الرئيسية / المكتبة الصحفية / مقالات / الجزيرة نت / الجاسوسية بين الهجان ولورنس العرب

الجاسوسية بين الهجان ولورنس العرب

 

 

لأسباب كثيرة شائكة وشائقة معا، ارتبط الحديث عن أعمال المخابرات والجاسوسية وذكراها في الذهنية العربية المعاصرة بالإنتاج الدرامي السينمائي ثم التليفزيوني، وما من شك في أن مسلسل رأفت الهجان كان أبرز هذه الأسباب الكثيرة.

فقد تصادف أن كان هذا المسلسل -بأجزائه الثلاثة- واحدا من أبرز الأعمال الدرامية الكبيرة التي عرضتها الشاشة الصغيرة في نهاية عصر يمكن لنا أن نسميه بعصر حصرية سلطة الإرسال التلفزيوني قبل أن تبدأ إرهاصات عصر الفضائيات الواسع المدى فيما يعرضه من اختيارات متعددة.

وقد حظي هذا المسلسل المصري الذي عرض في وقت “الذروة الدرامية” حسب التعبير التسويقي التجاري بنسب مشاهدة عالية جدا، كما صادف ظاهرة أخرى مهمة كانت قد بدأت لتوها وهي ظاهرة التوسع الصحفي في التغطية الإخبارية والنقدية للأعمال الدرامية.

وهكذا ظلت الجماهير كل يوم تتحدث عن حلقته السابقة في النهار، وتشاهد حلقته الجديدة في الليل، وكانت الجماهير على اختلاف مستوياتها تفعل هذا بسعادة ونشوة وعلى نحو حافل بالحميمية مع النص ومع الأدوار الفنية المرسومة والمتقمصة ومع أصحابها ومسارها في حياة المسلسل وبيئته أو بيئاته المتعددة، كما أصبحت المناقشات العائلية والمجتمعية تتفاعل باطراد مع التشخيص أو التجسيد المتاح في كثير من حوارات المسلسل للمعاني السياسية الباطنة -وغير المباشرة- التي لم يكن للمشاهد العربي عهد بها.

وقد زاد في جرعة الانفعال والانطباعات الذهنية أن مؤلفه الأستاذ صالح مرسي كان قد وصل إلى درجة متميزة من النضج الروائي والمسرحي الكفيل عن حق بتحقيق الإبهار وقطع أنفاس المشاهدين من خلال رسم متقن للشخصيات، وفي ذات الوقت فإنه كان قادرا على تقديم كثير من المعاني الوطنية بطريقة إنسانية، وسواء أكانت تفصيلات المسلسل التي قدمها صالح مرسي حقيقة أم خيالا فإنه في النهاية رفع معنويات المصريين بطريقة لم تخل من زهو الستينيات القائم على التصور المطلق للعظمة الوطنية، وهو تصور شبيه إلى حد ما -ومع الفارق- بتصور الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر للتفوق الآري، ومع هذا فقد كانت نتائج نصر أكتوبر/تشرين الأول القائمة على أرض الواقع بمثابة سند صلب وقوي لتصورات صالح مرسي و تصويراته في العمل الدرامي المعني بالجانب المعنوي من حياة أمة حاربت وانتصرت بعدما انهزمت.

ومن الإنصاف أن أشير هنا إلى ما لخصته من قبل في كتابي “الثورة والإحباط.. مذكرات أساتذة الأدب” من حديث الأستاذ صالح مرسي عن العوامل التي ساعدته على نضج فني متميز أهله للمكانة التي احتلها في مقدمة الأدباء الذين مارسوا هذه النوعية من الكتابة الحادة النصل التي تتطلب خبرات خاصة، وقد نقلت عن هذا الأديب العظيم اعترافه بما أسداه له الأستاذان الكبيرانتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ من توجيه رقيق وخاصة بعد روايته السيد البلطي، وكتابته لقصة حياة الفنانة تحية كاريوكا.

ومما يجدر ذكره مما قد يدهش له القارئ أن الأستاذ صالح مرسي كان قد بدأ نشر مادة رأفت الهجان منذ مطلع 1986 في مجلة المصور لكن النشر الصحفي لم يحقق للقصة أي ذكر يمكن مقارنته بما حققه المسلسل التلفزيوني.

كذلك فمن الإنصاف الواجب أن أشير إلى التفوق الساحق الذي أدى به الفنان محمود عبد العزيز، هذا الدور المركب والمعقد الذي رسمه صالح مرسي وأطره المخرج القدير الأستاذ يحي العلمي، وقد كان أداء محمود عبد العزيز لهذا الدور على هذا النحو علامة فارقة في تاريخه الفني بل ربما أصبح هو دوره الكلاسيكي في الأذهان، كذلك كان هذا المسلسل علامة فارقة في التاريخ الفني لتصوير الممثلين المصريين للشخصيات التاريخية التي لم يعرفها المشاهد في الحقيقة وإنما عرفها على الشاشة فحسب، ولست أبالغ إذا قلت إن الجماهير المنتظرة لفيلم أشرف مروان ستقارن بين أداء من يلعب دور أشرف مروان في فيلم الملاك وبين أداء محمود عبد العزيز في مسلسل الهجان، وسوف يدفعها عقلها الباطن إلى أن تقيس أداء أشرف مروان على الصورة النمطية المستقرة للجاسوس على نحو ما قدمها محمود عبد العزيز في رأفت الهجان.

ما إن انتهى المسلسل حتى كانت الأخبار تعلن عن حريق في برج مبني التلفزيون المصري وكأن إسرائيل (في تصور البعض) كانت حريصة على أن تنتقم بعمل رمزي في الوقت المناسب، بيد أن ذلك الحادث ظل حادثا عابرا فحسب إلى أن جاءت رواية إسرائيل عن أشرف مروان لتحدث زلزالا عنيفا ومدمرا وذا توابع لم تنته حتى الآن.

قبل هذا كانت للعرب تجربة مهمة بل في غاية الأهمية لأنها لعبت دورا انطباعيا شبيها بدور رأفت الهجان مع اختلاف التوجه والنتيجة، كانت هذه التجربة بمثابة تجربة العرب المبكرة مع أفلام الجاسوسية، وكانت مع فيلم لورنس العرب (1962) الذي أخرجه ديفيد لين وقدم فيه قصة الضابط الإنجليزي الشاب لورنس الذي كلف بمهمة مخابراتية خبيثة ومن طراز حساس، وقد جاءه هذا التكليف من قبل السلطات البريطانية التي ألبت وحرضت مجموعة من العرب بقيادة الشريف الحسين بن علي شريفمكة في تمردهم على دولة الخلافة العثمانية.




وقد صور فيلم لورنس العرب وأنتج باعتزاز غربي راسخ ومتعقل بما يوحي به العمل الفني من نجاح المخابرات الغربية في هذه المعركة الغادرة الطويلة النفس القائمة على استغلال وتوظيف وتضليل المخابرات البريطانية للعرب السذج إستراتيجيا من أجل دفعهم للقضاء على قوتهم الذاتية المستمدة من وجود إسلامي عالمي متمثل في دولة عريقة تعدى عمرها القرون، مقابل محاولة هوائية وغير ناضجة لتحقيق رؤية قصيرة النظر كانت نهايتها تفتيت كياناتهم على النحو الذي حدث بالفعل منذ مائة عام، وأدى إلى نهاية دولة الخلافة العثمانية مع انفصال جزيرة العرب وشمالها في الهلال الخصيب عن آفاق الخلافة الإسلامية لا لمصلحة جماعة العرب الذين تعاونوا مع البريطانيين وإنما لمصلحة قوى أخرى متربصة ومتعاونة أيضا مع البريطانيين ضمن المحاولات المتعددة لتدمير هذه الدولة من أطرافها.

ومن الطريف المشهور أن هذا الفيلم نال تعاطفا عربيا من نوع خاص يتعلق بأحد عناصر فريق العمل الذي أنجزه، وذلك بسبب اشتراك الممثل المصري عمر الشريف فيه بدور الملك الشريف علي (ملك الحجاز لفترة قصيرة جدا) والذي هو أحد أبناء الشريف حسين بن علي، وشقيق كل من الملك عبد الله ملك شرق الأردن والملك فيصل الأول ملك سوريا ثم العراق (الأمير فيصل آنذاك)، وقد كان العرب فخزرين بالطبع بظهور عمر الشريف أمام ممثلين عالميين من طبقة أنتوني كوين (في دور عودة أبو تايه) وبيتر أوتولو (في دور لورنس) وديفيد لين نفسه. ومن غير المشهور أن الفنان جميل راتب أيضا اشترك في تمثيل هذا الفيلم.

ومن الجدير بالذكر أن هذا الفيلم لايزال -للأسف الشديد- يمثل المصدر الأول للمعلومات التاريخية عن حال العرب في تلك الفترة وعن استعدادهم للانخداع للغرب والعمل ضد إخوانهم في الإسلام والعروبة والوطن الممتد، وليس أدل على هذا من أن وقائع هذا الفيلم كانت ماثلة بقوة في ذاكرة معظم الغربيين الذين ناقشوا معي طيلة الفترة الماضية أزمة حصار قطر ومقدماتها وجذورها وتوقعاتهم لمآلاتها في المستقبل، بل إنهم كانوا يشخصون كل تطور في القضية بالقياس على ما قدمه الفيلم من صورة ذهنية ظلت وستظل راسخة في الأذهان.

وقد أجاد الفيلم في تقديم صورة العرب في وقائع وأحداث تلك الفترة، وهي صورة مشبعة بروح القبلية، ومترعة بروح التفرق والحرص المستميت على النزاع والقتال لأوهى الأسباب.

ومن ناحية فنية بحتة فقد بلغ هذا الفيلم ذروة في التصوير السينمائي المبهر والمكلف، وهو تصوير لايزال يمتع المشاهدين ويسعدهم بالصورة الفائقة الجمال للصحراء العربية بلون رمالها وانعكاسات الضوء عليه فضلا عن الطبيعة البكر النقية والحياة البدوية المتفردة.

ومن الجدير بالذكر أيضا أنه على المستوى الفني العالمي فاز ذلك الفيلم العالمي بالعديد من الجوائز ونال استحسان المشاهدين منذ بدء عرضه وحتى الآن، وعلى سبيل المثال فإن الفيلم نال جائزة الأوسكار لأفضل فيلم، ولأفضل مخرج، ولأفضل تحرير ولأفضل موسيقى تصويرية.

واعتبر لورنس العرب في رأي كثيرين من المشاهدين والمتخصصين بمثابة الفيلم الأعظم في تاريخ السينما الأميركية. ومن هؤلاء المخرج الأميركي مارتين سكورسيزي وهو المعروف بلقب مخرج الروائع وصانع النجوم وقد اعتبر الفيلم ملهما له في كثير من أعماله. وحين أعلن معهد الفيلم الأميركي قائمته لأفضل مئة فيلم أميركي في القرن العشرين (كان هذا في عام 1998)، جاء ترتيب فيلم لورنس العرب في المركز الخامس ولم تسبقه إلا أربعة أفلام يعرفها المشاهدون جيدا، وهي المواطن كين، وكازابلانكا، والعراب، وذهب مع الريح.

ولعل هذا النجاح الذي لاقاه هذا الفيلم والذي أفضت في الحديث عنه عن عمد يجذب أنصار الساسة العرب الشبان بما فيه الكفاية والعناية إلى حقيقة صورتهم الذهنية الشائعة في الذهنية العالمية والمشجعة لبعض قيادات الغرب المتربصة لالتهامهم، والقادرة على هذا بسهولة.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من موقع الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

 

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات