الرئيسية / المكتبة الصحفية / الكاتب الذي وصف “الناس اللي فوق والناس اللي تحت”!

الكاتب الذي وصف “الناس اللي فوق والناس اللي تحت”!

كان نعمان عاشور (1918 ـ 1987)، في رأيي المتواضع، نموذجاً للأديب الذي وضعه التصنيف النقدي في مربع محدد المساحة، على الرغم من أنه كان أديبا واسع الطيف، موهوباً، غزير الإنتاج، لكنه ظل يُعرّف، فقط، بما صنف به مبكرا وهو أنه رائد الواقعية في المسرح العربي المعاصر، ومع هذا فقد كان له إنتاجه المتميز في القصص القصيرة والصحافة والدراسات التاريخية والمقالات السياسية والمسلسلات الإذاعية.

وقد مكنته إسهاماته الدائبة والمتميزة من الحضور المتصل في الثقافة المصرية، كما مكنه وجوده في مؤسسة أخبار اليوم من الحضور الدائب المتصل بالجماهير الغفيرة. عبر إنتاج نعمان عاشور عن ثقافة رفيعة عالية المستوي، امتدت إلى ثلاثة ميادين: فقد كان علي قدر كبير من الوعي بالتاريخ وحركته، وبالفن وأصوله، وبالسياسة ومذاهبها، وكان منذ مرحلة مبكرة من حياته واحداً من الذين مارسوا السياسة قبل ممارستهم للأدب، وإن كان الأدب والثقافة هما اللذان كونا وعيه السياسي.

ولد نعمان عاشور بمدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية عام 1918، وعاش طفولة مثقفة حيث كان يمضي أوقات فراغه في مكتبة جده العامرة بكتب التاريخ والأدب والتراث، كما كان عمه يمده بروائع الكتب من مكتبة شريكه وزميله الناقد الكبير مصطفي السحرتي، فقد كان شريكا لعمه في مكتب المحاماة. وكان يتردد على مسارح شارع عماد الدين بالقاهرة بصحبة والده، الذي كان من عشاق المسرح، وهو يروي أنه تأثر أشد التأثر بمسرح الريحاني والكوميديا الانتقادية الاجتماعية الساخرة التي كان يقدمها.

انتظم نعمان عاشور في التعليم المدني، حتى تخرج في قسم اللغة الإنجليزية من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (القاهرة) 1942، وقد تخرجت معه في هذه الدفعة وفي القسم نفسه أربع سيدات كان لهن شأن في الحياة الجامعية والثقافية وهن: نور شريف ولطفية عاشور ونعيمة عيد واعتدال ممتاز. وطيلة فترة دراسته في قسم اللغة الإنجليزية مارس نعمان عاشور التمثيل المسرحي، وكانت المسرحيات التي مثلها من تلك الكلاسيكيات التي يمارس طلاب القسم في إطار التعليم والتدريب، وكان معظمها لشكسبير،  وفي الوقت نفسه شغف بقراءة أعمال برنارد شو، وإبسن، وتشيكوف، كما اتصل بالحركات الأدبية والسياسية اليسارية التي تصاعد نشاطها  منذ الحرب العالمية الثانية، ونادت بالدعوة لأدب واقعي، وكان من أنصار الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو)، وقد شارك في الحركة السياسية ضد الاحتلال وضد ما أسمته هذه الحركات السياسية اليسارية بالظلم الاجتماعي، وألقي القبض عليه مرتين بتهمة الانتماء لأحد التنظيمات اليسارية.

بعد تخرجه عمل نعمان عاشور موظفاً ببنك التسليف الزراعي بالقاهرة (1943)، ثم نقل إلي وزارة الشئون الاجتماعية (1952)، حيث اختير للعمل في مصلحة الفنون والرقابة علي المصنفات الفنية، وقد كانت الرقابة فيما قبل إنشاء وزارة الإرشاد القومي تابعة لوزارة الشئون الاجتماعية، ثم كان من الذين اختيروا للعمل في وزارة الإرشاد القومي بعد إنشائها، لكنه فصل (1958) من الرقابة، ثم عين محررا بجريدة «الجمهورية» وظل بها حتي 1964، ثم استبعد مع بعض المحررين الذين نقلوا للعمل بالهيئات والمؤسسات العامة، ثم انضم لتحرير «أخبار اليوم» وظل يعمل بها باستمرار حتي وفاته فيما عدا 3 سنوات في أواخر السبعينيات أمضاها بالكويت.

بدأت إسهامات نعمان عاشور الإبداعية بكتابة القصة القصيرة، وفيما بعد فإنه جمع قصصه التي نشرها في الصحافة في أوائل الخمسينيات في كتاب بعنوان «حواديت عم فرج»، ويري خيري شلبي أنه في تلك المجموعة القصصية “تبلور الاتجاه الموضوعي والفني لنعمان عاشور الذي ما لبث حتي تكشف أبعاده والتزم به طوال عمره الفني: البحث عن الجانب الإنساني الإيجابي الوطني في الشخصية المصرية، والانتماء إلي الطبقة المتوسطة الصغيرة باعتبارها عصب المجتمع، حيث تضم الكثير من العمال والفلاحين والموظفين وصغار وكبار التجار، وأبناؤها يتحملون أكبر عبء في الإنتاج، وفي الكفاح، وفي الحروب النظامية، وفي المقاومة، وأيديهم في النار دائماً».




بعد فترة قصيرة من نشاطه القصصي اتجه نعمان عاشور إلي مجال المسرح الذي لمع فيه اسمه، وحقق فيه مشروعه الأدبي، وقد صنف نعمان عاشور مبكرا علي أنه كاتب مسرح واقعي، ذلك أنه حرص منذ مسرحيته الأولي « المغماطيس» علي رصد العلاقات الأسرية وربطها بالتحولات التي تعاقبت علي المجتمع، وقد صاغ رؤيته لهذه العلاقات من وجهة نظر يسارية، أو علي الأقل من وجهة نظر واضحة التوجه إلي اليسار، كما عُني في الوقت ذاته بتصوير صراع الأجيال وما ينطوي عليه هذا الصراع من تناقض بين عالمين يحمل كل منهما تصوراً مختلفاً للحياة، وقدم في مسرحيته الأولي شريحة عريضة للمجتمع بحيث توزعت البطولة علي عدة أدوار تتعارض وتتكامل في آن واحد، وقد تخلي بهذا الأسلوب عن البناء التقليدي للمسرحية، وكان مسرحه من حيث البناء قريبا من الفكرة التي نادي بها رشاد رشدي وطبقها في مسرحه ونقده.


وربما كان من المهم هنا أن ننبه إلي انتماء نعمان عاشور إلي مدرسة قسم اللغة الإنجليزية في آداب القاهرة، حيث مارس الدكتور رشاد رشدي أستاذيته، وإن كانت صورة نعمان عاشور كمسرحي رائد للواقعية الاجتماعية قد ظلت في واد بعيد عن مدرسة رشاد رشدي التي رفعت شعار الفن للفن، وهكذا يمكن التنبيه إلي أن الاختلاف الأيديولوجي لم يمنع التوافق بينهما في الشكل والبناء المسرحيين، ومع أن رشاد رشدي بحكم أستاذيته كان سابقاً علي نعمان عاشور في تبني الفكرة المسرحية، فإن نعمان عاشور حفر اسمه باقتدار في اتجاه مبكر بفضل إسهامه العملي والمتصل في الكتابة للمسرح، حتي إنه يعد، بلا جدال، أول كتاب المسرح في عهد  ثورة 1952،  ولهذا يصعب علي دارسي الأدب والقراء أن يتخيلوا أن مسرحي هذين الرجلين ينتميان إلي أسلوب بنائي واحد!

ومن الملاحظ أن نعمان عاشور كان مثل كثيرين من أدباء ذلك العصر من الذين مارسوا الإبداع القصصي ثم تحولوا إلى الإبداع في مجال المسرح، وقد كان رشاد رشدي أيضا من هؤلاء. كما أن من هؤلاء: عبد الرحمن الشرقاوي، وألفريد فرج، ومحمود دياب، ويوسف إدريس، وسعد الدين وهبة، وميخائيل رومان. وبعيداً عن التصنيف المسيطر القائل بغلبة التوجهات اليسارية على مسرح نعمان عاشور، فإنه يمكن القول إن مسرحه كان ينتمي إلى الكوميديا الانتقادية الساخرة، وقد نجح في توظيف الكوميديا الشعبية.

جمع نعمان عاشور بين تأثرين متكاملين لم يتكاملا في مسرح مؤلف آخر على نحو ما تكاملا في مسرحه هو، ذلك أنه تأثر بالريحاني في صيغته الفكاهية، وتأثر في ذات الوقت بكتاب الغرب الذين درس مسرحهم وواصل قراءة أعمالهم، وتأملها، ونجح في المزج بين الكوميديا والتراجيديا والسخرية اللاذعة، والهجاء الحاد.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا  

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :