الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات الجزيرة / الجزيرة نت / دور قيادة الجيش في صناعة الدكتاتورية.. دراسة لحالة المشير عامر

دور قيادة الجيش في صناعة الدكتاتورية.. دراسة لحالة المشير عامر

 

مع كل ما نجده في أدبيات السياسة العربية والتاريخ المعاصر من نصوص واضحة عن ندرة التوجهات الفكرية للمشير عبد الحكيم عامر في ميدان السياسة والثورة والعمل السري والحكم؛ فإن الواقع التاريخي يقول إنه كان مؤثرا وفعّالا جدًّا في حركة جمال عبد الناصر ورفاقه، وتنظيم الضباط الأحرار ولجنتها القيادية ثم مجلس قيادتها، منذ أول الثورة.. بل ومنذ ما قبل قيامها.

ولعل هذا يدفع الدارسين إلى معاودة التأمل الجاد في أدواره المبكرة التي أتاحت له هذه الفرصة الواسعة من التأثير والقدرة على اتخاذ القرارات في الاتجاه الذي يراه. وأقصد بالتأمل الجاد دراسة وجهات نظره بعيدًا عما استسهل الكُتاب الإشارة إليه من صداقته الحميمية لعبد الناصر.

وإذا جاز لنا هنا أن نلجأ إلى نموذج كاشف عن تأثير عبد الحكيم عامر؛ فإننا نستطيع أن نلجأ بسهولة إلى المقارنة بين ما أعلنه من توجهاته، وما أعلنه أنور السادات -وهو أكثر المجموعة خبرة بالسياسةـ عن توجهاته..؛ فعلى حين أنهى السادات المحاولة بإعلان أن صوته مع عبد الناصر على الدوام، فإن عامر لم يفعل هذا أبدًا.

ومعنى هذا بوضوح أن عامر كان يجادل عبد الناصر مجادلات فردية وجماعية أيضًا، وليس معنى هذا أن السادات كان بلا رأي كما يقول أعداؤه، ولكن معناه أن عامر كان لا يزال يعيش الحيوية الفكرية بصوابها وأغلاطها، دون أن يضع لنفسه خطوطًا حمراً. ومن الإنصاف أن نذكر أن عامر ظل كذلك حتى وفاته في 1967.

وحين نستعيد معًا (أنا والقراء) شريط الثورة -منذ بدأت تصرفات قادتها تظهر أمام الناس- فإننا نستطيع أن نتعرف على دور عبد الحكيم عامر الفكري والحركي على وجه أكثر تحديدًا ودقة.

ومما لا شك فيه مثلاً أن عامر كان صاحب الطلقة الأولى القاتلة أو الحاسمة في اقتحام مبنى قيادة الجيش ليلة الثورة.. وهي رواية حظيت فيما بعد بقدر من “التكتيم” المقصود (لفظ “التكتيم” في هذا المقام أدق من وصف التعتيم)، حتى لا يتضخم مجد عامر في مواجهة مجد عبد الناصر الذي صُوِّر على أنه صاحب المجد الأول.

كما أن الرواية كفيلة بأن تُثبت على الثورة أنها استخدمت السلاح وإسالة الدماء، بينما كانت الثورة تستلذ أو تستريح إلى وصف نفسها بأنها ثورة بيضاء بلا قتلى ولا ضحايا، مع كثرة ضحاياها فيما بعد.

وعلى كل حال؛ فإننا نقدم بعض ما رُوي عن هذه الواقعة على نحو ما أورده صلاح نصر في مذكراته، حيث يقول:




“وأمر عبدُ الحكيم عامر جنديَّ الحراسة أن يفتح البوابة الحديدية للمبنى ولكنه رفض.. وأخرج عبد الحكيم عامر طبنجته (مسدسه) وهدد الجندي بقتله إذا لم يستجب للأمر، ولكن الجندي أصر على الرفض، وكاد يصرخ مستنجدا بالقوة المرابطة داخل المبنى. أصبح الموقف حرجا، فأطلق عبد الحكيم النار على الجندي وأرداه قتيلا واقتحمت القوات المبنى.. ولم تلق أي مقاومة”.

وقد أشرت كثيرًا إلى أن أكثر ما بلور نجاح عامر الفكري -بدون سفسطة- هو اختياره الذكي للواء محمد نجيب ليكون رجل الثورة الأول الذي يتحرك أصحابها تحت مظلته، أو بعبارة أدق: اكتشافه لشخصية عظيمة بهذا القدر.

ومن حسن الحظ أن أحدًا ذا قيمة لم ينف أن عامر كان صاحب الفضل في اكتشاف محمد نجيب كقائد محتمل للحركة التي ينوي الضباط الأحرار القيام بها، وكيف أنه هو الذي أشار على عبد الناصر به وهو الذي دبر لقاء الرجلين: عبد الناصر ونجيب.

روى حلمي سلام في مذكراته “أنا وثوار يوليو” ما استطاع معرفته عن هذه الجزئية فقال: “.. وأذكر أنني خصصت حلقة في تلك السلسلة من المقالات -التي كان هؤلاء الأصدقاء الثلاثة يغذونني بمعلوماتها- لعلاقة محمد نجيب بالثورة.. جعلت عنوانها: «عبد الحكيم عامر يقول لعبد الناصر بعد أن تعرف على محمد نجيب: لقد اكتشفت لك كنزا».. وكان ذلك بالحرف هو نص ما قاله لي عبد الحكيم عامر”.

“وهذه العبارة نفسها سجلها محمد نجيب في مذكراته التي نشرها في مجلة «الحوادث» اللبنانية مستدلا بها على قدم علاقته بالثورة».. ولذلك قصة ترجع بنا إلى سنة 1948 حيث كانت القوات المصرية تقاتل -للمرة الأولى- على أرض فلسطين. وكان طبيعيا -وقد كاشف عبد الناصر زميله عبد الحكيم عامر بكل ما كان يدور في رأسه وصدره- أن يكاشفه أيضًا بالصعاب التي أحسها تعترض طريق الوصول إلى «رجل» تتوفر فيه تلك «المواصفات» المطلوب توفرها في من سوف يتولى قيادة الثورة. وأخذ عبد الحكيم عامر على عاتقه مسؤولية مشاركة زميله مهمة البحث عن ذلك القائد”.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من موقع الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

 

 
شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :