الرئيسية / المكتبة الصحفية / الشيخ أبو خطوة.. الوجه الهادئ للإصلاح الديني

الشيخ أبو خطوة.. الوجه الهادئ للإصلاح الديني

الشيخ أحمد أبو خطوة (1852 ـ 1906) هو أحد كبار علماء الأزهر المعاصرين للشيخ محمد عبده (1849 ـ 1905)، وكان ولا يزال دائما يقرن به في أستاذية الفقه والإفتاء، وهو أحد كبار القضاة والفقهاء علي حد سواء، وصل إلي رياسة المحكمة العليا الشرعية، وهو أعلي منصب قضائي في ذلك الزمن وإذا كان من المعروف أن الشيخ محمد عبده كان شعلة متقدة في ممارسة السياسة والعمل العام بالإضافة إلى دوره العلمي والدعوي، فإن قرينه أو صنوه في العلم والفضل مع التأني في مقاربة القضايا كان هو الشيخ أبو خطوة بلا منافس، وإذا كان الشيخ محمد عبده تقلد الأستاذية والإفتاء فإن الشيخ أبو خطوة كان رأس القضاء الشرعي كما كان مفتيا لديوان الأوقاف.

وعلى وجه العموم فقد كان الشيخان أحمد أبو خطوة وعبد الكريم سالمان أقرب الأصدقاء والأنداد للشيخ محمد عبده. ومن أبرز الطرائف في تاريخنا الفكري والأدبي أن ستة من الشعراء والخطباء وقفوا يرثون الشيخ محمد عبده على قبره تباعا ومن باب المصادفة فإن ترتيبهم في إلقاء قصائدهم وخطبهم كان هو نفسه ترتيب وفياتهم: الشيخ أبو خطوة 1906 ثم حسن باشا عاصم 1907 ثم حسن باشا عبدالرازق وقاسم بك أمين 1908 ثم حفني بك ناصف 1919 ثم حافظ بك إبراهيم 1932، وقد سجل الشاعر الكبير حفني بك ناصف هذا المعنى بكل تفصيلاته في قصيدته البائية الشهيرة “أبو خطوة ولي وقفاه عاصم” التي نظمها ليطمئن بها صديقه الشاعر الكبير حافظ إبراهيم إلى أنه لن يموت إلا بعد أن يموت هو، وهو ما حدث بالفعل.

الطرفة الثانية أن اليساري الشهير أحمد حمروش كان ابنا لعائلة من علماء الأزهر، ومن باب التبرك سُمي بالاسم الذي لم يستعمله كثيرا وهو أحمد أبو خطوة حمروش، وقد أعجب الأستاذ أسامة سلامة رئيس تحرير روز اليوسف بهذا المدخل لمقالي في رثائي للأستاذ حمروش فاقترح علىّ أن يكون هو العنوان أيضا، ومن العجيب أنه لم يكتب مقال في رثاء الأستاذ حمروش غير مقالي هذا، وهكذا لم تأته البركة إلا من ناحية الشيخ أبو خطوة.

أما الشيخ فاسمه بالكامل أحمد بن أحمد بن محمد بن حب الله بن أبي خطوة. ذكر العلامة أحمد تيمور أن نسب الشيخ أحمد أبو خطوة يتصل بالإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما، وأن جده السابع أبو خطوة مدفون في مطوبس، التي هي الآن تابعة لمحافظة كفر الشيخ، وأن جده الحادي عشر محمد أبو خطوة كان أول مَنْ نزل أرض مصر من هذه الأسرة وأنه أقام في بلدة كفر ربيع بمركز تلا في المنوفية، وقد هاجر إليها بعد موت أبيه سالم المدفون بالحدين بالبحيرة، كما أشار إلي أن من أجداده: السيد عبد الرحيم القنائي صاحب الضريح المشهور بقنا. وأضاف الزركلي إلى ما ذكره العلامة أحمد تيمور أن والد أبو خطوة كان شيخا لطريقة النحاسين، وأنه خلفه فيها.

وعلى كل حال فقد ولد الشيخ أحمد أبو خطوة في كفر ربيع إحدى قرى مركز تلا في مديرية المنوفية، ونشأ بها فتلقي التعليم الديني المتاح في ذلك العصر، وحفظ القرآن وبعض المتون الأزهرية ثم انتقل أبو خطوة للقاهرة لطلب العلم بالأزهر، وعلى نحو ما حدد ذلك بالضبط العلامة أحمد تيمور فقد بدأ هذه الدراسة في 1865 (وفي نص تيمور بالتحديد 16 شوال سنة 1281 هجرية).




تلقى الشيخ أحمد أبو خطوة دراسة الفقه علي مذهب الإمام أبي حنيفة، وتتلمذ في الأزهر علي يد الشيخ حسن الطويل، وهو أكثر أساتذته تأثيرا فيه، فقد درس عليه، ولازم صحبته في الأزهر وفي داره، وتخلق بأخلاقه، وقد تلقي عنه كثيرا من كتب الفلسفة والمنطق والعلوم غير الدينية مثل: «شرح الهداية» للمبيدي، و«الطوالع» و«المقاصد والمواقف»، و«إشارات ابن سينا» بالشروح لنصير الدين الطوسي والإمام الرازي، و«المحاكمات»، وبعض كتاب «النجاة» لابن سينا، و«أشكال التأسيس» بشروحها في الهندسة، و«تحرير إقليدس»، وفي الهيئة «شرح الجنميني»، وتذكرة «نصير الدين الطوسي»، وفي الحساب خلاصة بهاء الدين العاملي بشرح البورصاوي، و«المعونة»، وشرح ابن الهائم وغيرها، وفي المنطق «القطب» بحواشيه، و«المطالع»، و«الخبيصي»، و«إيساغوجي» وغيرها.

ولم تقتصر تلمذة أبو خطوة على الشيخ حسن الطويل وإنما كان من شيوخه في أثناء دراسته في الأزهر الشيخ محمد البسيوني البيباني، والشيخ أحمد الرفاعي الفيومي، والشيخ عبد الرحمن البحراوي، والشيخ عبد الله الدرسناوي. ولما تأهل الشيخ أحمد أبو خطوة لمرحلة نوال إجازة التدريس للطلاب، تقدم لامتحان العالمية والتدريس في 1876 (وفي تحقيق العلامة تيمور بالتحديد 18 صفر سنة 1293)، وكانت اللجنة التي أدي الشيخ أبو خطوة الامتحان أمامها مكونة من شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية الشيخ محمد المهدي العباسي، والشيخ عبد الرحمن البحراوي، والشيخ عبد القادر الرافعي الحنفيين، والشيخ أحمد شرف الدين المرصفي، والشيخ زين المرصفي الشافعيين، والشيخ أحمد الرفاعي والشيخ أحمد الجيزاوي المالكيين، ويروي أن أساتذته أعجبوا به إعجابا شديدا لجودة تحصيله، وشدة ذكائه، فأجازوه، لكنه لم يبدأ العمل بالتدريس بعد نجاحه في امتحان العالمية، وإنما أخر العمل بالتدريس لاشتغاله بإنهاء ما كان يقرأه علي الشيخ حسن الطويل، وكأنما منح نفسه ما نسميه الآن في الجامعات “بعثة لدراسة ما بعد الدكتوراة”، ثم ابتدأ التدريس بالأزهر سنة 1878 فقرأ به الكتب المعروفة في ذلك العصر.

وقد كان من تلاميذ الشيخ أبو خطوة عدد من أبرز العلماء في الجيل التالي: الشيخ محمد شاكر، والشيخ محمد حسنين العدوي، والشيخ محمد بخاتي، والشيخ سعيد الموجي، والشيخ محمد الغريني، والشيخ مصطفي سلطان. اختير الشيخ أبو خطوة مفتيا لديوان الأوقاف، وهو منصب دعوي في المقام الأول، إذ كانت إدارة ديوان الأوقاف تعني في المقام الأول بالشؤون المالية والإدارية، وكان إنشاء هذا المنصب وسيلة لفتح باب الإصلاح والتطوير والتجويد في مجال الدعوة، وقد نجح الشيخ أبو خطوة في هذه المهام حيث كانت له اليد الطولي، في تطوير الديوان ودوره في هذا المجال، كما بذل جهدا كبيرا في تحسين أداء الديوان مستعينا بثقافته الواسعة وقدرته على رسم السياسات وتنفيذ التطوير. ثم اختير عضوا في المحكمة الشرعية الكبرى بالقاهرة، ورأس المجلس العلمي للنظر والفصل في القضايا الكبرى. ثم انتدب للمحكمة الشرعية العليا، فكانت له اليد الطولي في إصلاحها، ومنع شهادات الزور، وإصلاح حال المحامين. يذكر أن للشيخ أبو خطوة كتاب في تأبين الشيخ محمد عبده وسيرته. توفي الشيخ أحمد أبو خطوة في 1906.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :