الرئيسية / المكتبة الصحفية / الفنان رخا.. وكاريكاتير رخا!

الفنان رخا.. وكاريكاتير رخا!



نشر الفنان رخا رسوما كاريكاتيرية جريئة ضد إسماعيل صدقي باشا ورموز الحكم الانقلابي في الثلاثينيات، وضد الاستعمار البريطاني، ودفع رخا من حريته ثمنا باهظا لهذا السلوك الثوري

إلى هذا الفنان العظيم رخا يعود الفضل في صبغ فن الكاريكاتير الصحفي بروح مصرية بسيطة استلهمت ما عرفت به فنون الفراعنة من التجريد الذكي الذي نلمسه بوضوح في أعماله. كانت الصحافة تتمصر شيئا فشيئا منذ أواخر القرن التاسع عشر وكان الكاريكاتير الصحفي لا يزال بعيدا عن التمصير حتى جاء محمد عبد المنعم رخا (1911 ـ 1989) فأصبح عن جدارة وسبق وريادة في منزلة أول فناني الكاريكاتير المصريين، وقد حاز هذه المنزلة مبكرا وليس بالأقدمية، فقد حمل طموحات وطنه وصفات بيئته ونقلها على الورق بإبداع وتفرد، وظل يعمل حتى عاصره جيلنا هرما مشارا إليه بالبنان محتفظا رغم السن بالقدرة على طرح فلسفته الساخرة البناءة.

ولم يكن الكاريكاتير، حتى عهد الفنان رخا، من الأركان الثابتة في الصحف المصرية لكنه بفضل مدرسة أخبار اليوم وإيمانها برخا وفنه وعمله الدائب فيها أصبح من أبرز أركان الصحافة العربية. كانت رسومات محمد عبد المنعم رخا الكاريكاتيرية نقطة تحول في هذا الفن من حيث الموضوع والمقاربة فضلا عن كونه أول مصري طوع هذا الفن لخدمة قضايا الوطن السياسية والاجتماعية.

اشتهر رخا بشخصياته الكاريكاتيرية المميزة التي عبر من خلالها عن مجريات وتفاعلات النهضة السياسية والاجتماعية في مصر على مدي ستين عاما، ومن أبرز هذه الشخصيات التي انتقلت أيضا إلى سياقات كتابات معاصريه: ابن البلد، وبنت البلد، ورفيعة هانم، والسبع أفندي، وغني الحرب.. وغيرها من الشخصيات الفكاهية التي صورها وطورها طوال عمره المهني. عبر محمد عبد المنعم رخا برسومه عن إحساس وطني متقد، وكانت رسومه أكثر بلاغة في رسالتها من كثير من المقالات والأعمدة الصحفية المتحمسة أو النارية، وقد تجاوب القراء المصريون مع الرسالة التي أراد رخا أن ينقلها لهم من خلال رسومه، وهكذا ساعد رخا على أن ينشئ ويشجع مناخا سياسيا وفكريا قادرا على اجتذاب واكتساب أبناء جدد لهذا الفن يمارسونه ويطورنه.

ولد الفنان محمد عبد المنعم رخا في 7 نوفمبر (1911) بقرية سنديون إحدى قرى مديرية القليوبية، وتوفي والده وهو طفل صغير، فعاش يتيما بمنزل الأسرة بشارع درب عجور بحي باب الشعرية، وقد شغف بالرسم منذ طفولته، حتى إنه في أثناء دراسته بمدرسة الجمالية كان قد عرف برسومه الجميلة، وحصل علي شهادة إتمام الدراسة الابتدائية (1922) وعمره 11 عاما، وكان هذا دليلا على التفوق والسبق، رغم انجذابه للرسم، وبعد هذا اضطر إلي أن يواصل دراسته بالمدرسة الخديوية الثانوية نزولا علي رغبة الأسرة، لكن رسوبه تكرر ثلاث سنوات في السنة الأولي بسبب اشتعال حبه التام لفن الرسم، ونمو شغفه بممارسة هذه الهواية، وكان من حظه أن وفق إلي الحل السعيد بترك المدرسة الثانوية (العامة) والالتحاق بمدرسة ليونارد دافنشي بالقاهرة لدراسة الفنون الجميلة، وسرعان ما حصل منها علي الدبلوم (1927).

كانت أولي رسوم محمد عبد المنعم رخا الصحفية هي تلك التي نشرت بمجلة «الفنان» وكان صاحبها هو الشاعر الغنائي محمد يونس القاضي، ولما توقفت مجلة الفنان عن الصدور انتقل برسومه لمجلتي «الستار» و«الناقد» لصاحبهما محمد علي حماد، ثم تعرف علي الأستاذ محمد التابعي الذي نشر له بعض رسومه بمجلة «روز اليوسف»، وهكذا بدأ رخا الانطلاق في فترة الثلاثينيات، وقد انفسحت أمامه صفحات الصحف المختلفة، وأخذ ينشر رسومه في مجلة «البلاغ الأسبوعي»، وفي مجلتي «الصباح» و«أبو الهول» لصاحبهما مصطفي القشاشي، وفي مجلتي «المسرح» و«المستقبل» لصاحبهما الأستاذ إسماعيل وهبي المحامي شقيق الفنان الكبير يوسف وهبي، وشجعه هذا النجاح والانتشار علي أن يتخذ لنفسه مكتبا خاصاً في شقة مستقلة فوق سوق الخضار بباب اللوق.




 

 

كما دفعه النجاح إلى أن يفكر في إصدار مجلة يحررها هو ويرسمها هو فأصدر مجلة «اشمعني»، لكنها توقفت بعد أن صدر منها ثلاثة أعداد، وكان هذا أمراً طبيعياً في ظل اتجاه اقتصاديات السوق الصحفية إلى التعقد والاعتماد على تعدد عوامل النجاح. نشر الفنان رخا رسوما كاريكاتيرية جريئة ضد إسماعيل صدقي باشا ورموز الحكم الانقلابي في الثلاثينيات، وضد الاستعمار البريطاني، ودفع رخا من حريته ثمنا باهظا لهذا السلوك الثوري حيث دخل السجن (1933 ـ 1936).

وعند تأسيس «أخبار اليوم» أصبح رخا كما هو متوقع واحدا من نجومها البارزين، وظل ينشر رسومه الكاريكاتيرية في «أخبار اليوم» وآخر ساعة» منذ منتصف الأربعينيات وحتى رحيله. بالطبع فقد تأثر الفنان رخا في أسلوبه ورسوماته بأسلافه من فناني الصحف الذين مارسوا الكاريكاتير في مصر: سانس الأسباني، وصاروخان الأرمني وعلي رفقي التركي وكانت رسومات هؤلاء تنشر في مجلات «الكشكول» و«روز اليوسف» و«الاثنين» و«الدنيا».. توفي الفنان محمد عبد المنعم رخا في القاهرة في 8 أبريل 1989.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :