الرئيسية / المكتبة الصحفية / هل كانت “عيلة الدوغري” بداية المسرح الحديث؟

هل كانت “عيلة الدوغري” بداية المسرح الحديث؟

 

 

في المدونة السابقة تحدثنا بلمحة سريعة عن بداية ومكانة نعمان عاشور في المسرح المصري. ومع أن نعمان عاشور كتب أولي مسرحياته “المغماطيس” عام 1950 فإنها لم تمثل إلا سنة 1955 بفرقة المسرح الحر وقد أخرجها إبراهيم سكر، وقد توالت مسرحياته بعد هذا، ولا تزال مسرحية “الناس اللي تحت” التي أخرجها كمال يس للمسرح الحر (1956) بمثابة أشهر مسرحياته، فقد لفتت إليه الأنظار وصنفت على أنها “النموذج الكلاسيكي” للواقعية الجديدة في المسرح المصري.

ويري كثيرون منهم الأستاذ خيري شلبي أن نعمان عاشور هو مؤسس المسرح الحديث بغير منازع، وأنه صاحب أول نص مسرحي مصري خالص المصرية يقوم على استيعاب خاص لقوانين الدراما المسرحية، وهو يقول في هذا المعنى: “كانت نفسيته تحتوي على تلك الجذور الإنسانية المتقدة التي تقربه من الناس باستمرار، وتقيم الجسور المتينة بينهم وبينه: شخصيته جماهيرية، شعبية، فيها سحر يجذب إليه جميع الناس فيصبحوا أصدقاءه”.

والشاهد أن خيري شلبي وهو ذواقة عظيم كان يري أن البداية الحقيقية لنعمان عاشور هي مسرحية “الناس اللي تحت”، وهو يري أن هذه المسرحية لم تكن بدايته الفنية فحسب، بل كانت بداية الحركة المسرحية العربية الحديثة: “فبعد الميلودراميات الصارخة، والفودفيلات الزاعقة، وبعد قيام ما يسمي بالمسرحية الذهنية عند توفيق الحكيم، سطعت علينا تجربة “الناس اللي تحت” لترينا المسرح علي حقيقته حسب قواعده الأصولية التي تبلورت في الغرب، علي أساس أن المسرح شخصيات بالدرجة الأولي، ومن علاقة الشخصيات المحددة وبالزمان المحددين تنبع الدراما.

نحن في “الناس اللي تحت” أمام شخصيات مصرية خالصة، مرسومة بدقة مذهلة، مبنية بناء دراميا محكما يستوعب كل تناقضات البيئة وعناصرها الإيجابية والسلبية على السواء، فهي إذاً شخصيات إنسانية ذات مضمون اجتماعي فني استطاعت أن تعكس حقيقة الواقع المصري الراهن وتدخل معه في علاقة جدلية بناءة. تلك المسرحية الرائدة واكبت خطوات الثورة وكانت جزءا منها ينتفض فيها ويثور من داخلها يفتح أعينها على أسرار الحياة المصرية وخبايا النفس تحت ظل المعاناة المضنية.

لم يكن غريبا إذاً ولا مدهشا أن تحظي تلك المسرحية بنجاح جماهيري منقطع النظير في حينها، (حتى) لتصبح إيذانا بميلاد كاتب عملاق، ومسرح مصري جديد يجمع بين الفرجة والفكر في نسيج درامي متوازن.. الجماهير المصرية العريضة اكتشفت نفسها لأول مرة علي خشبة المسرح، اكتشفت همومها وقضاياها الحقيقية تعكسها شخصيات المسرحية والدراما بكل صدق وشفافية. رأي الناس على المسرح (أناساً) مثلهم يتعرفون عليهم جيدا، ويحبونهم ويعايشونهم”.

وفي العام نفسه الذي قدمت مسرحيته “الناس اللي تحت” (1956) مثلت له “عفاريت الجبانة” وقدمتها الفرقة المصرية الحديثة من إخراج نبيل الألفي. وبعد عامين عرضت مسرحيته “الناس اللي فوق” وقد قدمت على المسرح القومي (1958) من إخراج سعيد أبو بكر، وقد صور من خلالها اغتراب أبناء الطبقات العليا وعجزهم عن التواصل والتكيف مع أبناء الشعب في ظل التطورات الاجتماعية التي أوجدتها الثورة.

وبعد عام واحد قدم له المسرح القومي مسرحية “سيما أونطة” (1959) من إخراج سعيد أبو بكر، وفيها حاول نعمان عاشور أن يتصور مواطن الخلل والفساد في صناعة السينما، كما قدم ذلك المسرح له مسرحية “صنف الحريم” (1960) عن الآثار المترتبة على الطلاق وتعدد الزوجات من إخراج فتوح نشاطي، وقد تعرضت هاتان المسرحيتان لانتقاد شديد لضعف البناء والمعالجة الدرامية. ثم جاءت قفزة هائلة مع مسرحية “عيلة الدوغري” التي عرضت على المسرح القومي (1963) وهي تصور التفكك الذي حل بعائلة من الطبقة المتوسطة، وترجع السبب في هذا التفكك إلى الأنانية والجشع والتطلعات الطبقية التي لحقت بأفرادها.

وقد ذهب الدكتور علي الراعي في كتابه “المسرح في الوطن العربي” أن “مسرحية “عيلة الدوغري” هي أحسن إنتاج نعمان عاشور في ميدان كوميديا النقد الاجتماعي، وهي اللون الذي عرف به”. ووصل الراعي في تقدير هذه المسرحية إلى حد أن يقول: “عيلة الدوغري”… هي تمام ما وصل إليه الكاتب العربي في الإفادة من الصيغة الغربية للمسرح، وتحميلها مضامين وشخصيات محلية”.

ويري الراعي أيضاً أن مسرحية عيلة الدوغري “تقف على رأس ما وصل إليه المسرح العربي الذي اتخذ الصيغة اليونانية وسيلة فنية للتعبير، فهي حكاية أسرة من الطبقة الوسطي المصرية يتتبع الكاتب مقدراتها شخصياتها واحدة واحدة، ويرسم بريشة قادرة كلا من هذه الشخصيات.. وهي جميعا شخصيات مصرية مائة في المائة”. ويحرص الدكتور الراعي علي إظهار اختلافه مع الناقد الكبير الدكتور محمد مندور في فكرة أن مسرحيات نعمان عاشور الأولي كانت تشبه صيغة “الاوتشرك” الروسية، وهو يفيض في هذا المعني مستندا إلى تحليل مفصل للمسرحية ويقول:




“فهذه المسرحية ترد ردا قاطعا على ما كان وجه إلي نعمان عاشور من قبل من أن بعض مسرحياته، “الناس اللي تحت” بصفة خاصة، تستحضر أجواء وشخصيات من مسرحيات تشيخوف، بل ذهب الناقد المرموق الدكتور محمد مندور إلي الاعتقاد بأن الصيغة المسرحية التي يكتب فيها نعمان تشبه صيغة “الاوتشرك” الروسية، أي المسرحية التي تأخذ شكل الريبورتاج وسيلة فنية لها”.

 

 

ويستطرد الدكتور الراعي في أثناء حديثه عن هذه الجزئية إلى الحديث عما أشرنا إليه من اتباع نعمان عاشور لنمط بناء شخصيات مختلف عن النمط الكلاسيكي، مقراً أيضا بظهور هذه السمة في مسرح عاشور: “غير أن هذا (أي رأي الدكتور مندور السابق الإشارة إليه) إن كان يقصد به أن مسرحيات نعمان عاشور لا تتبع النمط المحكم في البناء، فهو رأي في محله، أما إن كان يقصد به أن الكاتب يستوحي أنماطا وشخصيات أجنبية حين يكتب مسرحياته، فهو قول مردود”.

ويقدم علي الراعي دفوعه التي يؤيد بها هذا الرأي بكل قوة فيقول: “إن شخصيات نعمان عاشور وموضوعات مسرحياته خالصة المصرية، غير أنه يصب هذه الشخصيات والموضوعات في القالب الغربي الذي استورده رواد المسرح الأوائل منذ منتصف القرن الماضي، وعلي هذا تقوم دائما إمكانية الاستمداد من ذلك المسرح في بعض الشخصيات، مثل شخصية رجائي في “الناس اللي تحت” التي تشبه إحدى شخصيات “الأعماق السفلي” لمكسيم جوركي، والطواف في “عيلة الدوغري” الذي يمكن القول بأنه يستحضر شخصية مشابهة في مسرحية تشيخوف “بستان الكرز” وهي شخصية فيرس الخادم العجوز الذي يتركه أهل البيت ويغلقون عليه الأبواب بعد أن نسوا أمره تماما، في غمرة انشغال كل منهم بنفسه فيكون في هذا النسيان تعليق غير مباشر علي  أسرة بستان الكرز كلها”.

“لكن هذا كله إنما هو التشابه الذي يخلقه تشابه المواقف الإنسانية في كل مكان دون اعتبار الزمان أو المكان، وقد يكون مضافا إليه انطباع مشروع بأعمال عباقرة المسرح الغربي، وأي بأس في هذا؟ ومن ذا الذي يزعم أنه يكتب وهو خال من أي انطباع بأعمال الغير؟ وماذا كان يفعل شكسبير إذاً؟ وكيف نقيّم أعماله إن أنكرنا أنه كان يفيد من فن مَنْ سبقوه؟ “والمسرحية تقدم لنا عائلة الدوغري في صراعاتها، وتطلعاتها، وتفسخاتها، وانهيارها المحتوم، الذي يعلق عليه الخادم العجوز “على الطواف” تعليقا لاذعا في نهاية المسرحية”.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا  

 

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :