الرئيسية / المكتبة الصحفية / تسريب فضيحة لعلي صبري في نهاية عهد عبد الناصر

تسريب فضيحة لعلي صبري في نهاية عهد عبد الناصر

كان على صبري من أكثر الناس إخلاصا لعبد الناصر، لكن الرئيس عبد الناصر لم يبادله هذا الإخلاص بإخلاص ولا امتنان، وزاد من فتور الرئيس عبد الناصر تجاه على صبري ما شاع من ارتفاع أسهم علي صبري عند السوفييت إلى درجة أنهم أجبروا عبد الناصر على تعيينه نائبا لرئيس الجمهورية حين نحاه عن رياسة الوزارة وأسندها إلى زكريا محيي الدين في أول أكتوبر 1965.

كان هذا هو السبب الحقيقي والخفي فيما شاع وذاع من تسريب فضيحة علي صبري في نهاية عهد عبد الناصر،وهي قصة فساد من نوع فريد وذي مذاق مروع لا في مضمونها فحسب وإنما في توظيفها السياسي الذي هو أضعاف فسادها المالي ثم في توظيفها وتكييفها الإعلامي وهو أكبر وأقسى من أضعاف الفسادين السياسي والمالي، ويتمثل جوهر العظة والموعظة في أن عبد الناصر وظف هذه القصة لتأديب علي صبري وتقليص نفوذه، والتهوين من شأنه وتقليل حجمه أمام الرأي العام والقيادة السوفيتية على حد سواء.

نبدأ بقراءة أكثر الروايات المتاحة شمولا عن هذه القصة الطويلة الخاصة باستغلال علي صبري لنفوذه في جلب كثير من البضائع من الاتحاد السوفييتي التي جاءت بطائرة خاصة ودخلت مصر بدون جمارك، وقد رواها اللواء جمال حماد في كتاب غير مشهور من كتبه وهو كتاب “الحكومة الخفية في عهد عبد الناصر” حيث يقول: “في 23 يونيو 1969 سافر علي صبري ووفد مرافق له إلى موسكو، وكان برفقته حرمه ونجله حيث أمضوا هناك ثلاثة أسابيع”.

“وقبل العودة كلف علي صبري سكرتيره الخاص مصطفي ناجي الذي كان ضمن الوفد المرافق له بالسفر وحده إلى القاهرة، علي أن يحمل معه ما يخص علي صبري وأسرته من حقائب وطرود، وعندما اتضح أن وزنها 2000 كيلو جرام رفض مدير فرع شركة مصر للطيران بموسكو نقل هذا الوزن الضخم إلا بعد دفع الرسوم المقررة الأمر الذي دعا مصطفي ناجي إلى إرسال برقية عاجلة إلى صلاح الشافعي، وصلاح فراج مديري مكتب علي صبري وكان نصها كما يلي:

“رجاء التنبيه علي السيدين عبد الحميد البليدي وإسماعيل محمد بانتظارنا في مطار القاهرة باللوري والجيب يوم الأثنين 14 يوليو حيث سأصل بمفردي ومعي أمتعة السيد علي صبري علي الطائرة المصرية، والاتصال بشركة مصر للطيران ليرسلوا للسيد حسين توفيق مديرها بموسكو الموافقة تلغرافيا بشحن 2000 كليو جرام زيادة علي المقرر بصحبتنا في نفس التاريخ وعلي نفس الطائرة، علي أن تتم المحاسبة عن طريق الاتحاد الاشتراكي، وعلي أن ترسل شركة مصر للطيران بالقاهرة برقية إلى فرعها بموسكو بما يفيد ذلك”.




وتأتي أولى المفاجآت (السارة) التي زادت الموضوع تعقيدا وقد تمثلت في حرص السوفييت على تكريم ومجاملة علي صبري: “وقبل سفر مصطفي ناجي بقليل أخطره علي صبري أن المسئولين في موسكو أعدوا له طائرة خاصة لنقله هو والوفد المرافق له وجميع حقائبه وطروده إلى القاهرة على نفقة الحكومة السوفيتية، مما دعا مصطفي ناجي إلى إرسال برقية ثانية إلى صلاح الشافعي وزميله بتاريخ 12 يوليو وكان نصها كما يلي: “خالص تحياتي. البرقية السابقة لاغية بكل تفاصيلها، الرجا إلغاء الترتيبات الموضحة بها. الجميع سيحضرون على الطائرة الروسية يوم الثلاثاء 15 يوليو”.

وهنا كانت إدارة البرقيات المبرقة (تبعا لتصوير جمال حماد) تعمل لصالح الشخصين المسيطرين على السلطة أي شعراوي جمعة وسامي شرف: “واستغل شعراوي جمعة وسامي شرف المعلومات الثمينة التي وصلتهما عن أحداث رحلة علي صبري من موسكو إلى القاهرة لإيغار عبد الناصر وإثارته ضده، فقد نقلا إليه نص البرقيات المتبادلة بين سكرتيره الخاص في موسكو ومديري مكتبه بالقاهرة، وكذا أمر الطائرة الخاصة التي خصصتها الحكومة السوفيتية لنقله هو وأسرته والوفد المرافق له من موسكو إلى القاهرة علي نفقتها، كما أبلغاه بموضوع اللوري الذي أمتلأ علي سعته بأمتعة علي صبري التي زاد وزنها عن 2000 كيلو جرام، والذي انطلق به السائق رأسا من أسفل سلم الطائرة إلى فيلا علي صبري الخاصة دون المرور علي الدوائر الجمركية. وها هو جمال حماد يتدخل بالتعليق في الرواية مقدما تفسيره لطبيعة الصراع، ومدعما لهذا التفسير، وهو تفسير لا بأس به فنيا وتاريخيا، وإن كان القارئ المتمرس يدرك بحواسه أن هذا التفسير ليس حقيقيا تماما.

يقول جمال حماد: “ولم يكن ممكناً وصول مضمون البرقيتين المرسلتين من موسكو (لمكتب علي صبري أمين التنظيم بالقاهرة) إلى أي مسؤول بالاتحاد الاشتراكي إلا إذا كان الشخص هو شعراوي جمعه بحكم منصبه كأمين التنظيم المساعد إذ أن موظفي مكتب علي صبري بصرامته وقسوته الشديدتين في معاملة مرؤوسيه لم يكونوا من الغباء بحيث يسمحون بتسرب معلومات سرية خاصة برئيسهم إلى أي إنسان”. “ولم يكن في مقدرة أحد من الناحية الواقعية إبلاغ هذه المعلومات إلى عبد الناصر بهذه الطريقة التي أثارته ودفعته إلى إصدار تعليماته إلى شعراوي جمعه بالتحقيق في هذه الواقعة عن طريق المباحث العامة وهو إجراء استثنائي لم يسبق له مثيل مع أحد من كبار المسؤولين، وبالأخص مع شخص في مكانة علي صبري، إلا إذا كان القائم بالتبليغ هو السكرتير الخاص لعبد الناصر أي سامي شرف”.

“…… كان سامي وقتئذ هو أقرب معاوني عبد الناصر وألصقهم به في العمل، وأهم من ذلك كله كان أقدر الناس على معرفة حقيقة مشاعر عبد الناصر تجاه علي صبري في ذلك الحين، وكانت بلا شك تتسم بالنقمة عليه وعدم الرضا عنه، مما شجعه على تقديم ما لديه من معلومات بطريقة استفزت عبد الناصر، وضاعفت حدة غضبة ضد علي صبري..”. ويشير جمال حماد إلى واقعة أخرى يدعم بها رؤيته في تكييف وتفسير ما حدث من وراء الكواليس: “….. وقد اعترف سامي شرف في التحقيق الذي أجراه معه جهاز المدعي الاشتراكي في قضية 15 مايو 1971 أن علاقة علي صبري به قد ساءت عقب حادث المطار لأنه اعتقد أنه كان وراء هذا الموضوع”.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :