ما قَالَ في هول النضال كفافِ
يلقَى الكوارثَ باسمًا متألقًا/ والدهرُ يعصِفُ والخطوبُ سَوافي
والموت يكشرُ عن نُيوبِ مَشانقٍ/ غُبرِ الوُجوهِ دميمةِ الأطرافِ
بينَ الرياحِ الهُوجِ يزأر مثلَها/ ويثورُ في غَضبٍ وفي إعْنافِ
يَرنو إلى استقلال مصر كما رنَتْ/ عين المحبِّ لطارقِ الأطياف
ما ارتاعَ مِن حبسٍ ولا أسرٍ ولا/ زَجْرٍ، ولا قتلٍ، ولا إرجَافِ
وإذا دهتهُ الحادثاتُ بفادحٍ/ لم تلق إلَّا هِزَّةَ استخفافِ
هابتْهُ أسبابُ المنيّةِ جَهرَةً/ فَرمتهُ خائنةً بِموت زُؤافِ
مَوتُ الكرامِ البيضِ فوقَ جيادِهم/ لا فَوقَ نُمرقَةٍ وتحتَ طِرافِ
فلكم تمنَّى «ابنُ الوليد» مَنيةً/ بين الصواهِل والقَنا الرعَّافِ
•••
ويعدد الشاعر عليالجارم بدون كلل ولا توقف مزايا النقراشي باشا من جرأة ونخوة وشهامة وطهر ونقاء وثقة و إشراق وعزة و عفاف ونزاهة وتجرد وقناعة وألفة ونبل وعزيمة و إرادة واستبشار و رهبة وعدل و سمعة و ذكرى وخلق وشرف وعصامية وعبقرية و قدوة :
ذهبَ الجريءُ النَدبُ ذُخرُ بلاده/ غَوْثُ الصريخِ ونُجعةُ المُعتافِ
خُلقٌ كأمواهِ السحابِ مُطَهَّرٌ/ وسَريرةٌ كلآلِئ الأصدافِ
وتبسمٌ للمعضِلاتِ كأَنَّه/ إشراقُ وجهِ الروضةِ المئنافِ
ونقَاءُ سُكَّان السماء يحوطه/ رَبُّ السماء بعزَّةٍ وعَفافِ
ونزاهةٌ سِيقَتْ لها الدنيا فما/ ظفِرتْ بغير تنكُّرٍ وعِيافِ
عُمَرٌ حوى الدنيا ولم يملِك سِوَى/ شاءٍ كأعوادِ القِسيِّ عِجَافِ
والمرءُ إن يَخْشَ الدنيَّةَ في الغِنَى/ يَقنَعْ بِعيشٍ في الحياة كَفافِ٣٠
قد كانَ في غير التحرُّج مَنفذٌ/ سهلٌ إلى الآلافِ والآلافِ
مَهما يَقُلْ من خالَفوه فإنّه/ في نُبلهِ فردٌ بِغير خِلافِ
وعَزيمةٌ لا الصعبُ في قاموسِها/ صَعبٌ، ولا خافِي الطريقِ بخافِي
فإذا أرادَ فكل شيءٍ آلةٌ/ وإذَا رمَى فالويلُ للأهدافِ
يزدادُ في ظُلَمِ النوازلِ بِشْرهُ/ كمْ كُدرةٍ تحتَ النميرِ الصافيِ!
يُخْشى ويُرهبُ كالمنيَّةِ مُرهفًا/ عَدْلٌ لدَى الإرهابِ والإرهافِ
فإذا طلبتَ الحقَّ منه وجدتَهُ/ سهلَ الرحابِ مُوَطَّأَ الأكنافِ
ذِكرى كحاليةِ الرياضِ شميمُها/ راحُ النفوسِ وراحةُ المُستافِ
إنَّ الفَتى ما فِيه من أخلاقهِ/ فإذا ذَهَبْنَ فكُلّ شيء «ما في»
ما زانَه الشرفُ المنيفُ بِغيرها / ولو انتَمى لسراةِ عبدِ منافِ
عِشنا على الأسلافِ طولَ حياتِنا/ حتى سئمنا عِشرةَ الأسلافِ
العبقريُّ حياتُه من صُنعِه/ لا صنعَ أسماءٍ ولا أوْصَافِ
يَكفيهِ مِنْ شَرفِ المجادة أنه/ دَرْسُ العصورِ وقُدوةُ الأخلافِ
•••
ثم يلجأ الشاعر علي الجارم إلى طراز جميل ومشهور يوظفه الشعراء في المديح والرثاء فيصطنعون عيوبا ويناقشونها بالمنطق و الأدلة ليبينوا بها عن الفضائل التي تمتع بها من يرثونه ، وفي حالتنا فان النقراشي باشا حسب وصف الشاعر الجارم يتميز بالصمت الوقور أو صمت الهيبة ، وخطبه تجلجل بلا هتاف ، وهو متعقل غير مجازف ، وهو مقدم غير متحسب ، وهو محب للوطن كاره للإجحاف ، وهو سابق ومتبوع ، وهو يقود الشباب بلا استغلال :
عابوا السكوتَ عليهِ وهو فضيلةٌ/ لغَطُ الحديثِ مَطيّةُ الإسفافِ
صَمْتُ الهمام النجدِ أو إطراقُه/ خُطَبٌ مُجَلْجِلَةٌ بِغير هُتافِ
قولُ الفَتَى من قلبِه أو عقلِه/ فإذا سَمَحْت فلا تَبعْ بِجُزافِ
حَسبُ الذي ألقَى اللجامَ لِسانُه/ ما جاءَ مِن زَجْرٍ بسورةِ «قافِ»
خاضَ السياسةَ ملءُ جُعبتِه هَوى / مصرٍ ومَحوُ الظلمِ والإجحاف
ما كانَ في الجُلَّى بحابِسِ سَرجِه / عَن هَوْلها يوْمًا ولا وَقَّافِ
يَمضي ويتبعُه الشبابُ كما جرتْ/ جُرْدُ المذاكي في غُبَار خَصافِ
••
ويلخص الشاعر علي الجارم مذهب النقراشي السياسي وجهوده الوطنية بعبارات حماسية وتصوير ذي شاعرية بديعة فيقول :
نادَى مُلِحًّا بالجلاء مناجزًا/ ماذا وراءَ الوعدِ والإخلافِ؟
ودعَا بوادي النيلِ غيرَ مقَسَّمٍ/ سُودان مصرَ كشاطئِ المُصطاف
يا يومَ أمريكا وكم بكَ موقفٌ/ أعيا النُّهَى وبراعةَ الوصّافِ
هِيَ صيحةٌ لم يَرْمِها مِنْ قَبلهِ/ بطلٌ بوجه السادةِ الأحلاف
صَوتٌ إذا هزّ الأثيرَ جهيرُه / فلَكم بمصرٍ هز مِن أعطَافِ
فِي كُلِّ أذنٍ مِنهُ شَنْفٌ زانَها/ ما أجملَ الآذانَ بالأشنافِ
أصغى له جمع الدهاةِ وأطرقوا/ شَتَّان بين السمع والإنصافِ!
سَمِعوا بيانًا عبقريًّا ما بِه / فِي الحقِّ مِن شططٍ ولا إسرافِ
وجدالَ وثَّابِ البديهةِ ثابتٍ/ في يوم ملحمةٍ ويومِ ثِقافِ
وصراحةٌ بهرت عيونَ رجالِهم/ لمّا بدتْ نُورًا بِلا أسدافِ

ثم إن الشاعر علي الجارم في نهاية قصيدته ينادي النقراشي باشا نداء الصديق المكلوم:
قالوا: الرثاء، فقلتُ: دَمعُ محاجِري/ بِحرٌ، وأنّات الحزين قوافِي
شِعرٌ مِنَ الذهب النُّضار حُروفه/ ولكم بسوقِ الشعر من زَيّافِ
«محمودُ»، قد لقي المجاهدُ ربَّهُ/ في جنَّةِ النفحاتِ والألطافِ

ثم نأتي إلى البيت الذي روى لي أستاذنا أحمد علي الجارم أن المنية أدركت والده الشاعر الكبير عنده:
نَمْ هَادِئًا إنَّ الغِراسَ وريفةٌ/ تُزهَى بأكرم تُربةٍ وقِطافِ
وانزِلْ إلى مَثوى الصديق تَجد بهِ/ ما شِئتَ مِنْ حُبٍّ ومن إشرافِ
قَبرُ الشهيد سماحةٌ فيَّاحةٌ/ وَمديدُ ظِلِّ حدائقٍ ألفاف
ما مَات مَن كتبَ الخلودُ رثاءَه/ ووشَى له حُللَ الثناء الضَّافي
حُيِّيتَ مِن مُزنِ العيُون بوابلٍ/ ومِنَ الحنانِ بناعم رَفَّافِ

حظي اسم محمود فهمي النقراشي باشا بكثير من التخليد نظراً لوفاته الدرامية المفاجئة، وقد حظي اسمه بتكريم يفوق تكريم اسم أحمد ماهر باشا الذي كان أول ضحية للاغتيالات السياسية فيما بعد الحرب العالمية الثانية (تلاه أمين عثمان باشا ثم احمد حسنين باشا ثم محمود فهمي النقراشي باشا)، وتحمل مدارس كثيرة اسمه منها مدرسة محمود فهمي النقراشي باشا النموذجية التي كانت بمثابة أفضل المدارس النموذجية حين تأسيسها كما أنه يحظى بتكريم أكثر في مسقط رأسه في الإسكندرية، وبلغ حماس المصريين لتخليد ذكره أن سُمّي باسمه الثلاثي كثيرون ممن ولدوا وهو في ذروة مجده أو عقب وفاته حين كان مسموحا بالأسماء الثلاثية لشخص واحد، ومن هؤلاء الذين سمّوا باسمه ابن لفنانة كبيرة من أعلام التمثيل.
أما محمود فهمي النقراشي باشا نفسه فقد سُمي بالاسم المركب الذي كان أشهر من تسمّى به قائد عسكري ومفكر مصري عظيم هو محمود فهمي باشا (1839 ـ 1894) الذي كان من أهم قادة الثورة العرابية وكان رئيس أركان الجيش المصري حين وقع الاحتلال 1882 وقد حُكم عليه بالإعدام وخُفّف الحكم للنفي إلى سيلان حيث توفي هناك بينما بقي زميلاه عرابي والبارودي على قيد الحياة حتى عادا إلى مصر.

كان محمود فهمي النقراشي باشا قد تزوج من ابنة عم السيدة صفية زغلول وانجب منها ابنا وابنة ، أما ابنه فهو المهندس هاني الذي يعد أكثر أبناء رؤساء الوزراء المصريين حضورا في الحياة العامة الآن رغم هجرته المبكرة إلى ألمانيا ، والأسباب معروفة ، وأما ابنته السيدة صفية فقد تزوجت شامل أباظة ابن إبراهيم الدسوقي أباظة باشا ، وهي والدة الدكتورة هدى أباظة التي ألفت كتابا عن جدها ، وكان للسيدة زوجته أولاد من زوجها السابق الذي كان سكرتيراً عاماً لوزارة المواصلات قبل وفاته.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة مباشر

لقراءة المقال من الجزيرة مباشر إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

التدوينة محمود فهمي النقراشي باشا (1888 ـ 1948) ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>
ما أكثر ما أحسست بالخجل من جهلي http://www.gwady.net/2019/04/%d9%85%d8%a7-%d8%a3%d9%83%d8%ab%d8%b1-%d9%85%d8%a7-%d8%a3%d8%ad%d8%b3%d8%b3%d8%aa-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%ac%d9%84-%d9%85%d9%86-%d8%ac%d9%87%d9%84%d9%8a/ Fri, 19 Apr 2019 09:00:18 +0000 http://www.gwady.net/?p=38974 1- كنت أتحدث في فضائية عن الوزارة الجديدة واستدرجني المحاور إلى ما يعرف من أنني كنت وراء ترشيح وزير المالية لمنصبه، وسأل السؤال المعتاد في مثل هذه الحالة فأجبته بأننا رغم تقديري العميق له لم نلتق، لكنني اكتشفت بالمصادفة مؤخرا أننا أقرباء، فأبوه وأبي أولاد خالات، فقد كان اسمه بدواعي البيروقراطية قد اختصر بحيث لم […]

التدوينة ما أكثر ما أحسست بالخجل من جهلي ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>

1- كنت أتحدث في فضائية عن الوزارة الجديدة واستدرجني المحاور إلى ما يعرف من أنني كنت وراء ترشيح وزير المالية لمنصبه، وسأل السؤال المعتاد في مثل هذه الحالة فأجبته بأننا رغم تقديري العميق له لم نلتق، لكنني اكتشفت بالمصادفة مؤخرا أننا أقرباء، فأبوه وأبي أولاد خالات، فقد كان اسمه بدواعي البيروقراطية قد اختصر بحيث لم يظهر لقبه وهو لقب جميل. في أثناء عودتي هاتفني شقيق عبد الوهاب متعجبا من أن أشير إلى أن أُغفل قرابتنا بوزير الري، وقال ألا تعرف أن فلانا حماه قلت هذه أول مرة أعرف، وإن كنت أحسست هذا بسبب صداقات له مع العائلة، قال إنها ليست صداقات وإنما نسب، وإنهم استمعوا لحديثي الآن وتعجبوا من أن أتعمد إغفال هذه القرابة مع أنهم يحبوننا ونحبهم، أحسست بالجهل ثم قلت لشقيقي هل كنت تعرف قرابة وزير المالية بنا قال هذه أول مرة، قلت: نفس الشيء بالنسبة لي فيما يتعلق بوزير الري فكان رده واضحا أن الناس تغفر له لكنها لن تغفر لي، ولن يكون العذر مقبولا فأحسست بالخجل وبالوجل الشديد، وأخدت أسخر من علمي.

2- اشتركت في مؤتمر لتكريم أستاذة الأدب الكبيرة، اختارت بنفسها ورقتي لتكون في الجلسة الأولى في المؤتمر، كانت الورقة عن مذكراتها، وقد نشرتها فيما بعد في كتاب مذكرات المرأة المصرية ثم أعدت نشرها مع التوسعة في كتاب الثورة الحرية الذي هو الطبعة الثانية من كتاب المرأة، كان مدخلي للحديث أنني سمعت قصة حياة السيدة العظيمة من والدتي رحمة الله عليهما فقد كان عم والدتي بمثابة الصديق الصدوق لوالد السيدة المكرمة، على الغداء فاجأتني الدكتورة: يبدو أنك لا تعرف أننا أقرباء. سكت، فتأكدت أنني لا أعرف، وقالت إن شقيقتها متزوجة من عائلة والدي، وأن زوج أختها هو ابن عمة والدي مباشرة، قالت معلوماتها بثقة كان يستحيل عليٌ معها أن أنطق.. عدت إلى والدي رحمه الله فتعجب: ألا تعرف؟ كان لوالدتي ثلاث عمات فقط رأيت منهن بحكم العمر اثنتين في القاهرة أما كبراهن فتوفيت قبل أن أراها. لوالدي ثمانية خالات يصعب عليٌ الآن أن أتذكرهن بالأسماء أو الأولاد، ولم أر منهن إلا واحدة فقط كانت هي صغراهن.

كنت في شبابي الأول مغرورا إلى حدود تفوق بكثير غروري غير المبرر الذي لا زلت أحتفظ به حتى الآن، وهكذا لم أكن أجد سببا يدعوني لمعرفة السر في معرفة بعض أساتذتي أشياء عني

ذهبت لزيارة الناشر الكبير فوجدت في الصالون سيدة أجنبية تقرأ رواية إنجليزية كبيرة الحجم، وهي مشغولة تماما بالرواية، ولم أجد السكرتيرة على مكتبها فسألت السيدة بالإشارة فأشارت إلى أن الناشر موجود فآثرت أن أدخل للناشر مباشرة حتى لا أفسد على السيدة خلوتها مع الرواية. استقبلني الناشر بحفاوة مبالغ فيها بعض الشيء وكأنه كان ينتظر صيدا، وكان بصحبته أحد العلماء المقاربين له في السن، فقال هل تعرف الدكتور فلان؟ قلت أعرف الاسم، قال أولم تره، قلت نعم لأنه يعمل في الخارج منذ مدة طويلة، قال وماذا أيضا، قلت وهو متزوج من أجنبية ومن ثم فإن علاقاته بالمصريين ليست واسعة، فضحك وقال هل رأيت زوجته الأجنبية قلت: لا، رد العالم الوقور: يحدث أحيانا، وهذا ما حدث معك الآن فزوجتي هي السيدة التي قابلتها في الصالون، أبديت اعتذاري وسعادتي باللقاء به فقال ألا تعلم صلتي بك؟ قلت أنا آسف، قال هل تذكر سيدة استدعوك لطارئ ألم بها في العيادة المجاورة لعيادتك؟

قلت حدث هذا منذ عامين، قال: ولم تُكلف نفسك بالسؤال من هي؟ رغم أنك أديت واجبك باقتدار، فقلت: الطبيب صديقي، قال إنه ليس صديقك فحسب لكنه “بلدياتك” وهو الذي أشار عليك بهذه العيادة منذ سنوات، ابتسمت وصمت، فأخد الرجل يسرد من خصوصياتي أمورا متعاقبة ليس فيها خطأ، ولا تجتمع المعرفة بها إلا عند القليلين.. وأنا لا أسأله عن مصدر معلوماته. ثم قال: ألا تعرف عني شيئا كالذي أعرف عنك، فقلت له أعرف القليل! وانصرف العالم الكبير. هاتفت والدي عليه رحمة الله وسألته هل تعرف فلانا؟ قال: نعم وسألني هل قابلت ابنه؟ قلت: ومن ابنه؟ قال الممثل فلان؟ قلت: هل هذا ابن ذاك؟ أجاب والدي من زوجته الأولى. هكذا صدق حدسي من أن هذا العالم لا بد أن يكون من مدينتنا، ثم قلت لوالدي: هل الفنان الممثل من مدينتنا، فذكرني والدي بما كان يُقرضه لفريق التمثيل في المدرسة من اكسسوارات يحتفظ بها. عادت بي ذاكرتي لطفولتي وتذكرت.. وأحسست بالخجل من نفسي حين أعرف تفصيلات كثيرة من هذا النوع، وأجهل تفصيلات تخص والدي عليه رحمة الله، وتخص مدينتي، وتخص علماء أعرفهم بالاسم ولا أعرف ما ينبغي أن أعرف.

كنت أحب ذلك الناقد المؤرخ حبا شديدا فقد كان جادا مُطلعا متواضعا مؤلفا وقد ترك رغم عمره الذي لم يطل آثارا أدبية وتاريخية في غاية الأهمية. توفي هذا الناقد فجأة فكتبت رثاء له، ثم كتبت ترجمة عن حياته في إحدى الموسوعات، وفي الموقفين كان من يعرفونه يتعجبون من إنصافي له على نحو جيد لم يقم به غيري، رغم أن علاقتي به لا تخرج عن إطار المعرفة العابرة، حتى سألني أحدهم: هل عشت معه في بريطانيا حين كنت في زيارة لها، فأجبت بالنفي وبأني لم يطل عهدي ببريطانيا إلا أياما عابرة. ومع هذا ظللت لسبب لا أعرفه أقدر هذا الرجل حق قدره إلى أن جاء يوم قرأت ترجمة وافية عن حياته فإذا بي أكتشف أنه ولد في مدينتي فأدركت أن في الحياة من الأسرار والأسباب ما لا يمكن لنا أن نعرفه حتى نموت.

كنت في شبابي الأول مغرورا إلى حدود تفوق بكثير غروري غير المبرر الذي لا زلت أحتفظ به حتى الآن، وهكذا لم أكن أجد سببا يدعوني لمعرفة السر في معرفة بعض أساتذتي أشياء عني،.. كان أحد أساتذتي محيطا بكثير عن طريقة فهمي ومطالعاتي مع أن فيها ما لم يكن متاحا ولا مُتصورا لأي طالب في سني وفي دراستي.. لم يدر بخلدي أن أسأل عن السبب.. كما أنه لم يفاتحني بهذا السر. بعد سنوات توفي أستاذي هذا فتذكرت ما كان يعرفه وتعجبت من أنني بقلة ذكائي وكثرة غروري لم أبحث عن السبب الذي جعله يعرف عني كثيرا. بعد أربعين سنة من هذه الواقعة توفي أحد العلماء الأجلاء عن عمر طويل وكان هذا العالم الجليل أحد زملاء والدي المقربين جدا في التعليم الثانوي والجامعي أو ما يقال عنه بالإنجليزي زميل الحجرة. وإذا بي أكتشف أن هذا العالم الجليل الشهير كان عديلا لأستاذي الذي كان يعرف عني الكثير. كان الرجلان من إقليمين مختلفين، ومن تخصصين مختلفين ومن عمرين مختلفين لكنهما تزوجا شقيقتين. بت في تلك الليلة أسخر من كل ما تعلمت ومن كل ما ظننت أنني تعلمته أو علمته.. وأدركت يومها أنني كنت ولا زلت: لا شيء.

 

تم النشر نقلا عن موقع مدونات الجزيرة

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

 

التدوينة ما أكثر ما أحسست بالخجل من جهلي ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>
عبثية أحكام الإعدام في قضايا السياسة http://www.gwady.net/2019/04/%d8%b9%d8%a8%d8%ab%d9%8a%d8%a9-%d8%a3%d8%ad%d9%83%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d8%af%d8%a7%d9%85-%d9%81%d9%8a-%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9/ Wed, 17 Apr 2019 10:00:53 +0000 http://www.gwady.net/?p=38968 يعرفُ القُراء أن الرئيس أنور السادات ومعه مجموعة من الشّباب الوطنيين المُتحمّسين قتلوا الوزير الوفدي أمين عثمان باشا ولم يُنكروا هذا القتل، بل اعترفوا به واعتبروه بمثابة فخر لهم، وكان الوفد ذا أغلبية كاسحة، كما كان ذا نفوذ واسع في السلطة وفي قلوب الجماهير على حد سواء، وكان إعلام الوفد قويا كما كانت عقيدة الشعب […]

التدوينة عبثية أحكام الإعدام في قضايا السياسة ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>

يعرفُ القُراء أن الرئيس أنور السادات ومعه مجموعة من الشّباب الوطنيين المُتحمّسين قتلوا الوزير الوفدي أمين عثمان باشا ولم يُنكروا هذا القتل، بل اعترفوا به واعتبروه بمثابة فخر لهم، وكان الوفد ذا أغلبية كاسحة، كما كان ذا نفوذ واسع في السلطة وفي قلوب الجماهير على حد سواء، وكان إعلام الوفد قويا كما كانت عقيدة الشعب المصري تجاهه راسخة تُقر بسلامة مواقفه وصحّتها، ومع هذا النفوذ والقوّة والقُدرة والحق فإن عهد الوفد لم يُعدم أحدا من قاتلي أمين عثمان الذين قتَلوه بكل وضوح وكانوا مسئولين عن هذا القتل بلا أي شُبهة أو لُبس، وكان أمين عثمان باشا عزيزا على الوفد فقد كان من زعاماته الفنية المُتخصّصة، كما كان من عناصر نجاح سياسة الوفد الخارجية والتفاوضية، وكان وزيراً للمالية وهو منصب يُعادل منصب الرجل الثالث أو الرابع في هيكل الوفد، مع هذا كلّه فإن قَتلة أمين عثمان لم يتعرّضوا للإعدام بأي طريقة ولا في أي مرحلة ولم يكونوا مَحلّ انتقامِ الوفد ولا غدره ولا ثأره بل إن أحدهم أصبح في غُضون سنوات معدودات وزيراً ثم أصبح هو نفسه رئيس الجمهورية والبطل القومي لمصر، وهكذا أثبت الوفد من دون تخطيط ولا مَنٍّ أنه أكبر بكثير وأنه أكبر حتى من الأخطاء القاتلة من قبيل ذلك الخطأ في التقدير الذي أودى بحياة أمين عثمان باشا.
نَعود سنوات طويلة إلى الوراء لنُشاهد حادث الاعتداء على سعد زغلول باشا في محطة مصر وهو رئيس للوزراء ونجد القاتل وقد أُحيط به وقُبض عليه، واعترف بالحقيقة، وبمن دفعه، وبمن وعده ومع هذا كلّه فإن الوفد الذي هو وعاء الوطنية لم يجد أنّ من المُناسب أن يُعاقب هذا المُعتدي بمثل ما عوقب بِه من فكّروا في الاعتداء على رجال ثورة يوليو 1952 والذين وصل الحال بهم إلى حبل المشنقة لمُجرّد التفكير في أن يغتالوا هذا او ذاك من زُعماء ثورة 1952، وهكذا كانت ثورة 1952 تُعاقب حتى على النوايا بما يجعلها أقرب إلى محاكم التفتيش على حين كان الوفد قبل هذا لا يُعاقب حتى على التورّط الصريح الواضح.
بل إن رؤساء الوزارات الإدارية ووزراء الأقلية الذين كانوا من غير رجال الوفد تعرّضوا لمُحاولات اغتيال حقيقية لكن النظام القضائي والسياسي المصري لم يجد ما يدفعه إلى إعدام المُتورّطين في هذه المحاولات على الرغم من اعترافهم الذي وصل في بعض الأحيان إلى اعترافات تفصيلية، وهكذا كان يوسف وهبة باشا يلتقي في مجلس الشيوخ أو في مجلس النُواب بالرجل الفدائي العظيم عريان يوسف سعد الذي اقترح على زملائه الثوار أن يقوم هو وليس غيرُه بمُحاولة اغتيال يوسف وهبة باشا أو ترويعه لأنهما قبطيان، حتى إذا ما قتل رئيس الوزراء في هذه المحاولة فإن الغرب يجد نفسه أمام شاب قبطي قَتل رئيس وزراء قِبطيا فلا يُكرّر ما فعله في مقتل بطرس غالي حين صمم أصحاب النفوذ على إعدام الورداني في مقابل بطرس غالي على الرغم من أن الرصاص لم يقتل بطرس غالي وإنما قتلته العملية الجراحية.
ومع هذا فإن حادثة قَتل بطرس غالي اشتملت على موقف من أروع المواقف في تاريخ القضاء والحركة الوطنية على حد سواء ذلك أن مسار التحقيق كان يستدعي أن يكون حافظ عفيفي باشا (وزير الخارجية فيما بعد) مُتهما من المتهمين الأوائل في قتل بطرس غالي باشا و ذلك بسبب صداقته للدكتور الورداني ولقاءاته المُكثفة معه في الأيام القليلة التي سبقت إطلاق النار على بطرس غالي باشا ثم مصرعِه، ومع هذا فإن عبد الخالق ثروت باشا النائب العام تعمّد أن يُنجي حافظ عفيفي باشا والآخرين من أن يدخلوا في قائمة الاتهام مع الورداني، لكن أحد المواطنين ممن نُسمّيهم الآن من باب السخرية بالمواطنين الشرفاء صمّم على أن يضع النيابة أمام الامر الواقع، فأبلغ عن شكوكه في حافظ عفيفي وقدّم القرائن، وتقدّم بنفسه للتبليغ دون أن ينسب الأمر إلى أمور علِمها أو سمِعها، وصمّم على اتهامه بحيث لم يكُن أمام النائب العام عبد الخالق تروث باشا بُدّ من أن يفتح التحقيق حول حافظ عفيفي باشا وأن يستدعيه للسؤال والتحقيق، بل وأن يتولّى التحقيق بنفسه، وقد فعل عبد الخالق تروث كل هذا مع روح الإنصاف الحريصة على الحفاظ على حافظ عفيفي بعيدا عن الاتهام ونجح في هذا المسعى على نحو شهد بعدالته و وطنيته معاً، ولم يتسرّع في الإكثار من المُتهمين بلا داع ولا في ترويع الشباب الوطني بما لا ينبغي أن يُروّع به هذا الشباب الوطني وشاء القدر بعد هذا أن يكون حافظ عفيفي نفسه وزيرا للخارجية في وزارة عبد الخالق تروث باشا الثانية (1927 ـ 1928) ومن الطريف أن ثروت باشا كان أيضا وزيراً للخارجية وأن القتيل بطرس غالي كان أيضا وزيراً للخارجية هكذا فإننا أمام وزير خارجية يُنجّي وزير خارجية من الاتهام بقتل وزير خارجية.
كثيرة هي الأمثلة التي تُبيّنُ لنا أن الوفد بزعامة النحاس لم ينزلق في أيّة مرة من مرات الاغتيال التي استهدفت النحاس باشا إلى البحث عمّن يُعدمُه لتأديب الشباب الوطني، بل إن من المُذهل أن الرئيس جمال عبد الناصر وأنور السادات شاركا في بعض مُحاولات هذا الاغتيال ووردت أسمائهم في القائمة التي خلص إليها المُحقّقون. قارن هذه المواقف بمواقف العسكر في حالات إعدام لم تكن تستدعي أكثر من الإنذار أو التنبيه بدءا من حالة خميس والبقري اللذين تظاهرا فحسب.
أما قصة إبراهيم عبد الهادي باشا الذي حكمت عليه ثورة 1952 بالإعدام فتمثّل مأساة خُلقية يَنذر وجودها في التاريخ ، فقد كان السبب الحقيقي للتعسف مع هذا الرجل أنه وهو رئيس الوزراء ووزير للداخلية استدعى الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه والتقاه ليُنجّيه من ان يندرج اسمه في لوائح الاتهام التي كانت مُعدّة لاستئصال الاخوان المسلمين، وبالفعل نجا عبد الناصر بل ودخل إلى دورة المياه المُلحقة بمكتب رئيس الوزراء فتخلّص من الورق الدالّ على زملائه في الإخوان الذي كان بطبعه الذي عرف عنه بعد ذلك سيُبلّغ عنهم لينجو بنفسه كشاهد ملك، فإذا برئيس الوزراء الوطني يُنجّيه من دون أن يشبهه أو يلوّث ملفه، وينهي قضيته من دون أن يتهمه، وهو سلوك بلغ الغاية في النُبل لكنّه في لغة العسكريين سلوك يستحق الحكم بالإعدام وهو ما حدث بالفعل حين قرر المتهم الذي جُومِل أن يُعدم من جَاملُه لكيلا يكون هناك وجود لصاحب فضل عليه، وهو خُلق عَسكري معروف. 

تم النشر نقلا عن موقع مدونات الجزيرة

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا





التدوينة عبثية أحكام الإعدام في قضايا السياسة ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>
الرئيس البشير وثلاثون عاماً من مجاملة أمريكا بلا مقابل http://www.gwady.net/2019/04/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d9%8a%d8%b1-%d9%88%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%88%d9%86-%d8%b9%d8%a7%d9%85%d8%a7%d9%8b-%d9%85%d9%86-%d9%85%d8%ac%d8%a7%d9%85%d9%84%d8%a9/ Tue, 16 Apr 2019 08:27:29 +0000 http://www.gwady.net/?p=38962 كان الرئيس عمر البشير سياسياً مخضرما وكان من أبرز القادرين على المواءمة التي تتصاعد حتى تصل إلى درجة الارتحال بالمواقف، وكان حريصاً على توازن نفسي وسياسي من نوع مُعجز، وبفضل هاتين القُدرتين فإنه استطاع أن يُحقّق كثيراً من النجاح الذي مكّنه من البقاء في مقعد الصدارة ثلاثين عاماً لم تُتح لأيّ رئيس سوداني قبله بما […]

التدوينة الرئيس البشير وثلاثون عاماً من مجاملة أمريكا بلا مقابل ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>

كان الرئيس عمر البشير سياسياً مخضرما وكان من أبرز القادرين على المواءمة التي تتصاعد حتى تصل إلى درجة الارتحال بالمواقف، وكان حريصاً على توازن نفسي وسياسي من نوع مُعجز، وبفضل هاتين القُدرتين فإنه استطاع أن يُحقّق كثيراً من النجاح الذي مكّنه من البقاء في مقعد الصدارة ثلاثين عاماً لم تُتح لأيّ رئيس سوداني قبله بما في ذلك الرئيس القوي جعفر النميري الذي لم يدُم عهده إلا 16 عاماً واجه فيها من المصاعب ما يُعتبرُ هيّناً بالمُقارنة مع المصاعب التي واجهت الرئيس البشير الذي صادف ما يمكن وصفه بلا مبالغة بأنه نطاقات متوالية من التحدّيات الدولية والإقليمية المفروضة بقسوة غير معهودة مع الرؤساء الأفارقة.
ومع أن إحالته للمحكمة الجنائية الدولية تبدو في نظر المُتابعين وكأنها أصعب المواقف التي قابلته فإن الدارس للتاريخ يُدرك أنه واجه ما هو أكثر من هذا صعوبة في لحظات حاسمة لم تكن توفر له ما توفره له الإحالة إلى محكمة من فرص وذلك بما تتيحه فكرة الإحالة من الوقت والإعداد والمُساومات، ومن الحق أن نُشير إلى أن الرئيس البشير أفاد أمريكا بما لم يُفدها به نظراؤه، وأنه لا يفوقه إلا الرئيس جمال عبد الناصر الذي حقّق لأمريكا كثيراً من أهدافها (سواء في ذلك عن معرفة واعية وبتقاطع في المصالح أو بغير هذه المعرفة الواعية وبغير التقاطع في المصالح) وباستثناء الرئيس عبد الناصر فإن أحداً من الزعماء العرب والأفارقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم يُحقّق للولايات المتحدة الأمريكية ما حقّقه الرئيس البشير.
وعلى طريقة البسطاء في فهم الحقائق الاستراتيجية فإن الرئيس عبد الناصر أسعد أمريكا بقسمة مصر والسودان وبعد 45 عاما أسعدها الرئيس البشير بقسمة السودان نفسه، ولم يكن للقرارين هدف حقيقي إلا الحرب على الإسلام التي انتهت بتجزئة أكبر وأهم دولة إسلامية وجدت منذ إلغاء الخلافة الإسلامية، وذلك على الرغم من أن كلا منهما لم يكن ينتوي هذا، ولم يكن أحدهما يتصوّرُ أن يكون هو نفسه الشخص الذي سيستجيب لهذه الضغوط الأمريكية. ومع أن موقف الرئيس البشير النبيل والأصيل من الذين لجأوا إليه من الجماعات المضطهدة في البلاد العربية والإفريقية يُعد موقفاً مُشرّفاً وشجاعاً وفريداً، ومع أن هذا الموقف لا يزال يُذكر فيُشكر فإن مواقفه الأخرى التي ساند بها السياسات الأمريكية كانت أكثر إفادة للأمريكيين بأكثر مما كانت سياساته النبيلة مُفيدة للمُضطهدين، وحين يكتب تاريخ الصراع الأمريكي منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 وحتى الآن فإن اسم المشير عمر البشير يأتي بحق في أول قائمة المُتفضّلين بسخاء على الولايات المتحدة الأمريكية وأمنها القومي على نحو ما تتصوره إدارتها، بل إنه يتصدّرُ هذه القائمة بلا جدال. وأظن أن هذا لا يحتاج إلى كثير من الإثبات أو التحليل فحقائقه ذائعة بفضل الاهتمام الإعلامي المُكثّف، كما أن تطوراته معروفة وكفيلة بنسبة كل فعل مؤثر إلى صاحبه.
ومع أن فضل البشير في فصل جنوب السودان يسبق في خطورته وأهميته موقفه المساند للعمليات الأمريكية المواجهة للإسلام السياسي، فإن اجتماع الموقفين في رصيد زعيم واحد يمثل موقفا معجزا ونادرا فما بالنا بأن الرئيس البشير لم يكتف بهذين العطاءين وأن الأمريكيين لم يكتفوا بهذين الاستنزافين.
وإذ جاز لي أن الخص حجم المجاملة التي قدمها الرئيس البشير للأمريكيين فيكفيني أن أقول إنه كان قادراً على أن يحصل على نوبل للسلام قبل أن يوقع الاتفاق النهائي لفصل الجنوب وتحقيق هذه الأمنية الأمريكية الغالية، وهي أمنية يبلُغُ عمرها أكثر من مائة عام بالتمام والكمال، لكن الرئيس البشير لم يكن حتى نهاية عهده قد أجاد مهارات المساومات الدولية حين وافق من باب المجاملة غير المقومة بما تستحقه من المكافأة الأدبية والمادية معاً.
تأتي المجاملة الثالثة التي قدمها الرئيس البشير للولايات المتحدة الأمريكية متمثلة في سعيه الدؤوب وغير الواعي إلى فصل دارفور من خلال معارك كانت كفيلة بدفع أهل دارفور إلى الانفصال، ومن العجيب الذي يفهمه الساسة بسهولة (ولا يتصوره العقل المنطقي إلا بصعوبة) أن العقوبات الدولية فُرضت على البشير لأنه تهاون في الإجرام في حق دارفور، ولو أنه كان قد وصل بالإجرام إلى حدود ستالين لكن قد صُوّر بطلاً، ومُنح التقدير الدولي المتضاعف والدعم المعنوي والديون، لكنه التزم بحدود، ولهذا كان لا بد أن يُعاقب، وكان عقابه أن يُصوّر على أنه مجرم مع أنه كان مطلوباً منه أن يكون مُجرماً إلى أقصى حد. ومرة أخرى فإني واثق أن الذين يقرأون هذا الملف جيداً سيُدركون هذه الحقيقة أما الذين يستسهلون تصديق الصور المُعلّبة فإنهم سوف يتعجبون فحسب.
المجاملة الرابعة التي قدمها الرئيس البشير لأمريكا كانت سعيه المُكثف من أجل الاعتراف الإفريقي بالانقلاب العسكري في مصر، على الرغم من قرار الإتحاد الإفريقي المُبكر والواضح باستنكار الانقلاب وعدم الاعتراف به، وكان الأوروبيون هم أول من صرحوا بأن الأمريكيين يُلحّون عليهم في أن يُلحوا على الأفارقة من أجل إلغاء قرارهم بعدم الاعتراف بالانقلاب بما يعني الاعتراف به، وكان الأوروبيون أيضاً هم من صرّحوا للمصريين بأن كل جهودهم لقيت الفتور والرفض من الإتحاد الإفريقي إلى أن تدخّل البشير بكل ثقله باعتباره الجار اللصيق لمصر بل باعتباره هو نفسه كان مصرياً حين الولادة فلم يكن السودان قد انفصل بعد (على نحو ما حدث في أول يناير 1956 بعد مولده).
ومع أن الرئيس البشير كان قد تلقى وعداً صريحاً بأن المقابل لهذا الجهد هو أن يُرفع اسمه من قائمة العقوبات الدولية فإن ما حدث لم يكن هو تنفيذ الوعد وإنما كان البدء بتخفيف بعض إجراءات المقاطعة، وهكذا وجد نفسه أمام وعد لم يتحقّق بعد أن كان هو قد وفّى بما كان مطلوباً منه، ولو أنه كان اشترط أن ينال المقابل قبل ان يبذل الجهد لكانت العقوبات قد رُفعت في أقل من 24 ساعة، لكنه فقد ما يستحق ممّا كان قد وُعد به، وبدلا من أن يكون حاصلا على نوبل في السلام فإنه بقي مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية.. وكان الفارق السببي بين الحالتين هو نفسه الفارق بين القدرة على التفاوض والمساومة وبين غياب هذه القدرة.
كانت المجاملة قبل الأخيرة التي قدّمها الرئيس البشير هي زيارته للرئيس بشار، وكانت مُجاملة قاتلة، حيث تطوع ببطولة الاستطلاع المُبكرة لكنه كان سيء الحظ بصورة لم يتصورها في أفظع كوابيسه، فقد وجد نفسه أمام إعصار من الرفض الذي لم يكن مُتوقعاً على هذا النحو، وإذا به يتحمّلُ وحده نتيجة هذه الزيارة التي قام بها بالنيابة عن أقرانه الذين ترجّوْهُ في القيام بها، وبالنيابة عمّن يدعمُ بشار في المقام الأول وهو الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم بقاءه واستقراره من أجل بقاء وازدهار إسرائيل.
أما المجاملة الأخيرة التي قدّمها فكانت معالجته “الصامتة عن أمريكيً” للمظاهرات التي أنهت عهده، ومع أن الفرصة كانت مُتاحة أمامه ليتحصّل على حقوقه القديمة والجديدة مرة واحدة إذا واجه أمريكا بأدلته فإنه ظن أن السلوك المُهذب أقوم سبيلا، ومع أنه كان قادراً بخطابته وعصاه وإقناعه وجدله على أن يُسوّق وتاريخه على حساب سُمعة سياسات الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في لحظة تدنّي هذه السُمعة فإنه فيما يبدو لم يدرُس تاريخ الرئيس عبد الناصر العسكري والسياسي بالدرجة الكافية لسياسي مثله، ولو لأنه فعل لحفر لنفسه مكاناً في سجل المقاومين أو المُمانعين. ولو أنه تأمل فيما حصُل عليه من هم في مقام تلاميذه من دعم وقروض وتمجيد وحماية وتلميع لعرف انه جامل كثيراً بلا مقابل.

تم النشر نقلا عن موقع مدونات الجزيرة

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا





التدوينة الرئيس البشير وثلاثون عاماً من مجاملة أمريكا بلا مقابل ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>
آدي الربيع عاد من تاني مع رئاسة مصر للاتحاد الافريقى! http://www.gwady.net/2019/04/%d8%a2%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%b9-%d8%b9%d8%a7%d8%af-%d9%85%d9%86-%d8%aa%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%85%d8%b9-%d8%b1%d8%a6%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%aa/ Mon, 15 Apr 2019 04:32:44 +0000 http://www.gwady.net/?p=38950 اجتهد مولانا العوا ليضيّع الرئيس #مرسي و ليضيّع معه الإسلام والسلام والإخوان والخلان والعنان وعاد بعد سنوات من الخذلان والمميش ليقول إنه سيقرأ إحياء علوم الدين

التدوينة آدي الربيع عاد من تاني مع رئاسة مصر للاتحاد الافريقى! ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>

اجتهد مولانا العوا ليضيّع الرئيس #مرسي و ليضيّع معه الإسلام والسلام والإخوان والخلان والعنان وعاد بعد سنوات من الخذلان والمميش ليقول إنه سيقرأ إحياء علوم الدين

التدوينة آدي الربيع عاد من تاني مع رئاسة مصر للاتحاد الافريقى! ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>
هل تبقى جماعة ابن سلمان لو أبادت الإخوان المسلمين نهائيا؟ http://www.gwady.net/2019/04/%d9%87%d9%84-%d8%aa%d8%a8%d9%82%d9%89-%d8%ac%d9%85%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d8%a8%d9%86-%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86-%d9%84%d9%88-%d8%a3%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%88%d8%a7/ Sun, 14 Apr 2019 08:00:50 +0000 http://www.gwady.net/?p=38944 أصبح في حُكم الحقيقة المُطلقة التي لا تحتملُ التأويل ولا النفي الجزئي أن جماعة ابن سلمان حريصة كلّ الحرص هي ومن تحالف معها على إبادة جماعات الإخوان المسلمين وشبيهاتها في كلّ مكان، وأصبح من المعروف والمصرح به أنّ عقيدة هذا الحلف القوي تجاه جماعات الإسلامي تتمثّلُ في أزمة وجود، فقد بات من المُؤكّد لعقولهم على […]

التدوينة هل تبقى جماعة ابن سلمان لو أبادت الإخوان المسلمين نهائيا؟ ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>

ذلك أن الإخوان وأمثالهم فكرة لا تموت بموت جيل، أما هؤلاء الذين يظنون أنفسهم قادرين على الإبادة فإنهم هم انفُسهم القابلون للإبادة إذا ما تمادوا في إبادة أهل دينهم.


أصبح في حُكم الحقيقة المُطلقة التي لا تحتملُ التأويل ولا النفي الجزئي أن جماعة ابن سلمان حريصة كلّ الحرص هي ومن تحالف معها على إبادة جماعات الإخوان المسلمين وشبيهاتها في كلّ مكان، وأصبح من المعروف والمصرح به أنّ عقيدة هذا الحلف القوي تجاه جماعات الإسلامي تتمثّلُ في أزمة وجود، فقد بات من المُؤكّد لعقولهم على يد صناع استراتيجيتهم أن وجود جماعات كالإخوان هو ما يُهدّدُ وجودهم ويُضعف قدرتهم على الاستمرار في حالة الوجود التي يستمتعون بها. بها. هنا ينبغي على كل دارس للعلوم السياسية أن يمتد ببصره لنهاية الطريق ليتأمل نهاية مسلسل سياسات جماعة ابن سلمان الراهنة بعيدا عن التفصيلات المثيرة وغير المتوقعة في الأحداث المتلاحقة، وبعيداً عن الانزلاق في مُناقشة صواب مثل هذه الفكرة أو عدم صوابها أقصد فكرة تهديد الإخوان لوجود جماعة ابن سلمان، وبعيداً عن الحديث عن صُعوبة قبول نجاح معطيات الفكرة المغلوطة على أرض الواقع في ظل انتعاش ترسانات الأسلحة والعلاقات الدولية التي يملكها الحلف السعودي الإماراتي ويستطيع تنمينها من خلال الملاءة المالية المعبرة عن حالة الثراء المفرط والنفوذ المرتبط بتوظيف الاستثمارات والمشتريات وهو ما يُساعد هذا الحلف الوليد على توريط أطراف دولية مُؤثرة من مُنتجي السلاح والراغبين في بيعه.
بعيداً عن هذا كلّه وبعيداً عن التورّط الدولي أو التواطؤ الدولي الذي أصبح يُعلنُ عن نفسه بمواربة مقصودة أو بلا مواربة حين يفتقد الحاجة الديبلوماسية إلى المُواربة.. وبعيداً عن الخُطوات الأخيرة المُتصاعدة التي تورّطت فيها جماعة ابن سلمان وحلفاؤها على أرض اليمن وفي ليبيا وعلى ما هي قادمة عليه أو مُتعجلة له في الجزائر، وما هي تواقة أو مشوقة إلى تحقيق درجات ما من التواطؤ الصريح فيه ضد المسلمين العُزّل في مالي وماينمار ونيجيريا والصومال وإفريقيا الوسطى وتركستان ثم كشمير فضلا عن الآمال المُتجدّدة التي تراود هذا الحلف من أجل أي نجاح ذي قيمة في تحقيق قلقلة كبيرة أو قلاقل متعددة في تركيا وماليزيا وباكستان. إذا أردنا التفكير في النهايات فإننا نسأل أنفسنا: هل يُمكن بعد هذه الصور المتعددة من التدحرج المتتابع في الشام والتزحلق المنفلت في ليبيا والانغماس المستغرق في اليمن أن نتأمل العالم الإسلامي وقد أصبح علمانيا تماماً، وقد أصبحت دبي على سبيل المثال عاصمته المُمثلة للقيم العالية المُبتغاة والمُرتجاة حيث تتعدى “صناعة الحب” نطاق الإباحة إلى التصنيع والتجارة، وحيث ينشط غسيل الأموال على قدم وساق، وحيث اللغة السائدة هي الإنجليزية وليست العربية أو غيرها من اللغات القومية، وحيث القيم السائدة هي القيم الغربية الطرفية بكل ما فيها من تجاوزات لم يُوافق عليها كثير من الغربيين أنفسهم من قبيل إباحة الإجهاض، وتقنين المثلية، وزراعة التبني، وتفكّك الأسرة، وإخفاء التديّن، ونفي الدين، وتحبيذ الإلحاد، وإعدام العلماء، وهدم المساجد، وإباحة الزنا، وتطبيع الفجور، وعشق الخمور، وتشجيع القمار.. الخ ونحن نمضي مع هذا الخط لنهايته على نحو ما نتعامل في فرضياتنا العلمية حين نُجرّب عقارا جديداً في التجارب المعملية ثم الاكلينيكية ونرى آثاره الممتدة على المدى البعيد.
دعونا إذاً نتصور العالم في 2030 على سبيل المثال وقد تحقّق لجماعة ابن سلمان كل ما يحلمون به من تجفيف الإسلام تماماً وتوهّج العلمانية بمفهومها الكلي النظري الذي لم يتحقّق تماما حتى الآن في أوربا، وقد حولوا الإخوان المسلمون وأشباههم من جماعات الإسلام السياسي إلى طراز من الأحياء المُنقرضة مثل الديناصورات التي نقرأُ عنها في المراجع البيولوجية ونُشاهد آثارها في المتاحف البيولوجية دون أن نزعم أننا رأيناها أو أننا مُتأكدين من انها عاشت على نحو ما نتصور.
دعونا نتصور أن ابن سلمان وحليفه المهم في أبو ظبي وحلفاءه الموسميين في واشنطن (فليس في واشنطن دوام) وحلفاءه المُتمترسين في تل أبيب (فليس أمام تل أبيب إلا التمترُس مهما زعمت أنها نجحت في التطبيع ) دعونا نتصور هؤلاء جميعاً شربوا نخب الانتصار الحاسم والبات على الإسلام السياسي وعلى الإخوان وعلى كلّ فكر يتصّل بالأفغاني ومحمد عبده ومحمد إقبال وحسن البنا وبن باديس والإبراهيمي والمودودي وسيد قطب وسعيد النورسي وأربكان والغنوشي والترابي وما إلى هؤلاء جميعاً الذين تتحوّلُ أسماؤهم الآن إلى أيقونات مستحقة لضروب من التعذيب والتحقير والنفي والإعدام.
ماذا يبقى لابن سلمان إذا ما قضى على هذا كلّه؟ هل يبقى له مُلك يتمدّدُ فيشملُ ما يخطط له من ضم إمارات الخليج العربي جميعاً مع اليمن والأردن في مملكة كبيرة أكثر اتساعا من مملكة جده، وهل تبقى له ثروة ضخمة تتضاءل أمامها ثروات العالم لأنها ثروة موارد غير محدودة وغير ناضبة؟ بل أصبحت بفضل الحروب أعلى ثمناً وأكثر دخلاً؟
للأسف الشديد فإن الإجابة التاريخية تختلف عن الإجابة المنطقية، ذلك أن الإجابة التاريخية تطرحُ علينا مُباشرة تفصيلات نموذج حالة الأمير عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس الذي حارب كلّ المُسلمين، وحالف غلاة المسيحيين لينصروه على كلّ المُسلمين فلمّا انتهى من حرب آخر مملكة إسلامية وانتصر عليها بمعونة المسيحيين قال له هؤلاء المُتعصّبون صراحة إنّ دوره هو الآخر قد جاء، وإنه لم يعد لوجوده مُبرّر وإن عليه أن يًسلّم المدينة التي بقيت له، وأن يُسلّم الثروات الباقية معه، وأن عليه أن يخرُج ذليلا مدحوراً في موكب إذلال يحتفلون فيه بانتصارهم عليه كآخر حاكم مسلم، ويكررون الاحتفال حتى الآن.
لم يكُن عبد الله الصغير قد حسب حساب ذلك اليوم بل كان يظُنّ أن خلاصه من الحُكام المسلمين المُجاورين له سيجعله الحاكم المسلم الوحيد (في الأندلس) فإذا به يُصبح الحاكم المسلم الأخير في الأندلس ولم يكن يُدرك أنه يجني ما حفرته يداه. كانت قيمة عبد الله الصغير منبعثة من وجوده مع مسلمين أقوياء قد يُصالحهم وقد يُهادنهم وقد ينازعهم لكنهم يظلّون له ذخراً وسنداً ومصدر حياة فأراد بقصر نظره أن يقضي عليهم لا أن يُضعفهم فحسب، ووجد استعداداً من عدوّه التقليدي ليُعينه عليهم فتواطأ وهو سعيد بالغدر وبقتل المسلمين وهو لا يدري أنه يقضي على نفسه.
نعرف أن الفهم المنطقي عند أي موظف بيروقراطي بسيط في أدنى درجات السلم الوظيفي في أيّة مصلحة في أيّ بلد في العالم هو أنه إذا كانت وظيفته هي مقاومة الرياح والعواصف فإنه سوف يفقدُ وظيفته إذا انتهت الرياح والعواصف.. وهكذا يُمكن لنا أن نهمس في أذن ابن سلمان بأن الغرب يُريده مُهدّداً للإخوان المسلمين (وجماعات الإسلام السياسي) ومُضعفا لهم وشاغلا لهم ومُبدّداً لبعض طاقاتهم، وذلك من أجل تأمين وجود إسرائيل كقاعدة غربية مستمرة قرب منابع البترول فإذا تحمّس هو وابن زايد إلى حد إبادة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في كل مكان على نحو ما يفعلون في مصر وليبيا والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا وسوريا واليمن والعراق فإنهم يشنقون أنفسهم وهم يظنون أنهم يشنقون الإخوان.. ذلك أن الإخوان وأمثالهم فكرة لا تموت بموت جيل، أما هؤلاء الذين يظنون أنفسهم قادرين على الإبادة فإنهم هم انفُسهم القابلون للإبادة إذا ما تمادوا في إبادة أهل دينهم.

تم النشر نقلا عن موقع مدونات الجزيرة

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا


التدوينة هل تبقى جماعة ابن سلمان لو أبادت الإخوان المسلمين نهائيا؟ ظهرت أولاً على موقع الدكتور محمد الجوادي | أبو التاريخ.

]]>