الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات / الجزيرة نت / صبري راغب.. الفنان الذي رسم صورة زوجته بـ117 لوحة!

صبري راغب.. الفنان الذي رسم صورة زوجته بـ117 لوحة!

 

صبري راغب الذي عاش ثمانين عاما (1920 ـ 2000) هي الثمانين الأخيرة من القرن العشرين فنان تشكيلي ومصور عظيم توزعت أعماله القيمة ما بين زهرات المجتمع وزهور الطبيعة. وكان في عصره أشهر رسامي الوجوه الشخصية (البورتريهات) وبخاصة النسائية، وقد أدركنا نهاية العصر الذي كانت سيدات المجتمع البارزات يفاخرن بالصورة التي رسمها لهن صبري راغب، ومع براعته المشهورة في رسم البورتريه فإنه ظل يتهيب العمل فيه إلى آخر عمره فقد كان يراه أصعب أنواع الفنون.

ولد صبري راغب بالقاهرة سنة 1920 وظهرت موهبته في فن الرسم منذ طفولته، وشجعه أهله علي الالتحاق بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة (1937)، لكنه ترك الدراسة وسافر إلي إيطاليا ليستكمل دراسته الفنية، بيد أن الحرب العالمية الثانية أجبرته علي العودة إلي القاهرة فعاد مرة أخري إلي الدراسة بكلية الفنون الجميلة، لكنه لم يواظب على حضور دروسه فتكرر رسوبه، ثم سافر إلي إيطاليا مرة أخري ليستكمل دراسته معتمدا علي نفسه (1948)، لكن ظروفه المادية حالت دون استكمال دراسته فعاد مرة ثالثة (1949) إلي كلية الفنون الجميلة بالقاهرة حيث انتظم في الدراسة وحصل علي البكالوريوس في سن كبيرة (1952) وبهذا فإنه قضى في مرحلة الجامعة 15 عاما وكانت الحالات الشبيهة بحالته موجودة في ذلك العهد في كليات كثيرة من دون أن تضغط إلحاحات البيروقراطية المقيتة بضرورة فصل أمثاله من الكليات والمعاهد العليا.

يتشابه أسلوب صبري راغب وألوانه مع أسلوب فناني المدرسة التأثيرية وبخاصة الفنان الكبير رينوار، ومن الواضح لكل ذي خبرة بالفن أن صبري راغب بلغ الغاية في ارتباطه بأسلوب المدرسة الانطباعية الفرنسية في مرحلتها شبه الرومانسية، ومن حسن حظه أن ولعه برسم صور الوجوه الشخصية بهذه الطريقة تواكب مع قبول المجتمع المصري البرجوازي لمفهوم الفردية، واللجوء إلى ترسيخ التميز الطبقي والتمايز المهني والاعتداد بالنفس في البيئة الزمانية والمكانية التي عاشها صبري راغب. حفر صبري راغب لنفسه بالدأب والتجرد والهدوء مكانة أهلته لأن يكون رائد البورتريه المصري في عصره حين أصبح البورتريه في عصر الشمولية واللاسياسة تعبيرا وإبداعا وإضافة تعبر عن روح الشرق المستكين لما هو عليه. وابتكر صبري راغب إضافات تقنية جديدة لهذا الفن التقليدي تمثلت فيما كان يغمر به لوحاته من حساسية مفرطة وشاعرية دافقة بفضل اللجوء إلى الألوان الرقيقة الشفيفة.

لا تزال لوحات صبري راغب تعبر عن تأثره واندماجه حتى قيل إنه كان يحب ويعشق ويهوى قبل أن يرسم ويلون، وهكذا شاع وذاع القول (المتداول في أوساط الفن والمجتمع القاهرية) بأن صبري راغب بذل مزيدا من الاهتمام بالبعد النفسي فلم يتوقف عند تصوير الشكل وإنما أضاف انطباعاته عن سيكولوجية من رسمهم ويكفي للدلالة على هذا المعنى ما تلحظه من الفارق في تصويره لشخصيتي توفيق الحكيم ولويس عوض على سبيل المثال. كانت زوجته إيفون ملهمته وبطلة أعماله، وقد رسم لها كثيراً من البورتريهات. كما رسم صبري راغب لنفسه العديد من اللوحات الشخصية التي تعبر عن مراحل عمره المختلفة كذلك فإنه تولى بتكليف من السلطات إنجاز صور شهيرة ومعروفة لكل من الرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو، والرئيس السوري شكري القوتلي، والرئيس الإسباني الجنرال فرانكو.

ومن أعلامنا المعاصرين رسم صبري راغب صورا لكل من توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ومحمد عبد الوهاب، وزكي نجيب محمود وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس ولويس عوض وأحمد بهاء الدين. وصفه الفنان الكبير حسين بيكار بأنه رائد من رواد الرومانسية المصرية في فن التصوير المعاصر وقال إن اسمه لم يتألق في الوسط الفني بالقدر العادل الذي يستحقه. أما الناقد مختار العطار فوصفه بأنه صاحب أسلوب مبتكر ذي انعكاسات روحية كأنها نبضات داخلية تشع أطيافًا يهتز لها وجداننا، وأشار العطار إلى أن لمسات صبري راغب تنطوي على مهارات فطرية مكتسبة وخبرات ذكية أصبحت عطاء ضمنيًا يضفيها على لوحاته عفو الخاطر. أما الناقد صبحي الشاروني فكان يعد صبري راغب بمثابة التلميذ المتفوق للفنان أحمد صبري رائد هذا الفن في مصر مشيرا إلى قدرته على تحويل الصورة الشخصية إلى موضوع فني إذ يحقق في لوحاته نوعاً من التعبير كالإشارة أو التأمل أو الاستهتار أو الكبرياء أو التدلل أو العجرفة أو الرقة.




وهكذا كانت كل لوحة من لوحاته تعبر عن انفعال بين الحنان والدفء والصمت والتألق والحزن والكبرياء والشاعرية والجمال، فهو لا يرسم وجوه البشر ولكن يرسم هذا الإشعاع الذي ينبعث من الداخل. وقد أقام عدة معارض لأعماله كان أولها 1959 في جمعية محبي الفنون وكان معرضًا كبيرا ضم 117 لوحة وكانت جميع هذه اللوحات لشخصية واحدة هي زوجته إيفون ولم تكن في هذه المجموعة كلها لوحة مثل الأخرى.

ثم أقام عشرات المعارض في مصر والخارج، ونال جوائز عديدة. ومن هذه المعارض: معرض الزهور والبورتريه 1978 بقاعة الدبلوماسيين الأجانب بالزمالك. ومعرضان بجمعية محبي الفنون الجميلة 1959 و1965. ومعرضان خاصان في أمريكا وأمستردام. ومعرض (50 عام فن) 1990و معرض خاص بقاعة الشموع التي أقامتها السيدة لوتس عبد الكريم 1993. ومعرض خاص بقاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية 1992، 1997. وبعد وفاته أقيم معرض تذكاري لأعماله بقاعة الأوبرا فبراير 2001.

كان من مهارات صبري راغب في الإبداع أنه كان يقنعنا أن عيون من صورهن تشاهد عالمًا أكثر بهاء وعظمة من العالم الذي نعيش فيه نحن ونراه بعيوننا. أما في رسم الزهور الذي كانت هي الأخرى موضوعه المفضل، فإنه كان يقول إن الوردة مثل البورتريه لها ملامح وشخصية، ولهذا سجل الزهور في تكوينات رائعة، ولم نعرف فنانًا قبله أو بعده رسم الزهور بهذه البراعة. كان أسلوبه تأثيريًا ولم تكن ألوانه صاخبة بل كانت هادئة دافئة ومع أنه جمع في لوحاته بين الألوان الزيتية والألوان المائية والباستيل فإن الذواقة كانوا يشعرون وكأن لوحاته رسمت بالألوان المائية الشفافة حتى وهي مرسومة بألوان الزيت، لكنه بمهارته جعلها شفافة بما زودها به من نور.

ومع هذا التفرد فان صبري راغب كان يقول إن هذا النور هو النور الصادر من الموضوع المرسوم “فأنا لا أرسم الحقيقة بل أرسم النور المشع منها”، ولذلك جعل شخوصه على حد التعبير الشائع: تستحم في النور، لأنه البطل في لوحاته التي كانت شفافة ورقيقة مثله. كان صبري راغب من عشاق الموسيقى الكلاسيكية وكان حريصا على سماعها في أوقات عمله وكأنه يستعير منها مذاقها الشجي ويبث أثر هذا المذاق في أعماله الحافلة بالشجن والطرب والاندماج بين المرئي والمسموع.

وقد قيل في الثناء على أعماله إنه يصور الملائكية التي تسكن روح الإنسان ويحجب بصره عن رؤية أية شائبة تجاورها، وينتقى من الحياة أحلى ما فيها من خير وحب وجمال. عاش الفنان صبري راغب حياته الطويلة رمزًا للجدية والأصالة والالتزام بالمبدأ ونموذجًا للخلق الرفيع. وظل مواظبا على مواصلة إنتاجه الفني حتى وفاته. نال صبري راغب قدرا كبيرا من النجاح الجماهيري وتسابق عشاق فنه على اقتناء أعماله، ولذلك كانت لوحات معارضه تباع عن آخرها، وقد نسب إلى الكاتب الكبير صلاح حافظ قوله إن صبري راغب هو الذي غرس في المجتمع المصري عادة اقتناء اللوحات. توفي الفنان صبري راغب في 22 يوليو 2000.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات