الرئيسية / المكتبة الصحفية / زكريا الحجاوي.. الفنان الذي ألهم السادات البحث عن الذات!

زكريا الحجاوي.. الفنان الذي ألهم السادات البحث عن الذات!

 

 

لم يؤثر أديب أو فنان في رؤية الرئيس السادات للعالم والحياة كما فعل صديقه زكريا الحجاوي، ومن مفارقات القدر أن الحجاوي مات في عهد السادات مغتربا في قطر قبل أن ينتبه السادات إلى أن مثل هذا الرحيل ممكن الحدوث على هذا النحو الكاشف عن تحجر قلب سلطة ثورة 1952. لكن الأستاذ زكريا الحجاوي رغم اغترابه ورحيله حظي بدراسات وكتابات قيمة كتبها عنه أساتذة كبار من الذين أجادوا فهم الفن والأدب والمجتمع: يحيي حقي (يا ليل يا عين، سهراية مع الفنون الشعبية) وخيري شلبي (وقد أطلق عليه لقب الجواب) ونعمان عاشور (مع الرواد) وعبد القادر حميدة (زكريا الحجاوي.. ما قبل الرحيل) ويوسف الشريف (كان غواصا في بحار الدر واللؤلؤ).

زكريا الحجاوي هو أبرز رواد الفنون الشعبية ومؤصليها، وهو أديب وفنان متعدد المواهب والقدرات، غزير الإنتاج، عميق التأثير. ولد زكريا الحجاوي في المطرية (الدقهلية) في 4 يونيو 1914 وبدأ دراسته في بورسعيد، ونال الابتدائية بتفوق فكان الأول على مديرية القنال، والتحق بعدها بمدرسة الصنايع البحرية بمدينة السويس، ثم بمدرسة الفنون والصناعات الملكية في القاهرة، واشترك في أنشطة الطلاب الثورية، وبلغ نشاطه حدا دفع حكومة الوفد نفسها إلى تحديد إقامته في قريته.

وقد حرمته الظروف من أن يتم تعليمه بالحصول على المؤهل لكنه عوض هذا بتعليم عميق وثقافة واسعة أكسباه منهجا فكريا متميزا. كتب زكريا الحجاوي وهو لا يزال طالبا عددا من الأوبريتات والمسرحيات الغنائية قدمتها فرقتا أوبرا ملك، وأحمد المسيري، ونفذت مسرحياته بنجاح كبير. كذلك نبغ زكريا الحجاوي في كتابة القصص القصيرة. عمل زكريا الحجاوي بالصحافة، وكتب في «روز اليوسف» و«الرسالة»، وفيما بعد في «القاهرة» و«الجمهورية»، وكان من أبرز نجوم جريدة «المصري» الوفدية، وشارك في تحويلها إلى منبر ثقافي عريض القاعدة، ورفيع المستوي.

يتمثل إنجازه الأكبر في ريادته الفنون الشعبية.. اكتشافا.. وتأريخا. وتأصيلا.. وتهذيبا.. وتطويرا، وهو بلا خلاف أهم الرواد الميدانيين للفنون الشعبية العربية جميعا، وقد مارس في عمله أرقي أساليب البحث العلمي دون ادعاء، ونفذ كثيرا من خطط المسح العلمي بحثا عن التراث الشعبي في الموسيقي والغناء في جميع أنحاء الوطن، وكان يؤمن عن حق بأن الإبداع الفني الحقيقي ليس هو ما كتبه المثقفون أو ما نشر في الكتب، لكنه إبداع رجال الشارع، وقد تمكن من جمع أكثر من اثنين وسبعين ملحمة شعبية، وإليه يرجع الفضل في بعث كثير من فنوننا الشعبية التي تمكن من العثور عليها في مسوحه الجغرافية، وقدم من صور هذه الفنون: الرقص، والغناء، والمواويل، والبكائيات، والأراجوز، وخيال الظل، والسامر، والألعاب، والحواديت، والأساطير، والموالد، والأفراح. كما نجح في تسجيل المدائح حتى سمي «عاشق المداحين»، كما جمع الأمثال والحكايات الشعبية، والملاحم والسير بألحانها البدائية بأصوات الباقين من أصحابها قبل انقراضهم.




كان زكريا الحجاوي صاحب الفضل الأول في اهتمام الدولة بتأسيس فرقة الفنون الشعبية، وكان هو نفسه قد كوّن قبل الدولة فرقة زكريا الحجاوي للفنون الشعبية، وقد أسس فرقة غنائية (1946)، كما أسس فرقة للفلاحين (1957)، وفرقة فنون شعبية أخري، كما أنه صاحب فكرة مسرح السامر وفرق الثقافة الجماهيرية. ومن الجدير بالذكر أن الحجاوي كان في بداية حياته قد عمل موظفا بمجلس مدينة الجيزة (1946)، ثم في وزارة الداخلية (1947).

تولي زكريا الحجاوي الإشراف على فرقة الدولة للفنون الشعبية منذ (1962)، وقد منحها خلاصة تجاربه وحياته دون أن يبحث عن مغانم أو حقوق إبداع، وعمل مدرسا بمعهد السينما (1965)، وبفضل زكريا الحجاوي أصبح للفنون الشعبية حضور قوي في ساحة النشاط الثقافي، بل انفسحت أمام هذه الفنون الفرصة لتمثيل مصر في مهرجانات عالمية وإحراز جوائز رفيعة ومتقدمة.

وإلي زكريا الحجاوي يعود الفضل في اكتشاف كل من محمد طه، وخضرة محمد خضر، وأبو دراع، فضلا عن عشرات غيرهم من فناني الشعب المبدعين الذين تمكنوا من شق طريقهم إلى الصفوف الأولي، وقد اعتمد في كل ما أنجز على ثقافة عريضة، وعلي روح فنية عالية، وعلى خبرات متراكمة، وآمن عن فهم وعلم بأن دراسة فنون الشعب لابد أن تتم بعيدا عن أي مؤثرات أجنبية، ولهذا السبب فإنه رفض عرض الوزير فتحي رضوان أن يسافر في بعثة علمية إلى يوجوسلافيا ليتأهل بدراسة أكاديمية تساعده على إنجازه الذي كان قد بدأ فيه. أما دور زكريا الحجاوي في الحياة والفن والأدب والصحافة على وجه العموم فيحتاج حديثا آخر.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا  

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :