الرئيسية / المكتبة الصحفية / أغنية عبد الحليم حافظ التي لم يغن مثلها لعبدالناصر

أغنية عبد الحليم حافظ التي لم يغن مثلها لعبدالناصر

كان من النتائج الطبيعية جدا لهزيمة ١٩٦٧ أن أصيب معظم الفنانين والأدباء الذين عاشوا حالة الوهج الناصري والمد القومي العربي بأزمات نفسية حادة لم ينته أثرها إلا مع نهاية حياة كل منهم ولولا ما توارثه هؤلاء المبدعون من قيم المجتمعات التي نشأوا فيها وبخاصة قيمة الإيمان بحرمة الانتحار لأقدم معظمهم على الانتحار.

وعلى الرغم من حدة الأزمة وشدتها فقد سارت هذه الأزمات النفسية في مسارها التطوري الذي مكن المصابين بها من تخفيف بعض غلظتها وقسوتها مع الزمن كما مكنهم من التصبر تجاه آثارها لكن بقيت كثير من الآثار النفسية التي تتركها الهزائم الكبيرة حين تصل إلى درجة متقدمة من درجات الإحساس بالاغتراب الكلي ومخاصمة الواقع أو تصل في أحيان أخرى إلى حالة نفسية معقدة ومركبة تجعل المصاب بها غير قادر على أن يستعيد عمل ما كان يمكنه فعله بسهولة بل وبفخر وبلذة وإحساس بالمجد.

وقد ظهر هذا المعنى واضحا في حالة كثيرين من الفنانين الذين وجدوا أنفسهم غير قادرين على الإبداع أو العمل بعد الهزيمة ثم تلطفوا في تشخيص حالتهم بالقول بأنهم أصبحوا غير قادرين على العمل مع أي رئيس بعدما اهتز وجدانهم بما حدث للرئيس جمال عبد الناصر والحلم الكبير الذي عاشوه معه؛ وهكذا فإنهم بمجرد وفاة عبد الناصر تركوا العمل الذي تعود عليهم ولا نقول تعودوه أو تعودوا عليه في صحبة الزعيم ورئيس الجمهورية وأعلنوا عن هذا التوقف صراحة متوافقين بهذا مع جو الحزن المصاحب لموت عبد الناصر ليغطوا به على حالة اليأس القاتل التي اعترتهم منذ الهزيمة القاسية. ونحن نظلم هؤلاء (وهم عدد غير قليل) إذا قلنا إنهم أجادوا انتهاز ظرف غياب عبد الناصر للانسحاب المشرف ذلك أنهم كانوا في وضع يستحقون فيه الشفقة الحقيقية فيه لا الاتهام بالانتهازية.

ومع أن التوظيف الناصري بدأ في منتصف الثمانينات أي بعد ١٥ عاما من وفاة عبد الناصر يصور الامر وكأن هؤلاء وجدوا أن قاماتهم لا يجوز لها أن تعمل مع رئيس غير عبد الناصر فإننا نعرف عن يقين أن مثل هذه الادعاءات لا تخرج عن حدود الاصطناع المفتعل والاختلاق غير الصادق. كان من هؤلاء مذيعون ومراسلون ومعلقون ومصورون وفنيو إنتاج لكن أبرز هؤلاء بالطبع كان هو الفنان عبد الحليم حافظ الذي لم يفجع في الهزيمة فحسب بل فجع مرة أخرى بعدها بثلاثة شهور في فقد راعيه الأوفى المشير عبد الحكيم عامر، وهكذا صدر تعبيره المنسوب إليه انه لن يغني لاحد باسمه بعدما فجع في عبد الناصر الذي كان يتراقص في كل حفل باسمه.

لكننا نظلم تاريخنا الفني والسياسي ونظلم عبد الحليم حافظ نفسه إذا لم نذكر الحقيقة الفنية البازغة التي تقول إن عبد الحليم غنى للسادات أغنية بسيطة جدا لكنها وحدها تتفوق على كل ما غناه لعبد الناصر طيلة ١٧ عاما؛ وذلك على الرغم من انه لم يذكر اسم السادات فيها. كانت هذه الأغنية البسيطة (عاش اللي قال) ولا تزال بمثابة أيقونة فنية نادرة التعبير والإيحاء على الرغم من بساطة كلماتها، وشيوع معانيها، وخلو مفرداتها من ألفاظ الجرس الحماسي الموحية بالعظمة أو العبقرية أو التفرد.

 

 

ربما استمدت هذه الأغنية جزءا من عبقريتها من لحن بليغ حمدي الذكي بكل ما فيه من تعبيرية الإيقاع عن روح المعنى، وربما استمدت جزءا من عبقريتها من تطويع عبد الحليم حافظ صوته وأداءه للحن ولكلمات الأغنية لكن هذه الأغنية القصيرة البسيطة السريعة بل الخاطفة تبقى تاجا فنيا على رأس كل من أبدعوها وعلى رأس من أكرموه بها وهو الرئيس أنور السادات. كما قلنا فقد لحن هذه الأغنية بليغ حمدي أما من كتب كلماتها فهو الشاعر الغنائي محمد حمزة الذي كان من أقرب المقربين لعبد الحليم حافظ:

 




عاش اللى قال الكلمة .. دي حكمة وفي الوقت المناسب

عاش اللى قال لازم .. نرجع أرضنا من كل غاصب

عاش العرب اللى فى ليلة .. أصبحوا ملايين تحارب

عاش اللى قال .. للرجال عدوا القنال

عاش اللى حول .. صبرنا حرب ونضال

عاش اللى قال .. يا مصرنا ما فيش محال

عاش ليكي ابنك .. عاش اللى حبك

رد اعتبارك خلى .. نهارك.. أحلى نهار

 

هكذا جمعت الأغنية في هذه الكلمات القليلة البسيطة بين مجموعة المعاني المباشرة غير المعتمدة على التصوير والخيال والمجاز، والمتجهة مبشرة إلى الثناء على الشجاعة، والحكمة، وحسن التوقيت، والانتماء، وأداء الواجب، والتصميم على استعادة الحق، والأرض، فضلا عن النجاح في تحقيق التضامن العربي الجاد والمجاهد بالحرب، فضلا عن سمات القيادة في إصدار الأمر الواضح الصريح رغم صعوبته، والقدرة على صياغة النضال من قلب الصبر، وتحويل طاقة الانتظار إلى طاقة قتال، والإيمان بالذات، والقدرة على تحقيق المستحيل، وهي قدرات تعبر عن حب صاحبها لوطنه ونجاحه في رد اعتبار هذا الوطن، وتحويل ليل الهزيمة إلى نهار للانتصار على حد تعبير الأغنية.

تم النشر نقلا عن موقع الجزيرة نت

لقراءة المقال من مدونات الجزيرة إضغط هنا

للعودة إلى بداية المقال إضغط هنا

شارك هذا المحتوى مع أصدقائك عبر :