الرئيسية / المكتبة الصحفية / ما يريد القراء أن يعرفوه عن “المشير الذبيح”!

ما يريد القراء أن يعرفوه عن “المشير الذبيح”!

حين شرعت في كتابة المجلد الذي أنجزته عن المشير عبد الحكيم عامر كنت أدرك أن القراء يتطلعون إلى صورة صادقة لحياة عبد الحكيم عامر على نحو ما كانت لا على نحو ما رسمت، وأنهم يريدون صورة واضحة يكتبها كاتب قادر على الرؤية وصارفًا النظر عن الانحياز وعن التوازن أيضًا في الوقت ذاته، فالحياة الإنسانية في مثل حالة عبد الحكيم عامر لا تعرف التوازن، هذا الهدف يلزم مؤلف  سيرة عبد الحكيم بأربعة خطوط عريضة تجعله  منفقًا الجهد في التقصي من دون إقصاء، مستعرضًا الرؤى والروايات من أجل الحقيقة لا من أجل التعدد، مقارنًا وجهات النظر من أجل استيفاء التفصيلات لا من أجل إثبات التناقض، متكئًا على معرفة واسعة من أجل الفهم لا من أجل التعالي.

أذكر بكل سعادة أني بدأت كتابة الكتاب الذي يتطلع القراء إليه عن المشير منذ نهاية القرن الماضي، وبالتحديد في العام الأخير من ذلك القرن، وكنت أعرف أنه سوف يعذبني لكني لم أعرف أن معاناتي معه ستصل إلى ما وصلت إليه، ولو قدر لي أن اختار بين كتابته وبين الانصراف عنه، فلا أظنني كنت أستطيع الهرب من هذا الواجب الثقيل، الذي كان لا بد لي من أن أنجزه على نحو ما أنجزته، ولست فيه راضيًا كل الرضا، لكنني راض بأقصى درجات الرضا الممكنة لمثلي في ظروفي الراهنة، مريضًا شريدًا مطاردًا ومغتربًا.

نقرأ تاريخ عبد الحكيم عامر، ونحن نجمع بين روحين: روح التجرد للحقيقة، وروح الخشوع أمام فداحة جو الملحمة الإنسانية التي تمثلت في حياته، على نحو ما تتمثل في المعارك الكبرى، ولو قدر للمشاعر الباطنة أن تصور بعض الحقيقة لكانت في حاجة إلى أجواء أخرى من دمدمة لا تنقطع، وهمهمة لا تنقشع، بينما أصوات القادة لجنودهم تكاد تتلاشى وسط هذا الهدير الصاخب من طلقات المدافع، وحركات القوات، وأزيز الطائرات، ورياح الحروب التي لا تبقي ولا تذر.

لا يمكن لأحد أن يلقي بمسؤولية هزيمة 1967 على عاتق عبد الحكيم عامر وحده، على نحو ما فعل النظام الناصري.. فقد كان عبد الناصر هو المسئول الأول، وهو المندفع الأول إلى إعلان الحرب، ومهما قيل عن أنه لم يفعل هذا إلا بموافقة عبد الحكيم عامر، فهو قول يدين عبد الناصر إدانة أكبر، وإن كان مثل هذا القول كفيلًا بأن يغلق فتحة صغيرة في باب المناقشة الهادفة إلى إحقاق الحق وتحميله هذه المسئولية.

وقد اكتشف الناصريون أن الخطاب السياسي بعد هزيمة 1967 لا يمكن أن يتجاوز المسئولية عن هذه الهزيمة، فانتبهوا بأكثر من الكفاية إلى تحميل عبد الحكيم هذه المسئولية، وإلى تشويه صورته بما يكفل أن تكون الهزيمة مرادفة لسلوكه وانشغاله وإهماله.. إلخ. ولا تزال صورة عبد الحكيم عامر مشوهة بهذا الإلحاح الناصري على التشويه. وتستطيع أن تكتشف الميل الناصري في أي كتاب أو نص تاريخي من خلال الموقف الذي يأخذه تجاه عبد الحكيم عامر، ذلك أن هدم عبد الحكيم عامر وهدم شخصيته أصبح هو المبرر الوحيد لبقاء الناصرية. وبدون هذا المبرر تعترف الناصرية بانهيارها.

في ظاهر الأمر فإن حرب أكتوبر 1973 أزالت مسئولية القوات المسلحة عن هزيمة 1967.. وحفلت كلمة الرئيس السادات في مجلس الشعب في 16 أكتوبر 1973 بالمعاني والعبارات الواضحة في تبرئتها للقوات المسلحة من مسئوليتها عن الهزيمة. وهنا وجه من وجوه المفارقة فقد كتب تلك الكلمة مَنْ كانوا قد كتبوا خطب عبد الناصر، التي تناولت بطريقة غامضة مسئولية عبد الحكيم عامر عن الهزيمة، لكن الخطاب الناصري في تحميل عبد الحكيم عامر مسئولية الهزيمة ظل مستمرًا، حتى وإن جرَّ معه بالطبع مسئولية قادة القوات المسلحة.

ثم جاءت الثمانينيات وظهرت الدعاوى الباطلة التي تنسب نصر أكتوبر 1973 إلى عبد الناصر، لكنها من باب التعسف لم تتحدث عن تبرئة عبد الحكيم عامر من بعض المسئولية عن الهزيمة، وإنما ركزت على اتهامه وتكرار الاتهام في حديث متعدد لمحاولات عبد الناصر إزالة الهزيمة مما أدى لنصر أكتوبر 1973 أوتوماتيًا أو بمصادفة من قبيل النظرية القائلة بحدوث الانفجار الكبير الذي أوجد الكون الذي نعيش فيه مصادفة، وهي نظرية كان غلاة الشيوعيين ولا يزالون معجبين بها ومرددين لها.

وفي كل الأحوال فإن تحديد المخطئ والمسئول عن هزيمة 1967 فيما بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر قد أصبح في حد ذاته إشكالية من إشكاليات التاريخ المعاصر، رغم وضوح الحق الظاهر في القضية، وهو أن عبد الناصر تحمل وجود عبد الحكيم عامر ليجعله شماعة لأخطائه، وأن عبد الحكيم عامر تحمل تسلط عبد الناصر لكي يجعله حاميًا للمزايا.. وأنه لهذين السببين وبفضلهما وقعت أكبر هزيمة عرفتها مصر في تاريخها.




إذا لم يحدد المرء موقفه من هذه القضية الكبرى (على الأقل بينه وبين نفسه) فسيظل سقيم الوجدان ومضطرب الخاطر؛ حيث يجد نفسه مضطرًا إلى أن يتلقى حياة عبد الحكيم عامر على نحو ما صورها مَنْ رأوا أن براءتهم ووجودهم لا تكونان إلا بإدانة عبد الحكيم، وشيطنته، وأن تمتد هذه الإدانة وتلك الشيطنة إلي كل شيء في عبد الحكيم عامر. لكن الإنسان السوي البسيط يستطيع أن يتأمل حياة عبد الحكيم حتى مايو 1967، ثم يفترض (من باب الجدل) أنه فارق الحياة قبل إغلاق المضايق، وساعتئذ سيجد أن عبد الحكيم حتى ذلك الوقت كان يفوق الملوك جميعًا في المجد الذي عاشه والنفوذ الذي استحوذ عليه، وسيجد صورته لا تقل عن أنه عاش حياته منشئًا ومجددًا، ومعترفًا له بكل ذلك.

لكن الإنسان الأكثر احتكاكًا بالواقع سيجد أن كل هذا المجد الذي عاشه عبد الحكيم عامر حتى عام 1966 كان قشرة ظاهرة تستر معاناة من نوع آخر تكرست في 1956، ثم في دمشق 1961، ثم في اليمن منذ 1962. نحن إذًا في مواجهة ازدواجية بالغة التناقض، ربما تفوق في صعوبة تفسيرها ما تمثله هزيمة 1967، التي كانت في ظاهرها وباطنها شيئًا واحدًا، ولم تكن مزدوجة الباطن والظاهر كأخواتها الثلاث اللائي سبقنها إلى الوجود:

– العدوان الثلاثي والنصر المفتعل في 1956، الذي تطور إلى تصويره بالتزييف نصرًا سياسيًا وهزيمة عسكرية.

– والانفصال السريع في سبتمبر 1961 بانقلاب من مكتب المشير نفسه، وقد صور الأمر على أنه مؤامرة لم تنجح، بينما كانت تلك المؤامرة ولا تزال سببًا لكل المصائب حتى يومنا هذا.

– والهزيمة الممتدة في اليمن 1962، وحتى ما بعد وفاة المشير نفسه، لكنها لا تزال تصور على أنها حرب تحرير أو دعم ثوري.

وواقع الأمر أن الحركة المسرحية في حياة عبد الحكيم عامر قد طالت وتشعبت في مسارات كثيرة متعارضة، حتى كان لا بد أن تنتهي بوفاته أو قتله أو نحره على يد الزعيم الذي قضى عامر حياته مخلصًا له ولطموحه.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :