الرئيسية / المكتبة الصحفية / صبري أبو علم.. الرجل الذي تعانق الخصوم في جنازته

صبري أبو علم.. الرجل الذي تعانق الخصوم في جنازته

 

في تاريخ مصر الحديث والمعاصر رجلان لم يعملا قاضيين لكنهما بذلا أصدق الجهد من أجل استقلال القضاء حتى إنه يمكن لكل منهما أن يستحق لقب بطل استقلال القضاء، الرجلان هما محمد صبري أبو علم باشا والدكتور فؤاد محيي الدين. وصحيح أن صاحب فكرة الاستقلال والمحقق الأول لها هو النحاس باشا لكن صبري أبو علم كان وهو وزير للعدل صاحب فضل كبير في تحقيق هذه الفكرة، وهو الذي استصدر كادراً خاصاً لرجال القضاء، كما أنه هو الذي أعد قانوناً باستقلال القضاء، وهو الذي تمت نشأة نادي القضاة في عهده، ويذكر القضاة له بامتنان مكرمات كثيرة حين تولي وزارة العدل مرة بعد أخري.

كان محمد صبري أبو علم باشا بطل استقلال القضاء (1893 ـ 1947) نموذجا بارزا من نماذج رجال الوفد الكبار الذين تمتعوا بالعلم والفكر والثقافة والموهبة والأداء المهني المتفوق، وحب الجماهير، وحب الزملاء، وتقدير الرأي العام. كان أبو علم محاميا بارزا، وكان رجلا من رجال القانون المؤثرين، ولد محمد صبري أبو علم بالمنوفية، وتلقي تعليما مدينا، وشارك في الحركة الوطنية منذ كان طالبا بمدرسة الحقوق، واشترك في إضراب طلبة تلك المدرسة عند زيارة السلطان حسين كامل لها فعوقب بالفصل من تلك المدرسة العليا، وكان من المفترض أن يتخرج عام 1915 فتأخر إلى عام 1916.

شارك محمد صبري أبو علم في ثورة 1919 وكان من أنبغ شبابها قدرة على التنظيم والحشد والعمل الجماهيري. يذكر له تاريخنا الثقافي في تلك الفترة أيضا إسهامه في لجنة التأليف والترجمة والنشر مع أحمد أمين وأحمد زكي وأبو حديد وأقرانهم. وعقب الثورة بزغ نجم محمد صبري أبو علم في تنظيمات الوفد كلها وعلى سبيل المثال فقد انتخب عضوا في أول برلمان وفدي 1924. عمل محمد صبري أبو علم منذ تخرجه بالمحاماة ولمع نجمه بإخلاصه وسلوكه ودأبه وخلقه الرفيع، وتوج هذا بأن انتخب نقيباً للمحامين (1932) ويعد هذا التتويج مواكبا لمرحلة مبكرة من ممارسته للمهنة إذا ما قورن بأسلافه.

وحين انشق مكرم عبيد عن الوفد أصبح هو المرشح المفضل سكرتيراً عاماً للوفد منذ 1943، واستطاع في برهة قصيرة أن يملأ تماما ما ظن أنه الفراغ الذي سينشأ عن خروج مكرم عبيد علي الوفد، فقد كان أبو علم رجل دولة وسياسة وحزب وجماهير كما كان حيا حييا منجزا مخلصا ملتزما محبوبا، وظل يشغل هذا المنصب حتي توفي في سن مبكرة، ومن طرائف التاريخ أن النحاس ومكرم حضرا جنازته وهما في قمة خصومتهما فوجدا نفسيهما يتعانقان، وكان في تعانقهما دليل علي مكانة هذا الرجل الكبيرة في نفوس من يعرفونه وما استدعاه الإيمان من الشعور بزوال الدنيا ولوعة الفراق.




تولي محمد صبري أبو علم باشا وزارة العدل ثلاث مرات طيلة ثلاث وزارات رأسها مصطفي النحاس باشا، وذلك في وزارته الرابعة (يوليو- ديسمبر1937)، والخامسة (فبراير –مايو 1942)، والسادسة (مايو 1942 ـ أكتوبر 1944). كان بالإضافة إلى هذا من الأثرياء المؤمنين بأهمية العدالة الاجتماعية، وكان سابقا في هذا التوجه على فؤاد سراج الدين باشا، ويذكر له أنه وهو عضو في مجلس الشيوخ (1945) كان حريصا على أن يثبت أنه لا يعارض مشروع فكرة إصدار قانون بتحديد الملكية الزراعية.

كان كذلك صاحب امتياز صحيفة “صوت الأمة” الوفدية. وكان واحدا من قانونيي الوفد الذين شاركوا في إعداد مشروعات قوانين إلغاء الامتيازات الأجنبية. وصفه الدكتور محمود كامل في فصل من فصول كتابه “يوميات محام”، وصفا جميلا وقد صاغ هذا الوصف حين كان لا يزال أبو علم حيا فقال: “واشتغل بالمحاماة وانتخب لعضوية أول مجلس نواب مصري، وظل ـ إلى جانب الشعب ـ يدافع عن حقوقه محاميا، وكاتبا”.

“ورغم الخلاف السياسي بينه ـ كوفدي ـ وبين عبد العزيز فهمي باشا الذي كان قد خرج على الوفد وزعيمه، فإن عبد العزيز فهمي لم يسعه ـ في عهد وزارة إسماعيل صدقي باشا التي عطلت الدستور وطاردت الوفدين ـ في أثناء نظر قضية سياسية تقدم محمد صبري أبو علم بمذكرة فيها إلا أن يسجل في محضر الجلسة أن تلك المذكرة نموذج لأداء المحامي الممتاز”. وقد وصفه زميل بأنه: “مالك لتصرفاته، ضابط لحركاته وسكناته، يعطي من ذات نفسه لكل شخص بمقدار، لا تفلت منه الأقوال، وإنما يزنها بميزان، ولا تطيش إرادته، فكأنه يقيس كلماته وخطواته بمسطرة، خطيب يعرف لكل موقف ما يناسبه من المقال.. ويفهم نفسية سامعيه فيرسل حديثه إلى قلوبهم دون وساطة من بهرج اللفظ أو حماس الانفعال”.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :