الرئيسية / المكتبة الصحفية / الانتحار المفيد لأشرف مروان

الانتحار المفيد لأشرف مروان

علمنا التاريخ أن فصول النهايات تكتب حكما كحكم القضاء من حيث الاحتجاج بالحكم على أنه معبر عن الحقيقة أو كما يقولون: الحكم عنوان الحقيقة. فإذا كان الطب الشرعي قد توصل إلى أنه انتحر (وهذا هو جوهر الفهم العلمي والطبي الغالب منذ أذيع الخبر) فإن هذا هو جوهر الحقيقة فضلا عن أن القرار بالانتحار يتوافق مع ما عرف عن أشرف مروان (رغم كل شيء) من اندفاع ذكي ومحسوب إلى ما يراه مصلحة أو صوابا أو مربحا في إطار حساب الرباح والمكاسب.

ولا شك في أن نتائج قرار انتحاره تدل على أن القرار كان قرارا صائبا وليس أدل على هذا من أنه عاد على صورته ولا يزال يعود على ذكراه بالفائدة بأكثر من أي بديل، يبعد عنه شبح الجاسوسية المرتزقة، وقد كان البديل المنطقي أن يحال أشرف مروان لمحكمة مصرية عسكرية أو غير عسكرية كانت ستنتهي به حتما تحت ضغط الوقائع والشهادات إلى إصدار قرارات نهائية وباتة بإعدامه. وفي الوقت ذاته فإن مشكلته المرضية القلبية كانت قد وصلت إلى مرحلة متقدمة جدا في حراجتها بعد عمليات متكررة أضنته تماما واستدعت تعاطيه لعقاقير تشجع من حيث لا يدري أحد (بالقدر الكافي) على الانتحار.

ومع أن بعض المجاملين للعائلة ولذكرى الرئيس عبد الناصر كانوا يريدون من المصريين أن نصدق السيدة منى عبد الناصر في تصريحها الوحيد المتمثل في قولها بترجيحها قتل مخابرات إسرائيل لزوجها فإن السيدة منى عبد الناصر نفسها لم تكافح من أجل إثبات هذه الفرضية أو تقويتها أو تقديم أي أدلة عليها بل إنها لم تبذل جهدها المطلوب في نفي ما ذاع وشاع من واقعة رقصها (المسربة صورته بالفيديو على اليوتيوب) في فرح ابنها جمال بحضور السفير الإسرائيلي وهي الواقعة التي شغلت المصريين طيلة عدة أسابيع. وأخيرا جاء فيلم الملاك ليظهر امتنان إسرائيل لمروان وتصويرها الرومانسي لخيانته لوطنه.

وقد كنت و لا أزال أرى أن الأفضل من باب اللياقة أن نلتزم جميعا بأن نقول إن الرئيس جمال عبد الناصر لم يكن يعلم بأن زوج ابنته جاسوس. ونصمت.  لا نزيد ولا ننقص. وعلى الرغم من أنني مقتنع تمام الاقتناع بوجهة الطب الشرعي الذي قال بالانتحار فضلا عما تعلمته وعما فهمته؛ فإنني في نفس الجزيئة لا أجد ما يمنعني من أن أبيض صفحة السيدة منى عبد الناصر بالقول بأنها لم تكن تعرف الحقيقة ولو عرفت لثرثرت! وليس معنى أن زوجته لم تكتشف الحقيقة أو لم تعرفها أنها كانت ملاكا.

أعود لأقول إن قرار الانتحار كان أذكى قرار اتخذه أشرف مروان في حياته كلها، فقد كان في هذا القرار خلاصه من فتح ملف موثق لن ينتهي بأقل من الإعدام المؤكد كما ذكرنا مهما حاولت السياسة تنجيته؛ وحتى لو أن دعاوى نقض الإعدام نجحت في تقوية اللغط المصطنع لصالحه فإن ما كان سيكشف عن تورطاته كان كافيا تماما لتشويه أو إعدام صورة جموع بأكملها لا إعدام فرد واحد. وواقع الأمر أن قصة أشرف مروان مع إسرائيل تكفي وحدها لفرض عقوبة حاسمة على من يذكر اسم ناصر كتلك العقوبات التي حصنت ألمانيا من تكرار النازية وهتلر.

وقد علمتنا علوم الرياضة أن المتوسط الحسابي قد لا يكون حقيقة لكنه أقرب الأمور إلى الحقيقة، وشبيه بهذا ما تعلمناه من التاريخ من أن بعض الأقوال تكون خاطئة تماما، ويكون قائلها هو أعلم الناس ببعدها عن الحقيقة لكنها في لحظتها تمثل قمة الحكمة أو المواءمة، ومن الأمثلة البارزة على هذا إجابة الرئيس مبارك على السؤال الخاص بأشرف مروان عند وفاته فقد اكتفى بكلمة عابرة ثم صمت نهائيا.




لا أنكر أن صدمة المعرفة صعبة ولا أنكر أنني أعذر من صدمته قصة جاسوسية أشرف مروان لكنني أخشى عليهم مما سيصابون به بإذن الله عندما يعرفون حقيقة شخص اعتبروه ولا يزالون يعتبرونه أيقونة وطنية، وصدّقوا رواياته رغم ما توحي به من الروايات نفسها من أنها مصنوعة من أجل تشويه الآخرين، ولو تأمل أي أنسان معتز بعقله جوهر هذه الروايات التي يرددونها لوجدها لا تعدو أن تكون فبركة غير متقنة صادفت منبرا مؤثرا وانفردت بالساحة ثم لم تجد منبرا ولا مؤسسة مصرية رسمية مسئولة تهتم بنقدها لأن هذه هي طبيعة الفهم السياسي القاصر للعسكريين العرب وبخاصة في زمن الانقلابات (أو التحضير لها) حين يطغى ويتألق الحرص على هدم  وتدمير ومسح كل شيء سابق.

في جنازة أشرف مروان حضر بعض من عائلة الرئيس مبارك من باب المجاملة التي يعرفها رجال الأعمال مع بعضهم البعض، وحضرت عائلة عبد الناصر بأكملها ولو أنه كان من ألأفضل أن يتكاسل بعضهم، لكن السيدة جيهان السادات التي عرفت بالإقبال على أداء الواجبات الاجتماعية لم تحضر بالقدر (الكافي) لا هي ولا غيرها من أفراد العائلة.

 

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :