الرئيسية / المكتبة الصحفية / ذكريات من رحلات تونسية!

ذكريات من رحلات تونسية!

ذكريات من رحلات تونسية!

كتبت ذكريات عديدة عن رحلات تونسية قليلة أنقل منها بعض الانطباعات المتنوعة، وأبدأ بأن أقول إنني أكاد أسمع تراث الفقه المالكي كله وهو يكاد ينادي تونس أن تعود إلى العناية به والحدب عليه، عناية وحدبًا كفيلين بأن تجعلا الزيتونة معهد الفكر المالكي الأول أو الأوفى أو الأوسع، وتجعل المكتبة التونسية أو المكتبة الزيتونية منارته الأولى في العالم، المنارة التي تجتمع فيها مخطوطاته وإسهاماته وآثاره، بل ويجتمع فيها علماؤه إلى درجة أن تكون هناك أيضا كراسي للفقهاء المالكيين الأزهريين يتعاقبون عليها عامًا بعد عامًا، وتكون إضافاتهم فيه منسوبة إلى المرحلة الزيتونية من حياتهم.

أتوقع لمثل هذا المعهد أن يكون أفضل من غيره حظًا بحكم المناخ والعراقة، وبحكم الانفتاح والإضافة المعبرة عن الصحوة. أرى دورًا أعرض وأوسع في الأفق الإنساني الرحب الممتد في الماضي والحاضر والمستقبل لجامعة القيروان، وأرى القيروان ومدينتها ومحيطها وجوها بمثابة بيئة علمية مواتية لا تقل مكانة ولا وعدًا ولا تبشيرًا عن مكانة بوسطن في بدايات الساحل الشرقي في الولايات المتحدة، على الرغم من الفارق في الزمان والمجال.
وأرى في كل هذه الآفاق ميادين استثمار علمي وأكاديمي حقيقي تتناسب مع سلطة الشعب أو السلطة الجديدة في تونس.. السلطة التي أوجدها الشعب العظيم بنفسه بعيدًا عن تدخلات الغرب ومواءمات الغرب، وتقسيمات الغرب، وإن لم تخل من لمحات من هذا كله، ومن فساد وإفساد الضمير العربي، ومن بقايا مراحل الشمولية التي تستحث الناس على الاقتناع بها بدرجة أو بأخرى، وبعيدًا عن النفوذ الأمريكي والشر الأمريكي الحالي. زرت تونس في أعوام 1991 و1999 و2001 ووجدتني في كل مرة ازداد شعورًا بالاختناق الخفيف الذي يرتبط بحضور الأمن المعقول، وهو حضور كفيل بانكماش العلم والإبداع، وإن لم يكن قادرًا على خنق رتابة العمل العلمي والإبداعي، لكنه بالطبع لن يسمح بالجديد الذي يبدو مهددًا للاستقرار، حتى وإن لم يهدده.

كنت حريصًا على أن استقصي وأن أكوّن رؤيتي الخاصة المتأثرة بكل ما يفتعل في نفسي من الأمل وما يخالجها من الأماني، وكنت أدخل في مناقشات طويلة وعميقة، وكان صدري، على غير عادته، يتسع لسماع كثير من الحديث الجارح لكثير مما أعتقد، ومما أعتقد في صلاحيته، لكني مع هذا كله كنت أصل إلى نتائج لم أصل لمثلها عن تونس.
كنت أرى في ازدياد الحجاب بين التونسيات تعبيرًا عن رغبة صادقة من التونسيات في الحفاظ على الهوية في ظل حالة الضياع التي كان يفرضها المناخ الأمني الذي يطلب من الناس البعد عن السياسة، وعن كل ما يؤدي إلى السياسة.. وهو لا يطلب هذا صراحة، ولكنه يصنف الناس تبعًا للإيمانية والتدين، فيجعل هؤلاء وأولئك مصدر ريبة، كما يظهر للناس امتعاضه من كل صاحب رأى مخالف أو معارض، واجتهاده الخبيث المتمثل في إضعافه من كل حركة لها مطالب، أيًّا كانت هذه المطالب.

هكذا كانت السيدة التونسية بذكاء تلجأ للحجاب لتعلن عن انتماء أصيل لا يمكن العقاب عليه، لأنها تعرف أن حركتها السياسية ستكون مصدر عقاب، وهكذا فقد كان لا بد من حدود دنيا تعلن بكل وضوح للساسة والقابضين على زمام الأمور أن تونس إسلامية.. قبلوا هذا أم رفضوه، حاربوه أو هادنوه.. وفضلًا عن هذا فإن هذه المرأة التي حققت ذاتها تجد في الحجاب تحقيقًا جديدًا للذات.

في الضفة الأخرى من النهر رأيت التونسيين في مطلع الألفية الثالثة وهم يتحدثون حديث المضطر عن الازدهار السياحي وعن أنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بنجاح السيطرة الأمنية إلى حد كبير، وبالطبع فإنهم لم يكونوا يقولون إنها السيطرة الأمنية، وإنما كانوا يصفونها بأنها «الأمن»، مع أن الأمن كان مصنوعًا بوضوح ولم يكن نتاجًا طبيعيًا لتوازنات مجتمعية أصلية، فعرفت أو أدركت أنهم يعانون من الرقابة الظاهرة والخفية. رأيت التونسيين البارزين يتحدثون في مآدب العشاء (أو الإفطار الرمضاني) عن قضايا دقيقة كالأدب القديم والفن الأصيل، بدلًا من أن يتحدثوا في التاريخ والسياسة، فأدركت أن التفاعل الحي المتشابك مع الأحداث أصبح في ظل حكم الرئيس بن علي أمرًا غير مضمون العواقب.

رأيت الاعتزاز التونسي بالإسهام الوطني المبكر في تاريخ الديمقراطية الشرقية (أي غير الغربية) يتأخر إلى ما بعد الحديث عن فعالية التعاون واللجان المشتركة والميزان التجاري، فعرفت أن بعض مؤسسات تونس في ذلك العهد القاسي كانت تعيش مضطرة مرحلة الإنسان الذي يعيش ويأكل، وأنها من الممكن أن تنحدر انحدارًا سلسًا يرتبه ذلك الأمن القابض على الزمام، إلى مرحلة الإنسان الذي يعيش ليأكل.

لأسباب عديدة يتصل بعضها بالصداقات التي كونتها من خروجي المبكر إلى المجتمعات الخارجية منذ بداية الثمانينيات (بل أواخر السبعينيات) فقد أصبحت أتابع تونس عن كثب وبشغف، وهي تحاول أن تتصالح مع ماض قريب واثق، ومع حاضر واعد، وكانت تونس تنجح في كثير من اللحظات، لكنها كانت تتوقف بالنجاح عند الحد الذي لا يجلب لها ريادة ولا زعامة، ولم يكن العامل المفرمل لتونس من داخلها بقدر ما كان من خارجها. بدأت أعلم كثيرًا عن إفساد القذافي للنخبة الحاكمة في تونس، لكني لم أتصور أن إفساده وصل إلى الحدود التي عرفت (أنا وغيري) تفصيلاتها ومآسيها بعد ثورات الربيع.




كنت معجبًا إلى حدود قصوى بالإمكانات السياحية الذكية في تونس مدينة وجمهورية، عاصمة ووطنًا، فقد زرت سوسة والقيروان وزرت غير سوسة والقيروان، وتعاملت مع أكثر من عشرين موقعًا من مواقع السياحة النشطة واختلطت بها اختلاطًا واسعًا، حيث كان كتفي إلى كتف الأوربيين ومائدتي إلى موائد الأوربيين والأمريكيين، لكني وجدت معظم هذه السياحة سياحة برامج، فالأتوبيس (أو الأتوبيسات المترافقة معًا) إذا تحرك خلا المطعم كله إلا من مجموعتنا الصغيرة بسيارتنا. كنت ولا أزال مبهورًا بما كنت أجده من التهذيب التونسي الشهير أينما حللت أو تحركت، وكنت أسعد بهذا التهذيب واسترجعه من لحظة لأخرى، فأحس فيه بالصدق وحب الوطن وحب الإنسانية نفسها.. ولم يخالجني الشك لحظة من اللحظات في أنني أواجه تمثيلًا أو تكلفًا أو تدريبًا ينتهي أمره مع نهاية غرضه.
وإذا قلت لك إن نهر الرقة التونسية أمر طبيعي لا يحتمل إنكارًا ولا جدلًا، فلست أبالغ. وإذا قلت لك إن التونسيين يسعدون بالفعل بإسعادهم لضيوفهم، فإني لا أعدو الحقيقة ولا أجاملها، وإذا قلت لك إن الابتسامات التونسية ساحرة فإني أبالغ في وصف قيمة السحر وجمال السحر، فإن الابتسامة التونسية الصادقة أرقى كثيرًا من السحر ومن أثر السحر. التونسيون قوم مستأنسِون، مستأنسَون، محبون، وباعثون على الحب، مرحبون، ومجيدون للترحاب، احتوائيون وقادرون على الاحتواء، منبسطون، وممارسون للبسط بكل ما يعنيه البسط من خير وانشراح.

_________________

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا  



شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :