الرئيسية / المكتبة الصحفية / أحمد سوكارنو.. الذي سلب الناصريون فضله في تأسيس حركة عدم الانحياز

أحمد سوكارنو.. الذي سلب الناصريون فضله في تأسيس حركة عدم الانحياز

 

 

من طرائف الأدبيات الناصرية أنها تتحدث عن أن أقطاب عدم الانحياز ثلاثة هم عبد الناصر وتيتو ونهرو، فإذا ذهبت لأي مرجع غير عربي تناول هذه الحركة بقدر من الإشارة العابرة أو المتمعنة فإنك لن تجد الحركة معّرفة على هذا النحو الناصري الثلاثي وإنما ستجد الإشارة إليها تتبع المنهج العلمي فتشير إلى أنها نشأت في باندونج التي هي مدينة في إندونيسيا وأنها نشأت في عهد الرئيس أحمد سوكارنو الذي دعا زعماء آسيويين وأفارقه لمؤتمر استمر ثمانية أيام وأعلنت فيه الحركة.

أحمد سوكارنو إذا هو الأب الروحي لهذه الحركة لكنه ترك الحكم قبل عبد الناصر ومات قبل عبد الناصر وهكذا فقد كان القفز على أسمه من الأمور المعتادة في الأدبيات الناصرية والعربية ولو كان تيتو مات قبل عبد الناصر لصك الإعلام الناصري الحركة باسم عبد الناصر وحده كما فعل في شطب محمد نجيب. ومع هذا فإنك لن تعدم في بعض الأدبيات العربية إشارة الى أن أقطاب عدم الانحياز خمسة يأتي أحمد سوكارنو في مقدمتهم أو سبعة يأتي أحمد سوكارنو أيضا في مقدمتهم.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن حرص الناصرية على ذكر نهرو لم يكن من باب الولاء لنهرو وإنما كان صدى لعلاقة 23 يوليو 1952 بالهند وهي علاقة براجماتية ظن العسكر إنهم سيكونون المستفيدين منها بينما أحرجتهم هذه العلاقة مرة واثنتين وثلاثا لا لشيء إلا لأن الهند كانت قد اختارت الديموقراطية وآمنت بها بينما كان العسكر يكفرون بالديموقراطية، ويصممون على هذا الكفر في كل خطوة من خطواتهم، وهكذا فإن التقارب الإسرائيلي الحالي مع الهند لم يكن بعيدا عن على الرغم من اعتداء إسرائيل على الحقوق العربية سنة بعد أخرى، ذلك أن مفردات لغة الديموقراطية كانت تجمع بين إسرائيل والهند بينما كانت تباعد بين الهند و23 يوليو 1952.

لم يأت أحمد سوكارنو (1901-1970) لحكم بلاده نتيجة لانقلاب عسكري وإنما أتى نتيجة زعامة حركة مقاومة وطنية استطاعت أن تتخلص من استعمارين متعاقبين: استعمار أقدم هو الاستعمار الهولندي (ويرتبط بإقليم من الأقاليم الإندونيسية هو إقليم التاميل) واستعمار أحدث هو الاستعمار الياباني الذي فرض نفسه على الأرض الإندونيسية المستعمرة من قبل، وذلك في خضم المواجهات الدولية العنيفة في الحرب العالمية الثانية.

كان لأحمد سوكارنو المثقف المجاهد دور الأسد في قيادة حركة بلاده نحو التحرر من اليابان ومن الهولنديين أيضا وهكذا استطاع سوكارنو أن يعلن استقلال إندونيسيا وأن يصبح رئيسا منتخبا لها وأن يقود حكومة منتخبا فيها وأن يقيم لها علاقاتها الدولية والإقليمية على نحو يليق بهذا الشعب العظيم وأن يدعو، على سبيل المثال، إلى مؤتمر باندونج.

لم تكن مهمة سوكارنو في حكم إندونيسيا (1945- 1967) سهلة ، لكنه بشخصيته وثقافته وإخلاصه نجح نجاحا ساحقا رغم قلة الموارد ورغم قسوة المستعمر الذي استنزف ثروات البلاد على نحو فاق كل درجات الاستنزاف الغربي لثروات الشعوب التي احتلتها، وفي هذا الصدد فمن المتداول أن أقسى نوعين من الاستعمار كانا استعمار هولندا لإندونيسيا واستعمار البلجيكا للكونغو، ومن الإنصاف أن نذكر أن أحمد سوكارنو لم يأل جهدا في تحقيق المكاسب المقدرة لبلاده وفي تحقيق الخلاص التدريجي والمتوالي من كل نواحي السيطرة والاستغلال والاستعمار.

 ومن الحقائق التاريخية التي لم تكتب من قبل بهذا الوضوح ما نذكره ونذكّر به من  أن أكبر انتصار تحقق بفضل تأميم عبد الناصر لقناة السويس 1956 لم يكن هو التأميم المصري ولم يكن هو بداية الانتباه الى القطبية الحاكمة لعلاقة مصر والعرب بالغرب ، فقد كان التأميم قد صيغ  ونفذ بطريقة حماسية وشخصية أفقدته المزايا الاقتصادية التي كان يمكن له أن يحققها كما اضطُرت مصر الى تعويض حملة الأسهم والتنازل الاضطراري عن أرصدتها الدولارية والإسترلينية في الخارج من أجل هذا، كما أن وضوح جهات الحرب وقطبيته ظل بعيدا عن الفهم العربي بسبب الأهواء الانفعالية البعيدة عن إدراك المنطق أو البناء عليه.

 




 

لم يكن الانتصار الحقيقي لخطوة تأميم قناة السويس في 1956 يتمثل في هذا ولا ذاك وإنما كان الانتصار الحقيقي  في إندونيسيا، إذ أن موجة الحماس الإسلامية والعربية أو الإفريقية الآسيوية التي حققها عبد الناصر والإعلام العربي الموالي له ولمصر قد هيأت لأحمد سوكارنو فرصة ذهبية أعلن فيها تأميم الممتلكات الهولندية في إندونيسيا بعد أسبوع واحد من تأميم عبد الناصر لقناة السويس، وإذا جاز أن تأميم قناة السويس كان كفيلا بأن يحقق خمسين وحدة نقد إذا ما عولج بطريقة ذكية (وهو ما لم يتحقق) فإن تأميم المؤسسات الهولندية في إندونيسيا قد حقق لها ألفا من وحدات النقد أي عشرين مثلا لأقصى ما يمكن لمصر أن تحققه، وهكذا فإن التأميم الإندونيسي صادف نجاحا أكبر بدون حرب تذكر بفضل عاملين مهمين هما أداء سوكارنو الواثق الهادئ من ناحية وأن هولندا كانت أقل نفوذا وأهمية من بريطانيا وفرنسا من ناحية أخرى.

وهكذا فإن التاريخ الذي يكتبه أصحاب الهدف يستطيع أن يصنع فيلما مثل فيلم ناصر 56 بينما لا يستطيع أن يصنع فيلما بعنوان سوكارنو 56 وذلك لأن الرغبة في الشهرة تعبير عن إرادة في جوهرها قبل أن تكون نتيجة أو إنجازا. كان أحمد سوكارنو على علاقة شخصية وثيقة بكثير من أساتذة التاريخ والحضارة العربية والمسلمين باعتبار بلاده جزء بارز من الحضارة الإسلامية وفي هذا النطاق فقد قام مجد الدكتور أحمد شلبي أستاذ الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي في دار العلوم في الأساس على صلته القوية بهذا المجتمع الإندونيسي وبالرئيس سوكارنو نفسه.

أتطرق بك الى موضوع يثير اهتمامك وهو علاقة إندونيسيا بماليزيا التي هي علاقة الكل بالجزء المنتزع من الكل، وأحب أن أذكر لك أن أحمد سوكارنو لم يكن (بالطبع) موافقا على استقلال ماليزيا عن إندونيسيا بل انه اتخذ إجراءات شديدة الصرامة في مواجهة الأمم المتحدة نفسها حتى إنه انسحب من بعض أنشطتها احتجاجا على اعتراف احدى لجانها بماليزيا، لكن حدث ما حدث، واستقلت ماليزيا ثم تكرر مثل هذا في سنغافورة التي استقلت عن ماليزيا.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا  

 

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :