الرئيسية / المكتبة الصحفية / اللحظة التي يتخلى الغرب فيها عن عملائه

اللحظة التي يتخلى الغرب فيها عن عملائه

 

أبدأ بالقول إنها لحظة غير منطقية أي أنها لا تخضع للمنطق المترتب على حجم الجرائم أو نوعيتها أو مدى تحديها للقانون وللإنسانية، لكنها تخضع بالتأكيد لما نسميه في علوم الأدب والفن بالبناء الدرامي، والبناء الدرامي ليس علما ولا منتجا صناعيا أو علميا لكنه منتج بشري تغديه العاطفة والذائقة والذاكرة والخبرة كما تغديه لحظة إبداع لا يعرف أحد مأتاها ولا مؤاتاتها ولا مواتها (المأتى هو المنبع، والمؤاتاة هي المصادفة والتوافق، والموات هو الموت المعنوي).

من الطريف أنك إذا وجدت اهتماما بشريا بحدث ما فإنك تجد في الوقت ذاته من يطرح السؤال القائل: لماذا اهتممتم بهذه الحادثة ولم تهتموا بما هو أكثر فظاعة منها؟ لماذا تهتمون بفرد واحد ولم تهتموا بآلاف تعرضوا ولا يزالون يتعرضون لأقسى مما تعرض له هذا الفرد الواحد؟ ومع أن الجواب على هذا قد يبدو معروفا أو مفهوما أو متصورا فإن السؤال يظل يطرح نفسه في كل مناسبة.. لكن الجواب الأطرف في هذه الحالة أن تقول إن هناك آلافا من محسن وسي السيد ومن عطيل وماكبث وهاملت وفاوست وأحدب نوتردام وتيريزا راكان ودون كيشوت لكن هذه الشخصيات استوفت البناء الدرامي الذي كان كفيلا بتحريك المشاعر من غاية إلى أخرى.. وهذا هو جوهر قصة خاشقجي وقصة خالد سعيد وقصة البوعزيزي. وهذا هو ما يجعل حياتنا الإنسانية مختلفة عن المصنوعات أو منتجات المصانع وعن المزروعات أو طرح الأرض الخضراء.

خلق الله سبحانه وتعالى الكون وأودعه أسرار الطفرة كما أودعه سنن الوراثة والتطور والارتقاء وكذلك صنع الله سبحانه وتعالى في تاريخنا البشري الذي شهد علامات على الشطط الذي يقود العقل البشري في لحظات معينة إلى مواقف فاصلة في تاريخ الحضارة الإنسانية، ومن بديع صنع الله أن الغالبية الساحقة من البشر يؤمنون بالمسار الإنساني على نحو ما رأوه دون أن يشغلوا بالهم في لحظة واحدة بتصور السيناريوهات البديلة مع أن تصور هذه السيناريوهات يخلق للعقل البشري آفاقا من الفهم والاستيعاب تفوق كل ما يمكن لعلوم الاجتماع أن تقدمه لفهم التاريخ، بيد أن حركة التاريخ الدائبة وسرعة الحياة المتدفقة تحولان بين أهل الفكر وبين الاقتناع بفكرة السيناريوهات البديلة.. ومع هذا فإني منذ أكثر من عشرين عاما بل منذ ربع قرن لا أتوانى عن أن أستخدم هذه النظرية في فهم ما حدث.. وما كان يمكن أن يحدث.

أنتقل إلى الحالة التي نعيشها في هذه الأيام التي وجد العقل البشري نفسه فيها أسيرا للحيرة من موقف قيادات الغرب من هذا الطغيان العربي الذي قدم نفسه لمجتمع لغرب (من خلال دولة الإمارات) على أنه أي الطغيان يخدم مصالح الغرب بالقضاء على الإسلام السياسي، ثم قدم نفسه للغرب (من خلال السعودية) على أنه سيتكفل بتمويل القضاء على الإسلام السياسي مع دفع الحصة الأكبر من رقم الإنتاج للغرب نفسه في صورة مشتريات أسلحة وبرامج استراتيجية وخطط دفاعية تتوسع حتى تشمل هؤلاء المهاجرين المسلمين لقتلهم في مياه المتوسط قبل وصولهم إلى الحدود الأوروبية الساحلية.. ومع هذين التقديمين قدم الطغيان العربي نفسه خادما لإسرائيل مؤمّنا لحدودها قاتلا لمقاوميها متنازلا لها عن كل ما يملك متغزلا في السلام الدافئ معها ومندفعا إلى التصويت لها في المحافل الدولية وغير الدولية.

ماذا كان في وسع الغرب أن يتصوره من مزايا وعوائد في أي نظام سياسي في أي منطقة في العالم أكثر من هذه الخلطة السحرية المكتملة التي قدمها هذا التحالف الطغياني القائم في الدول التي أصبحت تُعرف بأنها دول حصار قطر؟ بل ماذا كان في خيال أي أديب غربي أن يتخيله من تبعية مدفوعة الأجر وكأن هذا التابع الطاغية رُزق ثروة واسعة من ميراث طبيعي فأنفقها في شراء “سيد” يأمره بقتل إخوانه بدلا من أن يشتري عبيدا يخدمونه من أجل أن ترتقي بيئته فيغذي مساكن مواطنيه بالصرف الصحي بدلا من أن يستنزف موازاناته في القتل المحرم والآثم؟




هل يستطيع مؤلف قصصي أو مسرحي أن يزعم أن بوسعه أن يؤلف مسرحية بعنوان “شراء سيد” دون أن يجد نفسه مضطرا إلى أن يصور هذا الثري الذي ينفق على شراء من يتسيده معتوها أو مصابا بمس من الجن؟ هل يستطيع أن يصوره لاهيا ومحبا للخمور فهو لهذا يريد من يجبره على معاقرة الخمر؟ مع أن في وسعه أن يسكر وأن يعاقر ما شاء من المسكرات؟ هل يستطيع أن يصوره مصابا بالدونية فحسب؟ وهل تكفي الدونية لتفعل في صاحبها ما فعله الطغيان العربي في أقطابه؟ هل تكفي كل الأمراض النفسية الخبيثة الأخرى لتفسير كل هذا الحقد على الذات؟ وعلى التراث؟ وعلى الدين؟ وعلى كل المطالبين بحقهم في عبادة ربهم؟

لا يتصور أحد أن مؤلفا مهما بلغت قدرته على الخيال والتصوير يستطيع أن ينجح في إتمام بناء درامي كمثل هذا الذي بناه شاب سعودي متنفذ لم يعرف الفن ولا الأدب لكنه عرف النفوذ والمال، ولم يعرف الخيال لكنه عرف الشطط، لم يعرف عبادة الله لكنه عرف استعباد البشر، لم يعرف سمو الألم لكنه عرف دناءة الانتقام، لم يعرف التفكير في العواقب لكنه عرف لذة الابتسامة الخفية التي تنافقه بها أنثى لتكسب ما لن تكسبه طيلة عمرها من كل من عرفت وكل من ستعرف. هكذا أودع الله سبحانه وتعالى سر البناء غير الدرامي غير المسبوق في مثل هذا الشاب المتنفذ المتغطرس ليقرر دون أن يدري نهاية حقبة سوداء لم يكن أحد يتصور أنها ستنتهي.. بل إن الحقيقة أن أحدا حتى الآن لا يكاد يصدق أن هذه الحقبة ستنتهي.. لكن الذين يعرفون معنى الإيمان وطعم اليقين يعرفون جيدا بكل جوارحهم أن الله غالب على أمره وكنت ولا أزال أحسب نفسي من هؤلاء حتى إذا لم يبق أحد منهم سواي.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا  

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :